الرئيسية » مقالات » دور شهيد المحراب في رسم أبعاد مستقبل العراق السياسي الجديد

دور شهيد المحراب في رسم أبعاد مستقبل العراق السياسي الجديد

منذ دخول أية الله العظمى السيد الشهيد محمد باقر الحكيم (قد) إلى ارض الوطن في العاشر من أيار عام ألفان وثلاثة وحتى استشهاده بمدينة النجف الاشرف في شهر آب من نفس العام ورغم قصر هذه المدة التي لم تتجاوز الأربعة أشهر تقريبا ألا أن السيد الحكيم استطاع ومن خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة وفي تلك الأوضاع الاستثنائية التي كان يشهدها العراق استطاع أن يستوعب الجماهير العراقية المتحمسة والخارجة للتو من سلطة الدكتاتورية وحكم التسلط للانطلاق بها نحو بناء المستقبل السياسي للعراق الجديد ورسم أبعاد هذا المستقبل من خلال الجماهير أنفسهم إيمانا من السيد الحكيم بأهمية إشراك الشعب في تحديد أي قرار يتخذ في هذا المجال وتصدى السيد شهيد المحراب بقوة لهذه النقطة من موقع العالم المجتهد والسياسي المحنك من اجل مساعدة العراقيين لتشكيل حكومة يختارها أبناء الشعب بانفسم لاغيا بذلك فكرة القائد الأوحد أو استئثار جماعة أو حزب أو أي جهة كانت بالسلطة , لذلك كانت الجماهير العراقية تتطلع وبقوة للسيد الحكيم ولدورة الأبوي والقيادي والديني من اجل تولي قيادة المرحلة الاستثنائية في ذلك الوقت والتي كانت تشهد حالة من الفراغ السياسي والأمني وتردي مستوى الخدمات وتدمير شبه كامل للبنى التحية في اغلب مناطق العراق والمتابع لمسيرة شهيد المحراب بدقة خلال الثلاثة أشهر ونصف التي قضاها في العراق والمتأمل جيدا بمشروعه السياسي والديني الكبير يجد أن السيد الحكيم قد وضع الخطوط العريضة وحدد الملامح الأساسية للعراق المفترض أن يكون ما بعد نظام صدام ابتداءا من مطالبته بإجراء الانتخابات واهتمامه الكبير بكتابة دستور عادل يحترم هوية العراق وانتمائه العربي والإسلامي إضافة إلى موضوع السيادة واحترام حقوق المرأة , لذلك كان مشروع السيد شهيد المحراب مصدر قلق لجهات عديدة كانت تنوي تشكيل حكومة تحاصصية والعودة من جديد بمسميات مختلفة حددها شهيد المحراب وتولى بنفسه فضحها في مناسبات عديدة رافضا بذلك أي خطوة تتخذ لتعيين حكومة تديرها القوات الأجنبية أو بعض المقربين منها دون أن يكون لأبناء الشعب رأي فيها وأكد على هذا في اغلب خطاباته الجماهيرية والتي ابتدأها منذ أول يوم دخوله إلى العراق عند لقائه الجماهير المليونية في مدينة البصرة قائلا ( نريد الاستقلال ولا نريد حكومة مفروضة ) مواصلا خطابه ( إن العراقيين لا يحتاجون إلى احد لمساعدتهم على بناء الحكومة الجديدة) وقد حدد السيد الحكيم في ذلك الوقت ملامح هذه الحكومة وشدد على أن تكون حكومة لكل العراقيين عندما قال (نريد حكومة تمثل المسلمين جميعا شيعة وسنة وتمثل المسيحيين أيضا وكل طوائف العراق نريدها حكومة تمثل جميع أبناء الشعب ) وفي هذا المجال وظف السيد الحكيم كل ما يملك من خبرة طويلة من العمل الجهادي والسياسي والديني من اجل أبناء الشعب العراقي وللوقوف إلى جانبهم من اجل استرداد حقهم المغصوب والذي صادره النظام البعثي طوال ثلاث عقود من الزمن مذللا بذلك كل الظروف الصعبة رافضا