الرئيسية » مقالات » نقاشات فكرية وسياسية مع السيد الدكتور فاضل ألجلبي حول أحداث العراق التاريخية الحلقة الخامسة

نقاشات فكرية وسياسية مع السيد الدكتور فاضل ألجلبي حول أحداث العراق التاريخية الحلقة الخامسة

 الدكتور فاضل الجلبي وموقفه من الأستاذ كامل الجادرجي ومن ثورة تموز 1958
شاركت أربعة أحزاب في التحضير لثورة تموز 1958 هي: الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال والحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الديمقراطي الكردي. وقد شاركت الأحزاب الأربعة الأولى في عضوية اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني , في حين شارك الحزب الديمقراطي الكردي (الكردستاني فيما بعد) بشكل غير مباشر وعبر علاقة نظمت له مع الحزب الشيوعي العراقي بسبب اعتراض حزب البعث وحزب الاستقلال على مشاركته في اللجنة العليا. وهذا يعني أن الحزب الوطني الديمقراطي لم يكن مؤيداً للعملية العسكرية التي جرت في الرابع عشر من تموز لإسقاط نظام الحكم السياسي غير الديمقراطي والملكية حينذاك حسب , بل كان مشاركاً فعلياً وأساسياً في التهيئة والتمهيد ثم التحضير الفكري والسياسي للخلاص من الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي سادت العراق في ظل الحكومات العراقية المتعاقبة للعهد الملكي. وكان الحزب الوطني الديمقراطي ممثلاً برئيس الحزب حينذاك , الأستاذ كامل الجادرجي , في اللجنة العليا للجبهة. وكان من أبرز من اكتوى بنار انقلاب 1936 وتعلم منها الكثير وعاش تجربة انقلاب 1941 وما سبقه وأعقبه من أوضاع شاذة. وبالتالي كان من الذين أكدوا ضرورة تسليم الحكم للمدنيين في أعقاب نجاح الانتفاضة العسكرية بقيادة حركة الضباط الأحرار ورئيسها الزعيم الركن عبد الكريم قاسم. وحين انتصرت تمنى على قاسم أن يسلم السلطة إلى المدنيين لا أن تتشكل حكومة برئاسة قاسم تضم إليها مجموعة كبيرة من ممثلي الأحزاب السياسية المشاركة في جبهة الاتحاد الوطني , ولكن مجلس الوزراء خلا من ممثلي الحزب الشيوعي العراقي, ونشأ موقف الأستاذ كامل الجادرجي عن مسألتين , وهما: التجربة التي عاشها سابقاً , والاتفاق الذي تم مع قاسم , على أن يكون الحكم في العراق بعد سقوط الحكم الملكي جمهورياً ومدنياً لا عسكرياً. كان الأستاذ كامل الجادرجي غير مرتاح من مشاركة الحزب الوطني الديمقراطي في حكم يرأسه عسكري حتى لو كان قائد الثورة من الشخصيات الوطنية التي لا يرقى لوطنيتها الشك , إلا أنه يبقى عسكرياً واحتمال تحوله إلى شخصية تمارس سياسات فردية أمر ممكن كما حصل في السابق بسبب الذهنية العسكرية عموماً. ولكنه وافق على مضض بسبب رغبة قيادة حزبه , ورفض المشاركة في مجلس الوزراء شخصياً.
تابع الأستاذ كامل الجادرجي من خارج الحكومة الوضع في العراق عبر أربعة مستويات :
1. ما كان يجري في الشارع العراقي من قبل أوساط واسعة من الشعب العراقي التي كانت تدار وتوجه من عدد من الأحزاب السياسية.
2. ما كان يجري من جانب الأحزاب السياسية لا على مستوى الجماهير الواسعة حسب , بل وفي إطار ذات الأحزاب والصراعات في ما بينها والتي كانت تنتقل بسرعة وإصرار إلى الشارع العراقي.
3. وما كان يجري في أوساط الحكومة ودور رئيس الوزراء الرئيسي والأساسي في كل القرارات والإجراءات التي تتخذ وغياب أي دور حقيقي للحكومة ذاتها أو لمجلس السيادة الثلاثي.
4. كما كان يراقب بعناية الدور الإقليمي الذي كانت تلعبه كل من إيران وتركيا من جهة , والدول العربية , وخاصة القومية منها والخليجية , ومعها السعودية.
