الرئيسية » مقالات » حرب الخليج الثالثة والكارثة التي حلت بالعراق

حرب الخليج الثالثة والكارثة التي حلت بالعراق

أولاً:الخطة الأمنية الجديدة ومستقبل حكومة المالكي
بعد أن انسحب وزراء جبهة التوافق، وجبهة الحوار، والقائمة العراقية والتيار الصدري، من حكومة السيد نوري المالكي التي عجزت عن تحقيق المصالحة الوطنية، باتت الحكومة مشلولة تماماً، وعاجزة عن اتخاذ القرارات الحاسمة في مختلف الشؤون السياسة والاقتصادية والأمنية، وخاصة فيما يتعلق بتعديل الدستور، ومعالجة موضوع المواد المختلف عليها، والتي تمثل المدخل الحقيقي لتحقيق المصالحة الوطنية، وصيانة وحدة العراق، وإعادة الأمن والسلام في ربوع البلاد، وإعادة اللحمة إلى النسيج الاجتماعي العراقي، والانتقال نحو بناء البنية التحية المخربة، ومعالجة معضلة البطالة الواسعة، ومكافحة الفساد المستشري في الجهاز الإداري على نطاق واسع.
مرت الأشهر العديدة و السيد رئيس الوزراء المالكي، و الناطق الرسمي باسمه يعلنان مرة بعد أخرى بقرب إملاء الشواغر في الوزارة تارة، أو بتشكيل وزارة تنكوقراط جديدة تارة أخرى، لكن الأيام والأسابيع والأشهر مضت دون أن نشهد الوزارة المعهودة، ومشاريع القوانين معطلة، وفي مقدمتها ما يخص المصالحة الوطنية أمام البرلمان المعطل هو الآخر حيث يسرح ويمرح معظم أعضاءه في بلدان أوربا وبعض البلدان العربية للترفيه عن أنفسهم بعد عناء العيش في سجن الواحة الخضراء!!.
وبات البرلمان العتيد والشعب العراقي على طرفي نقيض، والأحزاب الدينية قد سيّست الدين، واستخدمته لتحقيق أغراض سياسية تتمثل حصراً بالصراع من أجل السلطة والثروة، مدعومة من قبل مليشياتها المسلحة التي باتت تتحكم بمصير الشعب العراقي، والويل لمن يقف أمامها، فهي لا تتحدث مع المواطنين إلا بقوة السلاح كي تكتم به أنفاسهم، ومنعهم من التعبير عن رفضهم واستيائهم مما يجري في البلاد من جرائم وحشية بشعة من قتل وتهجير وتشريد، وانتهاك لحرمة المنازل، وقمع الحريات العامة والشخصية، حتى بات المواطن على يقين أن الحكومة ليست هي التي تحكم هذا البلد بل المليشيات المنفلتة من عقالها دون وازع من أخلاق أو ضمير أو قانون.
ولم يعد نشاط هذه الميليشيات يقتصر على الصراع مع الشعب، بل لقد تعدتها لتدخل في الصراع الذي احتدم بين الأحزاب التابعة لها، وهذا ما شهده الشعب في الديوانية والبصرة والعمارة والنجف والحلة وغيرها من المدن الأخرى حيث الصراع المحتدم بين ميليشيات المجلس الإسلامي الأعلى التابع لعبد العزيز الحكيم وجيش المهدي التابع لمقتدى الصدر، والذي بلغ حد الصراع المسلح، واغتيال العديد من المحافظين ومدراء الشرطة وضباط عسكريين كبار تابعين لهما.
إن ما تدعيه حكومة المالكي حول التحسن الأمني المحدود في البلاد أمر لا يمكن الركون إليه، فهو في واقع الأمر تحسن هش حصل جراء زيادة القوات الأمريكية، حيث استقدمت إدارة الرئيس بوش 30 الف جندي ليرتفع عدد الجنود الأمريكيين إلى 170 الف جندي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لجوء الإدارة الأمريكية إلى تكوين ما يسمى بقوات الصحوة من العشائر التي كانت مرتبطة بالنظام السابق فيما مضى، والتي كانت هي نفسها تحمل السلاح ضد قوات الاحتلال وقوات السلطة، وتمارس أعمال القتل والتفجير، وزرع العبوات الناسفة وعمليات اختطاف المواطنين، وقد تم ربطها بقيادة القوات الأمريكية بصورة مباشرة، وتستلم أجورها وسلاحها من قبل القوات الأمريكية. (1)
إن هذه القوات المشكلة والتي أطلق عليها بقوات الصحوة تمثل سلاحاً ذو حدين، فهي مرهونة بتواجد القوات الأمريكية في البلاد، والتي خلقتها لتعيد التوازن بين القوى الشيعية التي هيمنت على السلطة، والقوى السنية التي تم دحرها في الحرب الأخيرة التي انتهت بسقوط نظام الدكتاتور صدام حسين، بعد أن أدركت الإدارة الأمريكية خطر الميليشيات التابعة للأحزاب الشيعية المرتبطة بالعديد من الوشائج مع حكام طهران، وعليه فإن التحسن الأمني المحدود يبقى هشاً، ويبقى الوضع الأمني قابلاً للانفجار في أية لحظة، حيث لا يمكن الركون إلى ولاء هذه القوات، والتي يمكن أن تفجر الوضع الأمني متى شاءت.
إن الأمن الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون إجراء مصالحة حقيقية بين مكونات الشعب العراقي، مع استبعاد العناصر التي مارست دوراً في جرائم النظام السابق، وإقامة نظام ديمقراطي حقيقي لا شائبة فيه، وهذا الأمر لا يمكن أن يتحقق على يد حكومة مبتورة الأطراف، ولا بد من تشكيل حكومة تنكوقراط بعيدة عن المحاصصة الطائفية والعرقية، تتولى إعادة الأمن والسلام في البلاد، وتصفي كافة الميليشيات المسلحة دون استثناء.
إن استمرار وضع الحكومة على حاله، وحتى القيام بترقيع الحكومة لا يمكن أن يضمن دوام الأمن والسلام في البلاد، ويشكل تهديداً مستمراً لتدهور امني جديد ما دامت عوامل الانقسام والصراع مستمرة لتخفو تارة وتندلع نيرانه تارة أخرى، ولابد من معالجة جذرية لأسباب الانقسام والصراع، ولا سبيل لذلك غير طريق المصالحة الوطنية القائمة على أسس من العدالة، فلا عفو عن المجرمين، ولا تحميل الأبرياء وزر جرائم لم يرتكبوها، وإن عملية اجتثاث الفكر البعثي الفاشي، وليس اجتثاث البعثيين، هو السبيل لقيام النظام الديمقراطي المنشود.

