الرئيسية » مقالات » عنما تضيق مساحة البحر

عنما تضيق مساحة البحر

 
قدمت النادلة له فنجان قهوته المعهودة ، فهو زبون منذ زمن طويل ، وتعرفه النادلة منذ فترة طويلة ..
يفضل السكن في إجازاته التي يقضيها هنا في هذه البلدة البحرية الصغيرة في البيت الذي يعلو مقهاها الصيفي .. هذه المرة جاء معه ابنه ولذلك ونكاية به وبينما كان أخوها يراجع عناوين الصحف راحت تقبل شابا ً ُيعتقد أنه صديقها الجديد في حين أن أبوهما كان مشغولا ً في إعداد البتزا ، والمشروبات للزبائن ..
في اليوم التالي وبينما كان يتابع غياب الشمس وهي ” تغطس ” في مياه البحر لمح كاترين ” تلك المرأة اللعوب ” التي تعرف عليها ذات مرة في مقهى من الدرجة الخامسة على شاطئ البحر .
لمحها تمشي مع ابنتها التي أصبحت صبية حسناء ، ولمحته هي أيضا ً لكنها أشاحت عنه بنظرها إلى الفضاء اللانهائي المتصل مع البحر ..

صغر البحر بعينه ، وبدت له تلك القوارب السيارة في عباب البحر ألعاب طفل صغير ..

في مساء ذلك اليوم دعى ابنه إلى تناول الطعام في مطعم يطل على البحر من الجهة الغربية .. كانت هناك امرأة جميلة تدعوا المارّة إلى زيارة مطعمها ، وتذوّق مأكولاتها ، فرائحة الشواء تصل حتى مركز المدينة وهي وحدها كفيلة بدعوة الناس إلى الطعام ..
كان هناك ثلاثة أشخاص يشووا اللحم ، وفتاة تقدمه للزبائن المحشورين ” برضاهم ” بمواجهة البحر ” ، وامرأة غجرية تغني وترحب بالضيوف فردا ً فردا على الطريقة الشرقية حتى أنها رحبت بضيفنا وبابنه وحيت الكرد وكردستان سيما بعد أن ” فقسها” بمبلغ محترم وعرفـّها “خلال الفقسة” على شعبه ..
في اليوم التالي اســــتيقظ على أصوات النوارس والحساسين “بدلا ً عن صياح الديكة ” …
انسل من غرفته تاركا ً ابنه يكمل نومه الملائكي وســـــرى إلى الشـــــاطئ متمتما ً أذكار وآيات قرآنية حفظها مؤخرا ً ، اســـتهلها بالفاتحة ووهبها لوالدته التي ماتت قهرا ً عليه “عندما فر ّ بجلده من بين أهله وأحبابه وأقرانه ” ، ثم كرر قراءتها ليهبها لجميع المؤمنين بالله وللمؤمنين بالسلام على كوكب الأرض ، أردفها بآية الكرسي والمعوذات وتسابيح و ” جملة أدعية ” ..
مشى مسرعا ً وتوجه إلى مرفأ المدينة الصغير الذي بني في زمن مضى لإستقبال القوارب الحربية ..
رأى في طريقه فتاتان جالستان القرفصاء ، وامرأة تربعت في جلستها تمارس رياضة اليوغا ، وأخرى توجهت إلى الشمس تنتظر منها أن تبزغ ، ورجل ثمانيني العمر يجلس على كرسي تحت مظلة شمسية ، في حضنه عكاز ، وفي يده هاتف خليوي .
وضع أمامه ميزانا ً وكتب على لافتة صغيرة بجانب الميزان : ” بعشر سنت يمكنك معرفة كمية المأكولات التي تناولتها في مدينتنا الجميلة ”
تابع مشيه ناقلا ً ناظريه بين البحر والشمس التي بدأت بالشروق ..
حاول صاحبنا وقدر الإمكان غض النظر كلما وقعت عيناه على منكر” جميل” حتى وصل إلى ماقبل نهاية المرفأ ، رأى شعر امرأة ينسدل على صخرة .. شعر امرأة أسود فاحم يشبه شعر أول امرأة أحب ، جثمت صاحبته على صخرة كبيرة وتعلقت عيناها بالسماء في ما يشبه صلاة ..
لم يستطع غض بصره .. توقف عن الذكر والدعاء ، نظر إليها نظرة تأمل ..
استدرك أنه يجب عليه ختم ماقرأ من آيات الله ، فردد بصوت مسموع : ” صدق الله العظيم ” وقعد بجوارها ..
تعلقت عيناه بالسماء .. لكن لم تعره اهتمام ..

في اليوم الرابع رأته يجاهد في غرز مظلته الشمسية في الرمال على الشاطئ ، اقتربت منه وكان معها طفلها الذي لم يعرف لماذا اختارت امه هذا المكان !!
غرزت بالقرب منه مظلتها ، وفرشت حصيرة صغيرة ، وأخرجت ألعاب الطفل من حقيبتها ..
تظاهرت بأنها مشغولة بطفلها الذي أفلت يده منها وركض نحو البحر ..
التفتت إلى الرجل وقالت :
هائج ..
البحر هائج هذا اليوم ، والشمس ملتهبة ..!! ”
أصلحت من وضع “مايوه” سباحتها ..
هز رأسه ..
توجهت نحو البحر ..
ارتمت فيه .. ابتعدت حتى اختفت بين الأمواج ..
جلس ، ثم وقف ، ثم ارتمى على الأرض .

تراكضت نسوة ، تحلقـّن حوله ، وجدنه هامد بلا حراك .