الرئيسية » مقالات » باق وأعمار الطغاة قصار …لمناسبة الذكرى(45) لانتفاضة الرشيد الباسلة

باق وأعمار الطغاة قصار …لمناسبة الذكرى(45) لانتفاضة الرشيد الباسلة

كانت حركة حسن سريع أو انتفاضة معسكر الرشيد، أو ثورة تموز الثانية،درسا شيوعيا جديدا،فقد أستطاع مجموعة من الشيوعيين البواسل،يفتقرون إلى التجربة والممارسة من وضع لبنة جديدة لها هالتها الخاصة في البناء الشامخ للحزب الشيوعي العراقي،ورغم افتقارها للتنظيم والتخطيط السليم المدروس إلا أنها والحق يقال ،كانت ثورة حقيقية تجلت فيها ثورية الشيوعيين العراقيين وقدرتهم على التعامل مع الأحداث،وهذه التجربة تدفعنا للتفكير بصوت عال،لماذا لم يستثمر الشيوعيين إمكانياتهم العسكرية في عهد عبد الكريم قاسم،عندما كان لديهم مئات الضباط من مختلف الرتب وآلاف المراتب،وعشرات القادة العسكريين القادرين على استلام السلطة،في ظل قاعدة شعبية عريضة يفتقر إليها الكثير من قادة الانقلابات في تاريخ العراق،أو الأحزاب والتجمعات التي استطاعت استلام السلطة رغم ضعف قواعدها الشعبية وإمكاناتها الحزبية والقيادية،وكان يتوفر للحزب في تلك الفترة قادة من الطراز الأول في مبدئيتهم العالية وعقليتهم المبدعة القادرة على التعامل مع الحدث،وتاريخهم النضالي المشرف،وقادة عسكريين منهم قائد القوة الجوية جلال ألأوقاتي ومدير الحركات العسكرية طه الشيخ أحمد ووصفي طاهر الضابط المؤثر في السلطة آنذاك وبعض كبار القادة من قادة الفرق وأمراء الألوية والأفواج،الى جانب ضباط من مختلف الرتب المتوسطة والصغيرة، يشغلون أماكن قادرة على المشاركة وإحداث التغيير، هل وراء ذلك ضعف في القيادة ،أو ظروف خارجية، أم حسابات داخلية، أم إن طبيعة الحزب الفكرية تنأى عن استعمال القوة للوصول الى السلطة،هذه الأسئلة وغيرها تطرح نفسها،فقد ضاعت فرص كثيرة كان الحزب من خلالها قادر على استلام السلطة وأحداث التغيير المطلوب،،وبعيدا عن ما قيل ويقال من تبريرات في هذا التوجه،منها ألاختلافات الناشئة داخل القيادة والتكتل الرباعي ومؤامرته للإطاحة بالشهيد سلام عادل،والخشية من ردود الأفعال الدولية والإقليمية،وتأثيرات الاتحاد السوفيتي في رؤيته للإبقاء على نظام قاسم،لطبيعة التوازنات الدولية،أو عدم الغدر بقاسم الذي وضع في خانة البرجوازية الوطنية،أو الخلط بين شعبيته وشعبية الحزب،وما الى ذلك من أسباب ومبررات كثيرة قيلت ولا زالت تقال،إلا أني أرى العامل الحاسم للفشل في هذا الجانب هو الخلل التنظيمي الذي يعتمد على الأساليب المتبعة في البلدان الأخرى في بناء المنظمات على أسس طبيعية،والاعتماد على المنظمات الجماهيرية،ومحاولة أبعاد الجيش عن التدخل في شؤون الحكم وإدارة الدولة،فكان الأحرى أن يكون التنظيم العسكري له استقلاليته البعيدة عن هيمنة القيادة المدنية،بمعنى آخر أن يكون ألارتباط التنظيمي لمنظمات الحزب العسكرية بقيادة مستقلة ترتبط بشكل مباشر بسكرتارية اللجنة المركزية أو المكتب السياسي،وأن يتولى مسؤولية التنظيم العسكري العسكريين أنفسهم،بموجب النظام العسكري وضبطه وأخلاقياته المعروفة،وأن يكون لكل وحدة عسكرية تنظيمها الخاص المرتبط بالقيادة الحزبية العسكرية،ويكون تنظيم الضباط بمعزل عن تنظيم المراتب، ولهم عضوهم المرتبط باللجنة المركزية الذي ينقل إليهم تعليمات الحزب وأوامره،لا أن يتولى المدنيون مسؤولية الخطوط العسكرية،فإذا انتقلت الوحدة من مكانها الى مكان آخر أهمل التنظيم وترك سائبا لشهور حتى يتم الاتصال به بطريقة من الطرق،وهو ما حدث كثيرا في التنظيمات العسكرية،والأمر الآخر أن طبيعة العسكري – وخصوصا تلك الأيام- لا يمكن لها الانقياد لقيادة مدنية وتفضل التعامل مع الرتب السكرية بحسب الرتبة والقدم،ولكن الملاحظ أن الحزب أعتمد على الرتب الدنيا وأهمل الرتب الكبيرة،فقد قيل أن عبد الوهاب الشواف شيوعيا منظما،ولكن إهماله من قبل الآخرين وبالذات القوى القومية ممثلة ب(عبد السلام عارف) لم تجعله بمنصب يتلاءم وتاريخه فقد كان مرشحا لمنصب كبير من قبل الأطراف الحزبية المؤثرة إلا أن معارضة عارف حالت دون حصوله على المنصب مما جعله يتحرك باتجاه آخر مضاد للثورة والحزب وكان ما كان من مؤامرته المعروفة التي كانت أحداثها وبالا على الشيوعيين العراقيين.

وحركة حسن سريع رغم ما رافقها من أخطاء يمكن أن نعزو العامل الأكبر في فشلها الى ضعف الاتصال بين التنظيم العسكري والتنظيم المدني،وإهمال عضو الارتباط في متابعة عملية كبيرة بهذا الحجم،ولو كان هناك تحرك حزبي مدني رافق الحركة لتغير مسارها وربما أدت غرضها ،هذا جانب والجانب الآخر هو الأخلاقية الشيوعية التي لا تتلاءم وطبيعة المرحلة ،فقد ألقي القبض على وزيرين من وزراء الحكومة،ولكن القائمين بالثورة لم يتخذا الأجراء المناسب بحقهم،وكانت سلامتهم وبالا على الحركة والقائمين بها،وأن التعامل الثوري في هذه الحالات له أهميته البالغة،فكان لهذين الوزيرين الذين أنقذتهم الأخلاق الشيوعية تعاملهما المزري مع الشيوعيين،بل أصبحا مصدر الخطر عليها والمطالبين بإنزال أقصى العقوبات بحق الثوار.

أن الذي يملك الحسم في اللحظات الحرجة والمنعطفات المهمة هي الجرأة،الجرأة التي لا تتحسب لشيء سوى نجاح قضيتها،وأن التعامل بذات الطريقة مع الخصم ومقاومته بمثل أسلحته كفيل بالنجاح والفوز،أما التردد والحسابات المنطقية فليست من صفات الثوار الحقيقيين،وعلى من يمسك الرمح أن يطعن خصمه ،لأن الخصم في الحالة ذاتها لا يتوانى عن الطعن وتوجيه الضربة القاضية لخصمه،وهذا ما تفتقر إليه الحركة الشيوعية في العراق،فهي بحاجة للثوريين الذين يتعاملون مع الواقع ،لا من يحاولون القفز عليه وبالتالي تنعدم أمامهم الفرص للوصول الى أهدافهم أسوة بالآخرين.