الرئيسية » مقالات » المثقف العراقي وازمة الموقف الحلقة الثانية

المثقف العراقي وازمة الموقف الحلقة الثانية

للأسف الشديد كانت الطائفية عنواناً عريضاً لدى بعض المثقفين وحقيقة مخفية عند بعضهم الآخر، وكانت الادلجة هي القناع الذي يخفي شبحها .. فأدلجة الاحتلال والسيادة والوطنية والقومية ووحدة الارض، خير اقنعة لاخفاء حقيقة التوجّه الطائفي لدى عدد من المثقفين، واعترف بان بعضهم كان محترفاً في تسويق هذه الاقنعة دون اظهار طائفيته، بل اجاد في تقمّص الدور حتى مع نفسه .. لكن بعضهم الآخر كان فاشلا ً جداً، لدرجة يمكن لك وبسهولة ان تكتشف طائفيته عند اول ثلاث اسطر فقط من مقاله او شعره، حيث كان الكثير منهم ينتهي بشتم مكوّنٍ كاملٍ واتهامه بالخيانة وعدم الولاء لوطنه، بعد بداية سياسية يتظاهرون فيها بالرزانة والحياد والتحليل السياسي البعيد عن الطائفية، ممّا يؤكد عنفوان الفكر الطائفي، واسبقيته على غيره في تحديد المواقف.

يبدو ان المثقف العراقي – ليس كلهم بالتأكيد – قد حدّد خياراته على ضوء ما تراه طائفته وليس عقله او مصلحة بلده، وقد تماشى مع عجلة الطائفية ليصبح احد اهم اركانها في عراقنا الجريح، فعلى سبيل المثال روّجت النخب الثقافية العراقية سابقاً وتحديداً في فترة العهد الملكي الذي كان غطاءاً غير شرعياً للاحتلال البريطاني الى مقولة (الحاكم الكافر العادل خيرٌ من الحاكم المسلم الجائر، في اشارة الى حكم الانكليز بعد العثمانيين)، ويبدو كان هذا رداً من قبل المستفيدين من الوضع الجديد، على معارضي الاحتلال البريطاني الذين قاموا بثورات وانتفاضات متكرّرة لاخراجه من البلد في تلك الفترة.

انتهى ذلك الزمن ليأتي زمن الاحتلال الامريكي المعاصر، وازيلت تلك المقولة من مخيّلة مَن كان يؤمن بها في السابق، ليصبح ذلك المسلم الجائر عادلا ً بل شهيداً في نظر الكثير، لمجرّد استفادة الآخر من الوضع الجديد، والذي هو بدوره ايضاً اعتقد ورضخ اليوم لضرورة حكم الكفر العادل بدلا ً من حكم المسلم الجائر .. تبادل الادوار في مواقف المثقفين، جاء منسجماً مع مكتسبات طوائفهم في ظل كل نظام، وليس نتاج عقلي استند على فكر سياسي يقدّر مصلحة البلد، لهذا تجد ما كان مرفوضاً في السابق، اصبح اليوم مقبولاً، والعكس صحيح، وما كان يسمّيه بعض المثقفين بالواقعية السياسية في فترة من الفترات، اصبح اليوم خيانة وعمالة.

يتبع ….