الرئيسية » مقالات » تاريخ عراقي في ذاكرة براغ … 2/3

تاريخ عراقي في ذاكرة براغ … 2/3

نشرنا قبل أيام القسم الأول من هذه التأرخة، والذي تناول بدايات “التأسيس” العراقي في براغ، والسياسي منه بشكل خاص… وفي التالي القسم الثاني، وقبل الأخير، من هذه المساهمة التي تسعى للتوثيق أولاً وقبل أي هدف آخر…

* منظمات عالمية
ضمن توزيع المسؤوليات الأممية بين منظومة البلدان الاشتراكية السابقة، وحتى نهاية عام 1989، تكلفت – او تطوعت – براغ باحتضان واستضافة المنظمات العالمية الديمقراطية الأممية للنقابات، والطلاب، والصحفيين… وقد كان للشيوعيين العراقيين في جميعها ممثلون ومندوبون، ذوو مواقع قيادية فيها لأعوام عديدة، ومنذ أواخر الخمسينات الماضية، باعتبار حزبهم أحد أهم “قوى” الحركات التحررية الوطنية في بلدان العالم الثالث – النامي… وهي أحد ثلاثة أركان في القاعدة التي تم الاستناد اليها في اطلاق وتشكيل تلك المنظمات العالمية – الديمقراطية، إلى جانب الركنين الآخرين: البلدان الاشتراكية، والحركات الشيوعية في البلدان الرأسمالية… فضمن قيادات وتشكيلات تلك المنظمات: اتحاد النقابات العالمي، اتحاد الطلاب العالمي، منظمة الصحفيين العالمية، كان هناك ممثلون ومندوبون عراقيون عديدون ولفترات متباينة ومنهم: في النقابات آرا خاجادور… وفي اتحاد الطلاب نوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ وفاروق رضاعة ولبيد عباوي وكاتب هذه السطور… وفي منظمة الصحفيين، وبشكل غير مقيم فخري كريم وفائق بطي… وإلى جانب أولئك الممثلين والمندوبين، كان ثمة عدد من الأعوان والشغيلة العراقيين، ولفترات مختلفة أيضاً. وقد أدت تلك المنابر العالمية ادواراً رائدة في زمانها، وحتى أواخر الثمانينات – بداية التسعينات، الماضية حين انهارت الأنظمة الاشتراكية الراعية لتلك المنظمات، والموجهة لها بشكل مباشر، أو غير مباشر، وطليعتها في الاتحاد السوفياتي السابق… ومن أهم تلك الأدوار السعي لدعم وتنشيط نضال المنظمات الوطنية الأعضاء، ومنها العراقية الديمقراطية، وبأشكال وصور متعددة… وهكذا، وفي ظل تلك الحقائق، جرت العشرات من الفعاليات العراقية ذات الصلة، نظمت بمساعدة المنظمات العالمية، أو برعايتها على الأقل… مع الاستدراك بأن تلك المنظمات ذاتها قد “حجمت” و”اعاقت”، وحتى منعت، أية نشاطات لا تنسجم مع سياساتها وعلاقاتها مع النظام في العراق، في أحايين، وسنوات عديدة عندما كانت تعتبره “معادياً للامبريالية، وسائراً في طريق التطور اللارأسمالي”!… بل ودعمت أيضاً “أجهزة” ذلك النظام، المكلفة بالنشاط في مجالاتها، مثل الطلبة والشبيبة والنساء والعمال وغيرها.
وارتباطاً بما سبقت الاشارة اليه اعلاه، ينبغي التوثيق أيضاً أن منابر عراقية خاصة قد تشكلت وأقامت في براغ لتوجيه النشاطات المركزية الخارجية لقطاعاتها، ومن أهمها لجنة التنسيق المسؤولة عن منظمات الطلبة العراقية الديمقراطية في الخارج وفي أكثر من عشرين بلداً عربياً وأوربياً، وخارجهما، بعض الأحيان… وقد تداول على مسؤولية تلك “المراكز” القيادية، ولفترات متابينة نشطاء عديدون، سبق أن جرى الحديث المفصل عن بعض هذا الشأن في احدى مساهماتنا التوثيقية الأخيرة (2).

