الرئيسية » بيستون » الكاتب والمثقف دانا جلال : لم أجد نفسي إلا ضمن عوالم الثورة والكتابة ضمنها ولها

الكاتب والمثقف دانا جلال : لم أجد نفسي إلا ضمن عوالم الثورة والكتابة ضمنها ولها

أجرى الحوار / مجلة فيلي التابعة لمؤسسة شفق للثقافة والإعلام للكورد الفيليين
5 / 7 / 2008


خانقين المدينة الوديعة الحالمة على نهر الوند الخالد أنجبت وعلى مر السنين شخصيات أدبية وثقافية وعلمية كان لها الدور في ميادين النضال بالإضافة إلى القلم والمضي في عالم الثقافة والأدب فإذا المسافات بينهم وبين كوردستان قد بعدت فأن الدماء الكوردية تجري في عروقهم وأن حب الوطن خالد في ضمائرهم طالما هناك عروق تنبض في أجسادهم. دانا جلال أحد أبناء خانقين الأبرار دخل المعترك السياسي بفكر نير غير مبالٍ بعواقب الأمور وتبوئ المواقع القيادية في الحركات اليسارية وتعرض إلى الملاحقة والفصل من الجامعة ليضطر فيما بعد إلى ترك العراق ليقيم في الغربة مع جموع الكورد الهائمين في أرض الله الواسعة.من المثقفين الذين أرادت مجلة فيلي توطيد العلاقة بهم وتعريف المثقفين بشخصياتهم هو الأستاذ الكاتب والمثقف دانا جلال …

س: دانا جلال من الاقتصاد إلى الكتابات الثورية ما هي القواسم المشتركة؟
ج- الثورة تمثل المفردة الأبرز في عالم السياسة إن لم نقل إنها جذر العمليات السياسية بصيغتها العُنفية وبما إن السياسة تمثل الانعكاس المكثف للاقتصاد فأن الإبحار في علم الاقتصاد يجعل الإنسان ضمن أشرعة الثورة كقدر إنساني لأنسنة العلاقات الاجتماعية وانسنة العلاقة مع البيئة. إن دراسة علم وتاريخ الاقتصاد بشكل موضوعي يؤكد عدة حقائق ومنها إن هنالك فائض قيمة وإفقار للكادحين وفق المفهوم الماركسي والذي اكتشفه الإمام علي عليه السلام بأكثر من ألف عام حين أكد على إن فقر الفقير من غنى الغني، أمام معادلة الفقر والغنى، المستَغل والمستغِل وهي علاقة عكسية لم أجد نفسي إلا ضمن عوالم الثورة والكتابة ضمنها ولها.
س: من تهم العولمة الجديدة … ثوار الأمس إرهابيي اليوم …هل توافق هذا الطرح؟ و ماهو تعريف العولمة الجديدة للإرهاب؟
ج- ملاحظة دقيقة ذكرتها أستاذي الفاضل، فقد تغيرت المفاهيم والمفردات بعد زحف العولمة بصيغة الأمركة، إن ما نشهده هو أمركة، أي إننا نشهد غلبة المفاهيم الأميركية على الصعيد العالمي، فحينما تضع أميركا قائمة للمنظمات والأحزاب الإرهابية من منطلق مفاهيمها ومصالحها الإستراتيجية تجد إن العالم الرأسمالي وأطرافها يعتبرونها مفهوما مطلقا، حتى أوروبا أخذت بالقائمة الأميركية كمسلمة لا تقبل النقاش، فالثوري صار إرهابيا والثورة صارت تمردا والحلم صار ممنوعا في ظل الأمركة، دعني أن اسرد لك قضية قد تلخص مدى شيوع المفهوم الأميركي في الوعي الجمعي، ففي أثناء الحرب التركية ضد الكورد وفي أوج هجماتها على الإقليم الفدرالي في كوردستان العراق قال ابني بارزان (12) (والدي أريد أن أصبح إرهابيا وأقاتل في جبال قنديل)، ضحكت لبراءة طفولته التي شوهتها وسائل الإعلام الغربية. أما تعريف الإرهاب فشأنها شأن المفاهيم التي تندرج ضمن العلوم الاجتماعية فلا نجد تعريف شامل ومتفق عليه لان التعريفات تنطلق من أرضية إيديولوجية تستمد روحها من المصالح الاقتصادية للطبقات الاجتماعية التي هي في السلطة أو خارجها.
س: تطرقت في كتاباتك إلى المشتركات بين صدام حسين وأتاتورك في حقبتي زمنهما ، هل ابتدأت الأنظمة الدكتاتورية الشوفينية بهما وهل انتهت معهما؟.