ثانيا: دور الصراع الإقليمي في تدهور الوضع الأمني في البلاد

تعرض العراق منذ اندحار القوات الصدامية في حرب الخليج الثانية أثر غزوه الكويت لشتى التدخلات الدولية والإقليمية، وبشكل خاص من قبل الولايات المتحدة ودول الجوار تركيا وإيران وسوريا، ولاسيما بعد تحجيم نظام صدام، وفرض الحصار الاقتصادي على العراق، وتحول العراق إلى ساحة للصراع. فلم تكد حرب الخليج الثانية تضع أوزارها حتى اندلعت انتفاضة الأول من آذار عام 1991 التي جاءت احتجاجاً على جريمة النظام الذي ورط العراق في حرب معروفة نتائجها سلفاً، واحتجاجاً على طغيان الدكتاتور صدام حسين وحزبه، وقد انتشر لهيب الانتفاضة في مختلف المدن العراقية بسرعة خاطفة أذهلت النظام وأرعبته، حيث تمكنت قوات الانتفاضة من السيطرة على 14 من مجموع 18 محافظة.
وسرعان ما ألقت إيران بثقلها في الأحداث تلك في محاولة منها لتجيير الانتفاضة لحسابها، مرسلة بأعداد من حرس الثورة للعراق، وتم رفع الشعارات الطائفية، وصور القادة الإيرانيين، وعلى رأسهم صور الأمام الخميني، مما جعل الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش الأب، الذي كان قد دعا الشعب العراقي للثورة على نظام صدام حسين ، إلى تغيير موقفه بصورة جذرية خوفاً من أن يقع العراق لقمة سائغة في حلق النظام الإيراني، وهكذا تخلت الولايات المتحدة عن انتفاضة الشعب العراقي، وسمحت لصدام حسين باستخدام طائراته الحربية وسمتياته وصواريخه ومختلف أسلحته الفتاكة ضد الانتفاضة، وتركت الشعب العراقي تحت رحمة الجلادين الذين أجهضوا الانتفاضة، وأغرقوا العراق بالدماء.