* مثقفون واعلاميون
… وكحال جمهرة السياسيين العراقيين الذين أقاموا، وعملوا، وتمرسوا – وتمترسوا – في براغ طيلة العقود الخمسة التي تركز عليها هذه التأرخة، أقامت وأبدعت في عاصمة التشيك نخبة من المثقفين العراقيين المبرزين يتقدمهم الجواهري الخالد، والرائد الكبير محمود صبري… إلى جانب شعراء وأدباء وفنانين، وغيرهم، مثل صادق الصائغ وقادر ديلان وشمران الياسري (ابو كَاطع)، وزاهد محمد، ومجيد الراضي، ومصطفى عبود، ويحيى بابان (جيان)، ومحمود البياتي، ومهدي السعيد، وعصام الصفار، وقيس قاسم… كما عمل اعلاميون واذاعيون عراقيون كثيرون في القسم العربي بهيئة الاذاعة المركزية ببراغ ومنهم: احمد كريم وعادل مصري ومفيد الجزائري وأناهيد بوغوصيان وحسين العامل وموسى اسد… ولربما يصح الحديث هنا بأن ذلك القسم كان حكراً – أو يكاد – للكوادر والشغيلة العراقيين… وفي هذا السياق تجدر الاشارة أيضاً الى ان تشكيلات وأطر معنية متخصصة بالمبدعين والمثقفين والاعلاميين المقيمين في براغ، قد تأسست في عاصمة بلاد التشيك، وخاصة في الثمانينات الماضية، تحت اسم “رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين العراقيين – فرع تشيكوسلوفاكيا”، وانتخب لأدارة مهامها ومسؤولياتها شمران الياسري وعبد الاله النعيمي ورواء الجصاني، اضافة لناشطين آخرين عديدين… وقد قامت تلك الرابطة بفعاليات ونشاطات مختلفة التوجهات، مثل النشر والندوات والمؤتمرات وسواها… وكذلك مساعدة مركز أو شبه مركز، لنشطاء الرابطة المتواجدين في براغ والمعنيين بمهام التنسيق بين فروع “الرابطة” في أوربا ومن بينهم صادق الصائغ ومجيد الراضي ومفيد الجزائري وحميد برتو وآخرون.

* شؤون دبلوماسية … وسياسية
قامت أول علاقات دبلوماسية بين براغ وبغداد بعيد اشهر من انتصار (حركة – ثورة) الرابع عشر من تموز العراقية 1958… وشهدت تلك العلاقات على مدى نصف القرن الماضي واقعاً متبايناً في مستوياته، بالارتباط مع طبيعة الانظمة التي هيمنت في البلدين، وطبيعة وشكل العلاقات السياسية والاقتصادية القائمة بينهما… وقد نشط السفراء والدبلوماسيون العراقيون في براغ بتنفيذ توجهات وسياسة بلادهم خلال فترة توليهم المسؤولية… أما حول ما يهم شؤون الجالية العراقية وشجونها فيمكن اختصار القول ان مواقف تلك “البعثات” الدبلوماسية كانت تتراوح بين الملاحقة والرصد والايذاء، وبمساعدة مؤيديها ومخبريها، بصورة عامة، مع بعض الفترات الاستثنائية… وحتى التغيير الذي أطاح بالنظام الدكتاتوري في التاسع من نيسان 2003… ولعل من المناسب الاشارة هنا الى أسماء السفراء العراقيين الذين تداولوا مسؤولية تمثيل بلادهم في براغ ومن بينهم: قاسم حسن، نعمة النعمة، محسن دزئي، عبد الستار الدوري، أنور الحديثي، منذر المطلك، عبد الرزاق محمد صالح… وأخيراً ضياء الدباس (اعتباراً من أواخر العام 2004)… ومما يفيد التنويه به أيضاً أن خصوصية موقع تلك السفارات والبعثات الدبلوماسية، وبحكم التواجد العراقي المعارض ونشاطه، في براغ، دفعت المسؤولين الرسميين والسياسيين في بغداد، وحتى السنوات الخمس الأخيرة الماضية، لتوجيه اهتمام أكبر، بسفرائهم ودبلوماسييهم، ومنحهم مسؤوليات أضخم مقارنة بأقرانهم في البلدان الأخرى.
… وفي هذا السياق، فمن الضروري على ما نرى، أن يجري التوثيق أيضاً بأن علاقات واتفاقات سياسية، وحزبية، وعسكرية وأمنية، علنية وخاصة، تمت بين الحزب الشيوعي الحاكم في براغ اسوة بأنظمة الحكم الأخرى في العديد من البلدان “الاشتراكية” السابقة، مع حزب البعث الحاكم في بغداد، في عقدي السبعينات والثمانينات بشكل محدد… وقد ترتبت عليها التزامات ونتائج لم تكن تحظى بقبول، بل واستهجان، العديد من الأحزاب والقوى السياسية العراقية المعارضة، وعلى مدى عقد كامل تقريباً (1979-1989)… ولحين قيام نظام براغ الجديد “غير الاشتراكي وغير الأممي” الذي دان نظام بغداد، بشكل واضح منذ عام 1990، ودعم تغيير حكم حزب البعث وإنهاء هيمنته السياسية، وعسفه وقمعه للحريات الديمقراطية، وانتهاكاته البشعة لحقوق الانسان… وبعد حدوث التغيير فعلاً في 9/4/2003، دعمت – وتواصل براغ، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، التحولات والمسيرة الجديدة التي شهدها – ويشهدها العراق وبأشكال وطرائق عديدة…