ج- يشترك كل من صدام حسين وكمال أتاتورك بأنهما الأكثر عداء للشعب الكوردي بل لشعوب العراق وتركيا، إنهما كانا ألد أعداء الديمقراطية، الأنظمة الدكتاتورية والشوفينية لها جذورها التاريخية في ثقافات الشرق وبالأخص فيما يتعلق بالتعامل مع الكورد فتارة يعتبرونا أعراب الجبل أو أتراك الجبل أو بدو فارس، إن صدام وأتاتورك ما هما إلا نتاج تلك الثقافة الشوفينية التي أصبحت احد أهم منطلقات البرجوازيات العربية والفارسية والتركية لقمع الكورد وبقية الشعوب في منطقتنا، بسقوط ونهاية النظام الصدامي ألبعثي والاتاتوركي لم تنته حقبة الحكم الدكتاتوري والشوفيني فتركيا مازالت لا تعترف بوجود الكورد رغم عددهم الذي تجاوز الأربعين مليون نسمة أما في العراق الجديد فمازالت النزعات الشوفينية تتحكم ببعض أطراف العملية السياسية رغم ما نسمعه عن العراق الجديد.
س: ما هو مفهومك لنقابة تمثل الصحفيين في كوردستان، ولماذا ثرت عليها وما هي النتائج؟.
ج- بحكم الظروف التاريخية التي عاشتها الأمة الكوردية والحرب المعلنة ضد وجودنا القومي ناهيك عن حقوقنا القومية كبقية الأمم لم نكن مخيرين على الاختيار إلا بين الثورة والخضوع المطلق لمراكز قمعية، تاريخ الكورد هو عبارة عن تاريخ ثورات، وللثورة جوانبها السلبية إن لم تتمكن من تغيير آليات عملها ما بعد الانتصار وهذا ما لم تفعله اغلب الأجهزة السياسية والإدارية في جنوب كوردستان (كوردستان العراق) فعلى سبيل المثال بقيت نقابة صحفيي كوردستان أسيرة الأيديولوجية الحزبية والقار الحزبي المعلن من قمة الهرم وهذا ما تجسد بشكل واضح من خلال موقف النقابة من الحصار الإعلامي المفروض على جبل قنديل أثناء قيام الجيش التركي بتدنيس الأرض الكوردستانية من خلال كوردستان العراق، كنا نتوقع أن تتصدر النقابة الحملة من اجل رفع الحصار عن قنديل لان قنديل تمثل عمقنا الاستراتيجي قوميا ووطنيا، النقابة واغلب منظمات المجتمع المدني في كوردستان تعمل ضمن خيمة الأحزاب وهذه تمثل الخطورة التي تهدد تجربة إقليم وإمكانية بناء مجتمع ديمقراطي مؤسس على هياكل مؤسسية.
أعلنت صرختي في ليل الصمت وكانت المواقف اللاحقة رائعة وجريئة من خلال نشاط مفرزة القلم التي تشكلت في كوردستان والتي عملت على رفع الحصار عن قنديل.
نحن بحاجة إلى نقابة للصحفيين الكوردستانيين وبدون استقلاليتها عن الأحزاب لا يمكننا الحديث عن نقابة بل يكون حديثنا منصبا عن الرقم المهمش في خيمة الأحزاب مع تقديرنا لتاريخ الأحزاب الكوردستانية.
س: تركيزك على دور المرأة في الحركات الثورية هل هو تأدية لواجب على عاتقك أم للتوسع في مساحة كتاباتك؟ وفي اي الحركات نالت المرأة موقعها الحقيقي؟.
ج- الحضارة بدأت مع المرأة بل إن الحياة بدأت من خلالها، إنها نقلتنا من الفردوس السماوي لفردوس ارضي، كانت الحضارة أنوثة وكانت الثورة أنوثة، فالمرأة مقياس لتطور المجتمع، مقياس لتحضرنا، بل بدون تأنيث الحضارة فإننا نواجه خطر زوال حضارتنا التي أصبحت ذكورية، المرأة هي أول من تعرضت للقمع والاستغلال والتهميش لذا فتحررها يعني نهاية كافة أشكال القمع.
أما الموقع التي نالت فيها المرأة موقعها الحقيقي فاني أجد إنها وجدت الفضاء الأرحب في فكر اليسار والاشتراكية وفي الآونة الأخيرة تمكنت الحركة الكوردية وبالذات في كوردستان تركيا على اكتشاف وإطلاق طاقات المرأة في النضال القومي والديمقراطي بل إن المرأة الكوردية في تركيا أنجزت ما لم تنجزه المرأة حتى في أوروبا واقصد قيامها بإنشاء حزب خاص بها، إنها نقلة نوعية في نضال المرأة على الصعيد العالمي. لا اعتقد إن الكتابة تمتلك النكهة والعبق دون أن تكون للمرأة فيها الحضور الحقيقي.