لم تكن هذه المراقبة بعيدة عن المشاركة في ما يجري في العراق , بل قد ارتبط باتخاذ موققف واضح وصارم من العملية السياسية الجارية ومن دور عبد الكريم قاسم. وكان يشاهد بوضوح عدة مؤشرات لا يمكن لمن يخوض العملية السياسية اليومية والمزدحمة بالمشكلات أو من كان يشكل جزءاً من الحكومة مشاهدتها بعين مدققة وناقدة. فقد لاحظ الأستاذ الجادرجي ما يلي:
1. إن الشارع العراقي بدأ يسيطر على العملية السياسية , وفي هذه الظاهرة خطر سيادة الفوضى واحتمال كبير في الوقوع بانحراف صوب اليسار أو صوب اليمين حيث يفقد الحكم البوصلة الضرورية لدفع العملية بالاتجاه الصحيح , إذ يمكن أن يفقد المسؤولون القدرة في السيطرة على وجهة المسيرة والعوامل الفاعلة فيها ونتائجها أو عواقبها.
2. وقد تلمس الجادرجي إن الشارع وعدداً من القوى والأحزاب السياسية بدأت تمجد قائد الثورة بصورة غير اعتيادية وتجعل منه قائداً استثنائياً يصعب رد قراراته (الزعيم الأوحد) أو أقواله , إذ تتحول كلها إلى قوانين ملزمة وإلى فردية طاغية تسقط العمل الجماعي المنشود. ولم يكن هذا التشخيص ناجم عن غيرة أو حسد لجماهيرية القائد من جانب الجادرجي , كما حلا للبعض تسميته بتحليل مسطح , بل لإدراكه لمخاطر دفعه إلى الفردية والاستبداد من خلال عملية تقديس أو عبادة الفرد.
3. أن الأحزاب السياسية , ولم تمض فترة طويلة على نجاح الثورة , بدأت تخوض صراعاً في ما بينها على السلطة وعلى اتجاهات سياسة الحكم بالاتجاهين اليميني أو اليساري دون أن يكون للدولة رأي في المسيرة المنشودة بسبب غياب مؤسسات الدولة الديمقراطية وغياب الدستور الديمقراطي.
4. وتلمس الجادرجي بحس ديمقراطي سليم , ما يجري على صعيد الحكم من صراع بين العسكر على الدور الأول لقائد الانتفاضة المسلحة أو لنائبه عبد السلام محمد عارف , ثم انقسام الشارع العراقي إلى أكثرية مع قاسم وأقلية مع عارف , ولكنه تلمس العواقب الوخيمة لمثل هذا الانقسام , خاصة بعد أن اتخذت الدول العربية موقفاً واضحاً مناهضاً لقاسم ومؤيداً لعارف.
5. كما أدرك بوضوح أن قاسماً غير مستعد على تسليم الحكم للمدنيين ولا إلى التحول صوب الحياة المدنية والدستورية ولا إلى إقرار دستور ديمقراطي رغم التكليف بوضع هذا الدستور. إذ بدأ قاسم يعتقد جازماً بأنه الشخص الوحيد القادر على حماية الثورة وأنه الوحيد القادر على فهم الشعب وحاجاته , وبالتالي لا يمكن الاطمئنان لآخرين. وهي سمة تصاحب الذهنية العسكرية والروح الفردية حين يكون الفرد في السلطة.
6. ثم كان الجادرجي يتابع بدقة مجرى العملية السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأدرك المخاطر الجدية لغياب المؤسسات الدستورية والديمقراطية والحياة البرلمانية وقانون ينظم عمل الأحزاب السياسية دون تدخل من وزارة الداخلية أو من قاسم مباشرة في التأثير على قرارات وزارة الداخلية بشأن إجازة الأحزاب أو حرمانها من الشرعية في العمل السياسي.
إن هذه وغيرها من الظواهر التي تراكمت تدريجاً , بما في ذلك مجرى الصراع بين الشيوعيين والبعثيين والقوميين حول الوحدة والاتحاد , وفي حقيقة الأمر حول السلطة السياسية واتجاه التطور , ومن ثم دور الإسلام السياسي الجديد في مناهضته لقانون الأحوال المدنية , ثم طريقة الحوار مع شركات النفط الأجنبية والمسألة الكردية أو طرح موضوع الكويت , ثم بقاء أجهزة الدولة على تكوينها السابق بشكل عام لم تكن لتحصل لو أن عبد الكريم قاسم قد بادر إلى تسليم الحكم إلى جبهة الاتحاد الوطني وسحب جميع العسكريين من دفة الحكم وعاد بهم إلى ثكناتهم ومنحهم دور تأمين الحماية للحكم الجديد , كما دعا إلى ذلك الأستاذ كامل الجادرجي , قد وضع اللبنات الفعلية لانهيار ثورة تموز.