وعلى الجانب التركي أصبحت منطقة كردستان ساحة لنشاط قواتها تدخل متى شاءت بحجة ملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردستاني، بعد أن سمح لها نظام صدام بدخول الأراضي العراقية بعمق 40 كم، وتعيث في المنطقة خراباً ودماراً، ولا زالت القوات التركية تحتفظ بمنطقة بامرني ومطارها حتى اليوم، وما زالت الحكومة التركية تهدد باجتياح كردستان بحجة ملاحقة البيشمركة الخاصة بحزب العمال الكردستاني.
واستمرت لعبة القط والفار بين الولايات المتحدة والنظام الصدامي حول أسلحة الدمار الشامل التي تعهد صدام بتدميرها عندما تم وقف إطلاق النار في حرب الخليج الثانية في خيمة صفوان، مما عرّض العراق للقصف الجوي من قبل الولايات المتحدة عام 1998، وتدمير العديد من المنشآت الصناعية العراقية والبنية التحتية ومصانع الأسلحة وغيرها.
لكن صدام حسين استمر في تحديه للولايات المتحدة، وهو أضعف من أن يقف أمام جبروتها حتى وصلت الأمور إلى ذروتها من التأزم، واتخذ الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن قراره بإسقاط نظام صدام، وكان معروفاً أن الولايات المتحدة لا تبغي من خلال الحرب سوى تأمين مصالحها الاقتصادية في المنطقة، وفي المقدمة منها ضمان تدفق النفط من منطقة الخليج، والهيمنة على العراق الذي يمتلك أكبر خزين نفطي في العالم حيث يقدر احتاطي النفط أكثر من 300 مليار برميل.

وجاءت الحرب في التاسع عشر من آذار 2003 والشعب العراقي في محنة ما بعدها محنة، فهو وإن كان كل أمله أن يتخلص من أعتا نظام دكتاتوري دموي أذاقه من الويلات والمصائب ما يعجزعن وصفها القلم، إلا انه كان يدرك ما تعنيه الحرب من ويلات وخراب ودمار وضحايا، وكان يدرك أيضاً أن الحرب ستعني الاحتلال بكل ما فيه من إذلال وعبودية واستغلال، ويدرك أيضاً أن خروج المحتلين من الوطن ليس كدخولهم البلاد، وأنه سيعاني الكثير من المحتلين، ويخوض الكفاح من أجل تحرره مبتدئاً كفاحه السلمي من أجل استعادة حريته واستقلاله واستعداه لتصعيد أساليب الكفاح بما تقتضيه الظروف والأوضاع.