س: البارزاني وعبد الكريم قاسم قطبان في تاريخ الحياة السياسية في العراق مااوجه الشبه بينهما في خضم الاختلافات الفكرية والثورية بينهما؟
ج- البارزاني الأب والرمز يمثل الإيجاز الاشمل لتاريخ الأمة الكوردية، هو النسر الذي حلق فوق حدود التجزئة والأصفر المُستمِد شعاعه من الشمس الذي قهر خطوط حمراء تنحرنا كأمة وكجغرافية، هو البطولة وتراجيديا التاريخ الكوردي الذي ينطلق مع نهايات يتصورونها نهاية حلم كوردستاني، البارزاني كان كوردستانيا لا في انتمائه الفكري والنضالي بل كان كوردستانياً بعفويته وفطرة الانتماء، إن انتقالاته الثورية وضمن ساحة كوردستانية لم يحددها باتجاهات جغرافية (شمال وجنوب، شرق وغرب) كان جزء من تاريخه، كان فوق الجغرافية، لأنه عمل على كتابة تاريخ جديد، المشكلة في الجيل الجديد الذي لم يترجم أفعاله الثورية إلى فكر وإيديولوجية، فالبارزاني كان مؤمنا بان البدايات كانت مع الفعل، فهل الذين يؤمنون بكون الكلمة هي البدء قادرون على ادلجة نضالاته؟ إن الأحزاب الإقليمية الخاصة بجزء من كوردستان، الإيديولوجيات، المفاهيم، التنظيمات التي تخضع لمفهوم جغرافي مفروض علينا يجعلني أن أقول وبدون تردد إنهم لم يفهموا البارزاني، بل إنهم يسيئون لذكراه.
أما شهيد الفقراء الزعيم عبد الكريم قاسم فهو المُحدث الأول لأنه نقل العراق إلى الحداثة وان اعتبر البعض الملك فيصل الأول هو المحدث الأول، شهيد العراق عبد الكريم قاسم خلق ميثيولوجيا جديدة في القرن العشرين، كنا صغاراً ننظر إلى القمر فنكتشف فيه صورة الزعيم وحينما امتلكنا الوعي وجدناه في قلوب فقراء الوطن. أوجه التشابه بينهما، إنهما نماذج لن تتكرر كثيرا في تاريخ الإنسانية، إنهما شهداء الحرية، شهداء اقتحام حدود المستحيل، شهداء الشعب، لقد ضحوا بحياتهما من اجل حلم مازال يجمعنا، إنهما يشتركان بأنهما يبدآن مع النهاية التي كانت على يد الدوائر الغربية والرجعية العراقية وحكومات القمع الإقليمية.
س: ما هو المفقود في الحركة الكوردية… إذ إن خارطة الكورد مفقودة في الجغرافية السياسية الإقليمية في ظل إنكار وجود كيان بهذا الاسم، هل سنبقى نتطلع إلى المفقود وهل من أمل في العثور عليه؟
ج- القضية الكوردية لم ولن تكون مفقودة في الجغرافية السياسية وسياسة الجغرافية في المنطقة، المفقود هو تأطير هذه القضية في حدود الحلم القومي المشروع, واقصد الدولة القومية، والذي نفتقده نحن الكورد هو الخطاب السياسي الجديد للامة الكوردية نحن امة وصفنا بأننا فرسان الشرق ولكننا لا نملك كتابا في الإستراتيجية العسكرية رغم كل معاركنا وملاحمنا، نمارس السياسة دون أن نكتشف خطاب سياسي جديد، اعتقد إننا بدأنا الخطوة المهمة على صعيد خلق هذا الخطاب السياسي الذي يتعامل مع الأمة الكوردية كأمة واحدة ومع الأرض الكوردستانية على إنها ساحة واحدة، نحن بحاجة إلى تطوير الخطاب القومي الذي يوحد نضالاتنا القومية مع مراعاة وضع الاجزاء، أما الخطاب الآخر الذي يجب ان نعمل على هيكلته فهو الخطاب الذي يجب أن يتعامل مع وضع الكورد خارج كوردستان وبالذات في المراكز واعتقد مع كل تطور في سبيل حصول امتنا على حقه المشروع بممارسة تقرير مصيره فان الكورد خارج كوردستان عليهم أن يتقدموا خطوات اكبر على صعيد هذا الخطاب لأنهم يمثلون القومية الثانية في بعض في الدول التي تقسم شعبنا حتى بعد أن يحصل الكورد على دولتهم إن اختاروها كحل مشروع لقضيتهم.