لم يكن كامل الجادرجي ضد قانون الإصلاح الزراعي , كما لم يكن ضد إلغاء قانون العشائر أو ضد أي من تلك القوانين التي صدرت عن السلطة السياسية حينذاك وتستجيب لمصالح الشعب والحركة الوطنية العراقية , بل كان يريدها أن تصدر عن سلطة شريعة ديمقراطية منتخبة تقود البلاد إلى شاطئ الأمن والسلام , بدلاً من خلق التناقضات والصراعات والنزاعات بين القوى والأحزاب السياسية المختلفة ثم ممارسة الحكم الفردي من خلال غياب الوحدة الوطنية.
كم كان مجحفاً وبعيداً عن الموضوعية والعلمية حين اتهم كامل الجادرجي بالغيرة والحسد من جماهيرية قاسم , في حين كانت خشية الجادرجي تنبع من تنامي تقديس الفرد على الشرعية والديمقراطية في البلاد ومستقبل العراق , إذ أن تجربته الذاتية وتجارب العالم كانت تؤكد , ولا تزال تؤكد , حتمية تحول العسكريين أو الحكام إلى النهج الفردي في الحكم وإلى الاستبداد حين يبدأ الشارع يمارس عملية تقديس الفرد تقديس قاسم , شاء قاسم أم أبى ذلك. تجارب كل الدول والشعوب تؤكد ذلك دون أدنى ريب.
لم تسقط ثورة تموز بفعل التآمر الخارجي أساساً , بل بفعل غياب الوحدة الوطنية والحياة المدنية والدستورية والديمقراطية البرلمانية , وسيادة الفردية والتغاضي عنها ودور الشارع غير المنظم والفوضوي في التأثير على الأحداث يسرة أو يمنة. وهذه الوقائع الحية عجز الدكتور فاضل الجلبي عن استيعابها , لأنه لم يكن سياسياً ديمقراطياً محنكاً ولا واعياً لما كان يجري حينذاك ولم يع بأي حال العوامل الجوهرية التي كانت تحرك الأستاذ كامل الجادرجي وحرصه على أن لا تعاد تجربة العام 1936 , والتي عادت فعلاً ولكن بصورة أكثر مرارة وأشد عدوانية وشراسة. لم يكن عيباً أن يطالب الأستاذ كامل الجادرجي وبقية القوى الوطنية العراقية بالحكم المدني وأخذه بأيديهم بدلاً من بقاء الحكم بيد العسكر , بل كان العيب في استمرار العسكر في الحكم بعد تلك الثورة المظفرة , إذ كان عليهم أن يختفوا في ثكناتهم بعد أن أدوا المهمة.
ثورة تموز لم تحقق أهدافها , رغم أنها قد بدأت بذلك بسبب زخم الاندفاع الثوري والشارع العراقي ودور بعض الأحزاب السياسية بطرح الشعارات أو برنامج جبهة الاتحاد الوطني , لا لأن الأستاذ كامل الجادرجي لم يقف إلى جانب قاسم , بل لأن قاسم لم يقف إلى جانب الديمقراطية والحياة المدنية والدستورية , ولأن الفوضى ورغبة كل حزب من الأحزاب السياسية في التحكم بوجهة التطور قد أدت إلى تدهور الأوضاع. وإذ رفض الأستاذ كامل الجادرجي أن يقف حزبه إلى جانب تلك المسيرة التي بدأت تتشوه وتسير في طريق مسدود , قاد صديقه ورفيق نضاله الطويل , وربما بتحريض من قاسم , الأستاذ الراحل محمد حديد , ومعه مجموعة من كوادر الحزب , انشقاقاً في الحزب وتم تشكيل الحزب الوطني التقدمي بقيادة الأستاذ الراحل محمد حديد. وكان الهدف تأييد عبد الكريم قاسم ومحاولة قيادة البلاد من خلاله , ولكن لم تستطع إيجابية الأستاذ محمد حديد ولا ديمقراطيته المعروفة لنا جميعاً دفع البلاد باتجاه المدنية والسيطرة على فردية قاسم , مما جعل المسيرة أكثر تعقيداً وجعل من قدرة الأستاذ كامل الجادرجي في التأثير على قاسم أكثر صعوبة بعد انشقاق حزبه , رغم ما يقال عن احترام قاسم للراحل الجادرجي , إذ لم تكن المسألة بالنسبة للجادرجي مدى احترام قاسم له , بل كانت مدى إمكانية تجنيب البلاد المصائب التي وقع فيها العراق فيما بعد. لقد دب الاختلاف في قيادة الحزب الوطني الديمقراطي , وهو أمر طبيعي ومحتمل بالنسبة إلى جميع الأحزاب. ولكن علينا أن نقف بحيادية عالية و ونحن من خارج هذا الحزب , لنقدر من كان على حق بعد مرور 50 عاماً على الثورة. لقد كان توقعات أو قل تنبؤات الأستاذ الجاردجي واقعية حين أكد إلى أن استمرار الحكم بقيادة العسكر سيقود على كارثة رغم ما تحقق في البداية من نجاحات في إصدار جملة من القوانين والقرارات والإجراءات المهمة على الصعيد الداخلي والدولي. ومن المؤسف أن نقول بأن الذي اعتقد بإمكانية استمرار المسيرة على ذات الشاكلة سيقود على النتائج المرجوة , كان على خطأ جسيم.