لكل التحذيرات التي تلقاها من مغبة الذهاب إلى العراق وكان شهيد المحراب وقبل دخوله ارض الوطن كان يدعوا للوقوف إلى جانب أبناء الشعب العراقي مهما كانت التضحيات وأكد في أكثر من مرة وهو في ارض الغربة (إن خيارنا الشرعي والسياسي والأخلاقي هو الوقوف إلى جانب أبناء الشعب العراقي لتحقيق حريتنا واستقلالنا وإرادتنا وعزتنا وكرامتنا) وفعلا كان السيد الحكيم من أكثر القادة المتحمسين للدفاع عن قضايا الشعب المصيرية واستخدم لهذا الغرض العديد من الوسائل السلمية المعبرة والمؤثرة منها كالخطب الجماهيرية التي كان يلقيها إثناء لقاءه بالجموع المليونية في مختلف مناطق العراق والتي من خلالها راح يؤسس لبناء عراق ديمقراطي يتناسب مع معطيات المرحلة الجديدة كما استخدم وسائل الإعلام الدولية أيضا من اجل إيصال صوت الشعب العراقي إلى المجتمع الدولي موضحا في هذا السياق مظلومة الشعب وما لاقاه من الحيف والحرمان طوال ثلاث عقود من الزمن كما كان يدعوا ومن خلال هذه الوسائل إلى تشكيل حكومة عراقية منتخبة بعد سقوط النظام مباشرة تكون قادرة على سد الفراغ السياسي الحاصل في العراق وتتحمل متطلبات الشعب كما قال لوكالة الأنباء اليابانية ( إن العراقيين قادرين على تشكيل حكومتهم خلال شهر واحد ) وأراد السيد الحكيم من خلال وسائل الإعلام هذه أن يرسل رسالة إلى الدول التي شاركت باحتلال العراق مفادها أن العراقيين لايرضون إطلاقا بتشكيل أي حكومة تختارها القوات الأجنبية أو يديرها بعض المقربين منها واستخدم منبر الجمعة لذات الغرض واعتبره ضرورة ملحة في ذلك الوقت للتواصل مع الأوساط الشعبية والجماهيرية واستمر السيد شهيد المحراب بإقامة هذه الصلوات والتي جعل من منبرها الفيتو الحقيقي بوجه كل المشاريع الاستغلالية والأطماع الشخصوية ودافع من خلالها عن الدين والمذهب وعن العراق والعراقيين وواصل السيد الحكيم نهجه هذا حتى آخر خطبة ألقاها في حياته المباركة في الأول من رجب يوم استشهاده رضوان الله تعالى عليه عندما دعا القوات الأجنبية الموجودة في البلد إلى ضرورة إعطاء الفرصة للعراقيين من اجل تشكيل حكومة وقد حدد في ذلك الوقت ثلاث أسس لتشكيلها.
أولا : أن يكون الوزراء أكفاء وقادرين على إدارة وزاراتهم وان يكونوا من أصحاب الكفاءات والقدرات والاختصاصات .
ثانيا : أن يكونوا مخلصين لشعب العراق وان يكون الوزير جادا في أخلاصة وعمله .
ثالثا : أن تكون هذه الحكومة معبرة ومنبثقة من الشعب وان تمثل فيها جميع طوائف الشعب العراقي .
ولاشك فان شهيد المحراب وطوال فترة حياته ابتداءا من أيام الغربة ومقارعته للنظام وانتهاءا بآخر يوم من حياته وبفضل جهوده ومواقفه جعل القضية العراقية مفتوحة أمام الجميع وحمل الهم العراقي حتى آخر نفس من أنفاسه ودافع عن العراق والعراقيين بكل ما أوتي من قوة وقدم في سبيل ذلك سيل من التضحيات كان آخرها هو نفسه في انفجار هز مدينة النجف الاشرف وهز معه قلوب الملايين من المؤمنين داخل وخارج الوطن وبذلك غيب شهيد المحراب جسدا لكنه ضل وسيبقى فكرا خالدا وهاجا في ضمائر وقلوب العراقيين تنعاه الجموع ولسان حالها يقول نم قرير العين ياقائدنا وسيدنا الحكيم فنحن على دربك سائرون وهيهات منا الذلة .