س: العالم يعيش الوضع الجديد بأوجه ومفاهيم جديدة، إلى متى ترون النصر من فوهة البندقية؟
ج- اتفق معك بان العالم تغير وان أشكال جديدة للصراع بدأ يبرز وان الكفاح المسلح وبالذات حرب العصابات الثورية بدأت تفقد الكثير من الكاريزما التي كانت تمتلكها، نعم التطور الكبير في تكنولوجيا قمع حرب الأنصار وتغير المعادلة الدولية التي صارت محكومة بقطب واحد بعد سقوط القطب السوفيتي الذي أساء كثيرا للفكر الاشتراكي، نعيش عالما جديدا ولكن دعني أن اسأل كل من يدين حرب الشعب والكفاح المسلح سؤالا يتهربون منه رغم أطنان مقالاتهم عن فشل حرب العصابات الثورية (من الذي يلجا إلى السلاح؟ من يضع الحراب على جدول الأعمال؟ إنها البرجوازية، إنها دول القمع والدكتاتوريات الشوفينية، خذ تجربة الكورد في العراق، فعلى سبيل المثال الحركة الكوردية والقائد البارزاني لم يلجا إلى السلاح بل فرض عليه القتال للدفاع عن وجود امة الكورد.
اعتقد إن الكفاح المسلح وان لم يتمكن من الانتصار بالصيغة التي شهدناه أربعينات وخمسينات وستينات القرن الماضي فانه قادر على جعل قوى القمع تقتنع بعدم قدرتها على استعباد الشعوب عن طريق السلاح، الكفاح المسلح وان لم يحقق النصر فانه احد أهم بواباته لأنه يفرض على الآخر الجلوس على مائدة المفاوضات لحل المشاكل وبالذات القومية منها حلا ديمقراطيا عادلا.
س: خانقين مسقط رأسكم… مدينة لها خصوصيات تاريخية ومذهبية واختلافات لهجوية لكن الانتماء القومي كان الأعلى وانتم يساريون… ورثة أي من هذه المفاهيم تعدون أنفسكم؟
ج- خانقين أو مدينة الشهيدة ليلى قاسم تمثل حالة جميلة ففيها كانت الخلية الأولى لليسار الكوردي، فيها ابرز ساستنا وكتابنا وفنانينا، فيها لم نجد الحواجز بين الكوردي والتركماني والعربي، ولكن الأبرز في خصوصية خانقين إنها مدينة تمتلك ملامحها الإنسانية الجميلة، هل ورثت الانتماء والهوية والفكر القومي منها أم الانتماء لليسار؟ اعتقد هنالك فهما خاطئا للعلاقة بين الشعور والانتماء القومي وبين الانتماء لليسار وهذا الخطأ يتحمله بعض دعاة اليسار الذين كانوا يعتقدون إن الانتماء لليسار والأممية يجب أن تبدأ بإلغاء الانتماء للفكر والهوية القومية، نعم على اليساري أن يكون الأشد قومية ولكن بشكل ديمقراطي، على القومي أن يكون الأشد يسارية لان اليسار الديمقراطي يحل المشاكل القومية بشكل جذري.
س: لكل كاتب مفردات ومصطلحات ذهبية يتعلق بها الآن وأنت تعيش في قلب أوروبا… إلى أي حد أثرت حياة المهجر والرأسمالية في تلك المصطلحات وفي خزين افكاركم؟
ج- قدر الكوردي بل والعراقي بشكل عام انه يحمل كوردستان والعراق في حله و ترحاله، في كل انتقالاتنا الفكرية والجغرافية نحمل جغرافية الوطن المحدد في إطار الحلم، لا اخفي عنك إنني اشعر بالانتماء إلى الإنسان أكثر من انتمائي لفضاء الجغرافية وهذا لا يعني إن جذوري في الجغرافية ليست بعمق يمتد مع حضارات الميديين والايلاميين وحضارات سومر وبابل وآشور في هذه البقعة الجغرافية التي جمعت الشعوب والحضارات والديانات، اعتقد إن المصطلح الأبرز الذي بدا يمتلك قوة اكبر في ذاكرتي هو (الآخر) نعم ثقافة الاعتراف بالآخر لدرجة جعلتني اعُرف الديمقراطية تعريفا قد يكون بعيدا عن الواقع حيث اعتبرها (هي القدرة على جعل الأقلية بالتعبير عن ذاتها بقوة تعبير الأغلبية عن ذاتها) أما الوحش الرأسمالي الذي يلتهمنا في ضفاف غربتنا فانه أشبه بالكائن الهلامي اللامرئي الذي يحملنا بذراعه ليشكلنا في آلة أو روبوت ضخم نسميه النظام، في غربتي اكتشفت بشكل أفضل مفردات الوطن ومفردات الحلم الذي كان يدفع بالحلم الجديد في عملية خلق ذاتي لم ينته.