لم يستطع الدكتور فاضل الجلبي , بعد مرور خمسين عاماً على تلك الانتفاضة ثم محاولة تحويلها إلى ثورة شعبية أو جذرية , أن يعي التجربة بعمق وأن يحللها بعقل بارد وقلب دافئ , بل غاص في مستنقع الحقد والكراهية إزاء الأستاذ كامل الجادرجي , وهو أمر يؤسف له لمن يدعي العلمية والموضوعية والخبرة النفطية!
لا بد من أن أشير هنا إلى أن كل الأحزاب السياسية التي شاركت في الحياة السياسية حينذاك, سواء أكانت في ممارستها للحكم مع عبد الكريم قاسم , أم في تأييدها لسياسات عبد الكريم قاسم , وهو شخصية وطنية لا أحد يشك بوطنيته ونواياه الحسنة ولكن الطريق إلى جهنم يمر عبر النوايا الحسنة , قد ارتكبت الكثير من الأخطاء ومارست سياسات تدلل عن طفولة يسارية , مثل الحزب الشيوعي العراقي , أم سياسات يمينية مغرقة في اليمينية والشوفينية القاتلة والعنف , كما في حزب البعث والقوى القومية وحزب الاستقلال , أم في سياسات إسلامية متطرفة في عدائها للحديث والديمقراطية وحرية المرأة , كما في موقف القوى الإسلامية السياسية الشيعية منها والسنية , أم في سياسات متعجلة في الحصول على الحقوق المشروعة , كما في الحزب الديمقراطي الكردستاني وثورة أيلول 1961 , رغم عدالة المطالب التي كانت تطرحها. ويبدو لي بأن الموقف السلبي الذي اتخذه الأستاذ كامل الجادرجي من حكومة وسياسات عبد الكريم قاسم غير الدستورية والفردية كان سيكتب له النجاح لو تسنى للقوى السياسية الأخرى أن تدرك ما كان يدور في بال الأستاذ الجادرجي حينذاك لتتفق وإياه في ضرورة مغادرتها أو مغادرة العسكر للحكومة , ومنهم قاسم نفسه , والطلب المشترك في إعادة النظر في وجودهم في السلطة وتسليم الحكم للقوى والأحزاب السياسية العراقية حينذاك من خلال التعجيل بوضع الدستور الجديد وإجراء الانتخابات وفرض عملية التداول السلمي والديمقراطي للسلطة.
لقد تحول الدكتور فاضل الجلبي بقدرة قادر من معارض لسياسات قاسم إلى مؤيد لها وإلى قاسمي النزعة والاتجاه دفعة واحدة , ونحن نعرف مواقفه السابقة تمام المعرفة , بسبب موقفه من الأستاذ كامل الجادرجي , وهو أمر يعبر عن شخصية الدكتور فاضل. ولكن الحراب التي وجهها إلى صدر الأستاذ الراحل كامل الجادرجي عادت إلى نحر الجلبي وأصابته بالصميم , وأتت , كما أرى , على مصداقيته.
لا يمكن أن يكون الأستاذ الجادرجي بدون أخطاء , فليس هناك من هو معصوم عن الخطأ , ولكن ارتكاب الخطأ في إطار الاجتهاد السياسي المخلص شيء , وتوجيه الاتهام بتخريب الحياة السياسية بسبب تلك الأخطاء أو حتى بدون سبب شيء آخر. فإذا كان الأول ممكناً ويمكن توجيه النقد بسببه , فأن الثاني إساءة سياسية وأخلاقية غير مقبولة أياً كان مرتكبها. ثورة تموز لم تعجز عن تحقيق أهدافها بسبب الأستاذ كامل الجادرجي , بل انهارت بسبب سياسات عبد الكريم قاسم , ومعه سياسات الأحزاب الوطنية العراقية وسياسات القوى القومية العراقية والقوى والدول القومية العربية على نحو خاص , إضافة إلى التآمر الإقليمي والدولي على حكومة قاسم.
7/8/2008 كاظم حبيب
انتهت الحلقة الخامسة وستتبعها حلقة سادسة.