الرئيسية » مقالات » بين باريس و أنقرة و كاراكاس…

بين باريس و أنقرة و كاراكاس…

لو أن هذا اللقاء جرى قبل بضع سنين لحظي بأكثر بكثير من التغطية السلبية و الإيجابية على حد سواء , هذا فيما يخص زيارة وزير إعلام النظام السوري إلى فنزويلا , كان هذا اللقاء ليعتبر , كما اللقاءات التي كانت تعقد بين قادة “الدول الاشتراكية” و تلك السائرة على طريق التطور “اللا رأسمالي” , جزءا من “نضال شعوب تلك الدول” كما كان الإعلام السلطوي يصفها في مواجهة الخصوم أو الأعداء , كان الخصوم عبارة أيضا عن قوى سلطوية أخرى, ربما كانت أكثر عدوانية و قدرة على تنفيذ أية جرائم مضادة للشعوب في سبيل مصالحها , كان للصراع بين هؤلاء الخصوم قواعده الصارمة التي اختبرتها العديد من الشعوب , المجريين في 1958 , الإيرانيين في 1953 , الاندونيسيين و الفيتناميين في الستينيات , التشيليين في عام 1973 , التشيكوسلوفاكيين في عام 1968 , دفع الملايين حياتهم تحت جنازير الدبابات أو بقصف القنابل أو برصاص فرق الموت..كانت الشعوب مستلبة و عاجزة تماما في مقابل تلك القوى التي كانت تتلاعب بمصيرها الذي كان مادة الصراع , كان زعماء العالم الثالث الموالين لطرفي الصراع مرحب بهم في عواصم دول المركز و عادة ما جرى تقريضهم بأجمل عبارات المديح , كان الترحيب الذي قوبلوا به استثنائيا و يعكس “متانة العلاقات” في الصراع ضد “العدو المشترك” , هذا مثلا كان ما لقيه الشاه الإيراني في واشنطن , زعماء إسرائيل و جنوب إفريقيا , و الجنرال التشيلي بينوشيت و الطاغية سوهارتو و زميله موبوتو في عواصم “العالم الحر” , كانوا جميعا مشاركين أساسيين في الحرب ضد المؤامرة الشيوعية , أما في عواصم أوروبا الشرقية حل نوع آخر من الطغاة , كانوا عادة “وطنيين” , ارتدوا الزي العسكري على الدوام , و رغم أنهم أحيانا كانوا يصطحبون معهم بعض القادة الشيوعيين أو القوميين اليساريين لكنهم لم يكونوا أقل رفضا من “أعدائهم” لأي نشاط أو حراك جماهيري مستقل , كانوا يشددون أولا و قبل كل شيء على الطاعة الحديدية من قبل الجماهير و يفرضونها “بوسائلهم” الخاصة..سقط الاتحاد السوفيتي و أصبحت واشنطن و إلى حد أقل لندن و باريس و برلين محجة للطغاة الباحثين عن استقرار كراسيهم عن طريق كسب رضا الاحتكارات العالمية , كان هذا هو جوهر “التغيير” نحو “دمقرطة” العالم الذي جرى مع غياب الجيل الأخير من قادة تلك الدول المسماة “اشتراكية”..فيما وجد البعض نفسه في خندق “معاداة الامبريالية” إياه مكرها , كان الرغبة الأمريكية الجامحة في تغيير شكل الشرق الأوسط و الأهمية الخاصة التي عولوا عليها في واشنطن على مركز العراق هي ما حددت في نهاية الأمر مصير صدام حسين , أما ديكتاتور كوريا الشمالية الابن فقد تمكن من حماية نفسه بسلسلة من الأسلحة الصاروخية و النووية المحتملة التي تشكل تهديدا على جيرانه اليابانيين و الكوريين الجنوبيين بل و حتى الأمريكيين و كنتيجة لتسوية تتقدم مع أمريكا و حلفائها الإقليميين يبدو أنه قد أصبح في منجى من مصير صدام حسين , أغرى نجاح النموذج الكوري آخرين , منهم حكام إيران , باستنساخ التجربة و الحصول على هذا الدرع الصاروخي النووي الموجه هذه المرة نحو إسرائيل , تصر هذه الأنظمة على تجاهل حاجات الناس و حتى مصائرها , كان ثمن هذه الإنجازات هي جوع الجماهير الكورية حتى الموت في كثير من الأحيان ..في زيمبابوي , كما هو النفط في العراق , اجتذب وجود المزارعين البيض و حملة موغابي لاسترداد أراضيهم الاهتمام الأمريكي و البريطاني لقضية “تغيير” النظام هناك , هذا خلافا لما تبقى من القارة السمراء التي ترزح تحت الفقر و المرض و العنف و القهر السياسي , قام النظام هناك ردا على هذه الحملة و فور صدور نتائج المرحلة من الانتخابات التي حملت بوادر هزيمته بشراء أطنان الأسلحة من الصين و صعد قمعه للمعارضة السياسية في تحضيراته للجولة الثانية , الأمر الذي اتضح أنه كان فعالا مرة أخرى..