* … واقتصادية وغيرها
… وارتباطاً بما تقدم، ونعني العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين براغ وبغداد، شهدت العقود الخمسة الفائتة، روابط اقتصادية وثيقة اتخذت أكثر من سبيل… مثل المشاريع الاستثمارية، والاعمارية، والتصدير وإلى غير ذلك من مجالات. وقد اختلفت مستوياتها ومعدلاتها بالتأكيد، في ضوء العلاقات السياسية بين البلدين، واتجاهاتها ودرجة وثوقيتها، وانعكاسات المواقف بشأنها… وإضافة لكل هذا وذاك كان ثمة الكثير من العلاقات والشؤون المتبادلة الأخرى التي ينبغي التوقف عندها كمؤشرات ذات دلالة في ما نحن بصدده من توثيق وتأرخة… ومن أهمها المنح والزمالات والبعثات والدورات التدريبية الدراسية الجامعية والعليا التي وفرتها المعاهد التعليمية والعلمية التشيكية، والسلوفاكية، للطلبة والدارسين العراقيين، والذين تقدر بعض المصادر عددهم بنحو خمسة آلاف، خلال الأعوام الخمسين الماضية… وقد شغل العشرات – وربما المئات – من أولئك الخريجين، والكفاءات منهم خاصة، مواقع ومهاماً ومسؤوليات كثيرة، وسواء في وطنهم العراق، أو بلدان العالم المختلفة التي أقاموا ولجئوا إليها منذ عقود…

* جمعية الطلبة العراقيين
تنبئنا التواريخ ذات العلاقة بأن اول اطار مهني ديمقراطي للطلبة العراقيين في براغ قد انبثق في عام 1959، بعد بدء توافد الطلاب العراقيين للدراسة الجامعية، والعليا، بزمالات وبعثات رسمية، وغيرها… وقد جهد ذلك الاطار العريق الذي سمي “جمعية الطلبة العراقيين في تشيكوسلوفاكيا” في العناية بشؤون ومهام كثيرة كان من أولها، اضافة الى الجوانب الدراسية، رعاية الأعضاء واهتماماتهم الاجتماعية والديمقراطية والوطنية… كما لعبت تلك “الجمعية” دور الهيئة المساعدة لقيادة لجنة التنسيق المركزية في براغ التي تولت – كما سبقت الاشارة – مسؤولية توجيه المنظمات الطلابية العراقية، خارج الوطن، ولنحو ثلاثة عقود على الأقل… ولمزيد من التوثيق نشير الى ان من بين الرؤساء الدوريين (السنويين) لتلك الجمعية الطلابية وبعضهم لعدة مرات: مجيد مسعود، طالب الطالقاني، زهير الدباغ، عبد الحسين شعبان، حميد برتو، بولص مراد، علاء صبيح، تالي المالكي، احسان المالح، ثعبان موزان، محسن شريدة، باسل دانيال…
يتبع القسم الثالث والأخير
مع تحيات بابيلون للاعلام

www.babylon90.com