لكن الظروف البالغة الصعوبة والخطورة التي استجدت بعد إسقاط نظام صدام ، والتي بلا أدنى شك تتحمل مسؤوليتها الإدارة الأمريكية سواء كانت قد جرت بإرادة منها، وهذا ما أرجحه، أم أنها كانت نتيجة أخطاء غير مقصودة قد جعلت مسألة خروج الاحتلال في هذه الظروف الخطيرة بالذات سوف لا يعني إلا اتساع الحرب الأهلية التي ستنتهي إلى إحدى نتيجتين كلاهما يشكلان كارثة عظمى ليس على العراق فحسب ، بل على منطقة الشرق الأوسط بوجه خاص، والعالم بوجه عام، فالحكومة الحالية سوف لن تصمد أمام القوتين المتصارعين المتمثلتين بالميليشيات الطائفية الشيعية المدعومة من قبل النظام الإيراني من جهة، والبعثيون المتحالفون مع القاعدة من جهة أخرى، وإذا ما وقع العراق بأيدي أي جهة منهما فالكارثة ستحل بالمنطقة لا محالة، وهكذا أصبح مصير الشعب العراقي اليوم رهينة الاحتلال الأمريكي حيث ينطبق عليه قول الشاعر المتنبي:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى **** عـدواً له ما من صداقته بُـد
إن إيران اليوم على الرغم من الوجود العسكري الأمريكي هي اللاعب الأكبر على الساحة العراقية، وهي تدعم الميليشيات الشيعي، وفي مقدمتها ما يسمى بجيش المهدي الذي يقوده مقتدى الصدر بالمال والسلاح والتدريب، ويخوض القتال ضد القوات الأمريكية والعراقية في مدينة الصدر، وقبلها في مدينة البصرة والعديد من المدن ذات الأغلبية الشيعية في الجنوب والفرات الأوسط، ويقف حكام طهران على المكشوف بجانب عصابات جيش المهدي، ولولا القوات الأمريكية والبريطانية لانهزمت قوات الحكومة أمام جيش المهدي في البصرة ومدينة الصدر، فقد كادت قوات جيش المهدي أن تفتك برئيس الوزراء السيد نوري المالكي وكافة مرافقيه في البصرة لولا تدخل القوات الأمريكية وسلاحها الجوي لفك الحصار عنهم .
أما البعثيون انصار النظام الصدامي، وأجهزة النظام القمعية فرغم عظم
الجرائم التي اقترفوها خلال 35 عاماً، فإن المحتلين ركزوا جهودهم للقبض على 55 شخصاً من كبار المسؤولين فقط، تاركين تلك العصابة المجرمة دون ملاحقة وحساب، فبعد أن اطمأنت من جانب المحتلين، بعد أن توارت عن الأنظار في الأيام الأولى لسقوط النظام، بدأ البعثيون يجمعون وينظمون صفوفهم من جديد استعداً للقيام بالعمليات الإجرامية في مختلف المدن العراقية، وساعدهم في ذلك نشر نظام صدام ملايين قطع السلاح في مختلف مناطق العراق وطرقها وشوارعها، وتوزيع كميات هائلة من الأسلحة على أعضاء حزب البعث والأجهزة الأمنية قبل الحرب، ونهب النظام صدام كل ما استطاع من ثروات البلاد والأموال المودعة في البنك المركزي والبنوك الأخرى لكي تستخدم فيما يسمونه بمقاومة الاحتلال، واجتاحت عصاباتهم مدن العراق لينفذوا جرائمهم البشعة بحق الشعب من تفجير السيارات المفخخة، والقنابل البشرية لطالبي الجنة من القادمين من وراء الحدود لتوقع آلاف الضحايا من أبناء الشعب الأبرياء وتترك الشعب يعيش في حالة من الرعب والقلق بعد أن افتقد الأمان، ولم يعد الفرد العراقي يأتمن على حياته حتى داخل بيته.
وانتهز حكام إيران وسوريا الظروف الصعبة والحرجة التي يمر بها العراق وهم الخائفون على عروشهم المهزوزة لينقلوا الصراع مع الولايات المتحدة إلى الساحة العراقية.
لقد أدى الفلتان في السيطرة العراقية على الحدود إلى تدفق المغرر بهم، والمغسولة أدمغتهم من الجهلة عبر الحدود السورية والإيرانية لينفذوا جرائمهم بحق الشعب كي يصلوا إلى الجنة التي وعدهم أسيادهم بها!!، وأصبح العراق مسرحاً مرعباً لجرائمهم البشعة في بغداد وكربلاء والحلة وأربيل والبصرة والموصل والفلوجة والرمادي والقائم، وغيرها من المدن العراقية.
واستغل حكام إيران أحزاب القوى الطائفية، وفي مقدمتها مقتدى الصدر وجيشه المسمى بـ [جيش المهدي]، وأمدته بالمال والسلاح والمتطوعين وشجعته على التمرد على مجلس الحكم، والسيطرة على النجف وكربلاء والكوفة ومدينة الثورة، وإعلانه تشكيل حكومة الظل ، وفي ذهن حكام
طهران أن بإمكان مقتدى أن يسطوا على الحكم ، ويقيم دولة إسلامية
تابعة للنظام الإيراني.
كما وقفت سوريا الموقف ذاته حيث فسحت المجال واسعاً للانتحاريين المرسلين من قبل القوى الإسلامية من مختلف الدول العربية والإسلامية لينفذوا جرائمهم البشعة في مختلف مدن البلاد.
و فتحت الحكومة السورية مجالا رحبا أمام العناصر القيادية لحزب البعث المسقط من السلطة لكي يمارسوا قيادة وتمويل عصاباتهم التي تمارس الأعمال الإجرامية في سائر مدن العراق.
وسعى حكام سوريا إلى استقطاب أعضاء حزب البعث العراقي إلى حزبهم، ودفعهم للقيام بما يسمونه مقاومة المحتلين، في وقت تحتل فيه إسرائيل هضبة الجولان منذ عام 1967 وحتى يومنا هذا دون أن تطلق طلقة واحدة من جانب سوريا ضد المحتلين الإسرائيليين.

7/7/2008