النظام السوري بعد تجاوزه ضغوط أمريكية هائلة يتنفس الصعداء عبر محادثات مع رئيس حكومة إسرائيلية يبحث عن طوق نجاته , إن الانتقال إلى الطرف الآخر و الفوز برضا الاحتكارات و ممثليها السياسيين ليس سهلا , هذه هي قواعد اللعبة الجديدة , لا يكفي تبني الوصايا العشرة للبنك الدولي , حتى أكثر الزعماء إخلاصا و ولاء لأمريكا لم يكونوا بعيدين هم أيضا عن التوبيخ و الضغط الأمريكي , فهم الجميع القاعدة اليوم : من ليس معنا فهو ضدنا , و يعمل الجميع على أن يبرهنوا أنهم دون تردد “مع” السادة المطلقين للعالم , هذا لا يشمل طبعا ضحايا القوى المسيطرة سواء أكانت كونية أو إقليمية , يجب على هؤلاء أن يبقوا راضين , صامتين , و أن يعملوا بإخلاص و دون تململ..هنا قد يكون تشافيز هو الأكثر تشويشا , فخلافا لصدام و موغابي و الأسد و القذافي لم يكن تشافيز في السلطة قبل سقوط الاتحاد السوفيتي , بل إن وصوله إلى السلطة مثل مرحلة من تراخي القبضة الأمريكية الحديدية على أمريكا الجنوبية في محاولة لاستيعاب اليسار الأمريكي الجنوبي القوي و تدجينه الذي يشكل فشله الخطوة الفعلية في تدجينه و إزالة خطره , الأمر الذي مثل جزءا من القواعد الجديدة لسيطرة النظام الرأسمالي العالمي في عصر الهيمنة المنفردة و التي يبدو أنها قد بدأت تخضع لمراجعة جذرية تمهيدا لمرحلة بعد بوش , كما أن خطاب تشافيز يضع نفسه في مواجهة مباشرة مع سياسات الاحتكارات التي تدمر الأرض و الشعوب , لكن تشافيز كالأسد و موغابي يمثل البيروقراطية الحاكمة التي تفرض سلطتها “كبديل” في مواجهة الاحتكارات الأمريكية عبر مزيج من الخطابات الشعبوية و القمع السياسي و التدجين الاجتماعي..هكذا نعود من جديد إلى ذات الثقب الأسود الذي مسخ الحركة الثورية إلى مجرد دعاية رخيصة فارغة للبيروقراطية الدولتية و الحزبية و خضوع كامل دون أي مقاومة لسيطرتها محولا إياها إلى وحش يسحق الجماهير أولا و قبل أي شيء..لكن معاداة الامبريالية اليوم لا تقتصر على تشافيز و أحمدي نجاد و بن لادن , في الحقيقة هناك حركة تستعد هذه الأيام لإفساد قمة الثمانية الكبار القادمة في اليابان , قمة المتحكمين بالعالم , هذه الحركة التي تنبه العالم بشقيه , من يملك و لا يعمل و من يعمل و لا يملك شيئا من أمره , إلى وجودها منذ سياتل 1991 , هذه الحركة ترفض تحكم هذه الأقلية المحدودة و تدميرها لحياة الناس و للأرض في سبيل المزيد من الأرباح لكن في سبيل تحقيق حرية سياسية و اجتماعية أكبر للناس في كل مكان , هذه الحركة القاعدية لا تعبر عن مصالح بيروقراطيات تجد نفسها في موضع المواجهة مع مشروع الاحتكارات السياسي الاقتصادي الكوني , إنها تعبر عن الناس , عن ضحايا هذا النظام الجديد و تلك الأنظمة القمعية البيروقراطية التي تتنافس أو تتشارك قهرها و نهبها..سيتوجه بشار الأسد قريبا إلى فرنسا لاحقا بوزير خارجيته , وسط أقاويل كثيرة عن مفاوضات ما أو مصافحات ما يعدها المضيف الفرنسي بين الرئيس السوري و بين أولمرت , هكذا يمكن للبيروقراطيات المتهافتة أن تحافظ على وجودها في زمن أولبرايت و رايس , يصعب اتهام ساركوزي بأي شيء في هذا الصدد , أو توقع أي شيء منه في هذا الصدد , فالنظام السوري يحقق “ما هو مطلوب منه” , و بعدها سينتقل ساركوزي إلى هويكادو ليناقش مع بوش و ستة زعماء آخرين كيف يمكن زيادة أرباح كبريات الشركات و في نفس الوقت تحصين سيطرتها على العالم.