الرئيسية » مقالات » مسرحية ((محاكمات أبناء أبراهام))… 1/11

مسرحية ((محاكمات أبناء أبراهام))… 1/11

المشهد الأول.. 1/2

يوم الدين (( القيامة )) و المكان حيث نكون.. غرانيق هبطت من السّدرة المقعّرة، و أصبحت في كل الأرجاء، لتخبر بنهاية الفانية و استقبال الباقية.. رجال دين بعمائم مختلفة الأشكال و الألوان و الكتل و الأحجام.. كلهم سمان، تحولوا بقدرة قادر إلى حمام، بوداعة الخرفان، يقودهم قائدان.. عليهما الدروع، بسيفيهم المسلولين، يصولان و يجولان .. أحضرت الضحيّة لتكون القربان .. سيذبحونها قريبا (إنشاء الله)!…

زنوبة هي … أو الصغيرة زينب… تستطيع أنت تقول زين..زيان..زينا.. زنوبيا..زني..زن… و تنطق اسمها بكل لسان…. الم يلسننا الله في بابل لنبلغ رسالاته إلى جميع أمم الأرض قاطبة و بلغاتهم ؟! الم يزكي ذلك اللاله بعضنا و اختارنا لنكون ضحاياه؟! الم يجعل من أرضنا كصفيحة ماء مغلقة ، تغلي على تنور حامية، نيرانها و جورها نحونا دوما آتية، من رمال الأرباع الخالية.. من كل شيء، إلا الفتن و اخذ ألفيء و الأنفال، للمؤتلفة أفئدتهم على الفسق و الفجور، ففرهدوا الماضي و الحاضر و مستقبل الأجيال؟! الم تبني بني كلاب و حمير، من جماجمنا قصورا لكل كلبيّ و جحش و بكر بعير؟! الم نعاني إلى ألان من اللدغات القاتلة لثعابين آل عثمان؟! الم يستعمر عميرا مستعمرات جنده، من مالنا و أثمان لا تضاهي من تجارة مربحة، بضائعها عرضنا، و سوقها مدينة منورة بوجوه نورانية، لصبايا مراهقات باكرات، ملكهن ايمنات لأعراب ما عرفوا عدى الكفر و النفاق .. لعلهم يعقلون!؟.. لذا أمسى سيف يائس مسنون إلى مسلول بحول الله! ليجاهد بأمره و إعلاء كلمات، لم يقدر من نطقها، فأسعفته مرور عشرون أعوام بين هوام لا يفهمون!.

القادر على كل شيْ و إذا قال .. كن .. فيكون!!.. استنسخ و اضرب بين المخيخ و الطعام ..

اذبح الأسرى .. و انكح .. شرد المضيف يا أثقل الضيوف و اخسهم، فلا زال طعامه بين أسنانك القذرة .. ((كان بعد كل انتصار.. وليمة، من لحوم بشرية للبقاء على الحياة…..و حفظ النسل المبارك!)).

زنوبة..متورمة الوجه.. الكدمات على الوجنات.. لا تظهر الملامح، من اثر بقع مضروبة مخضرّة بين السواد و الاحمرار.., شفاهها تدلت و الدماء تنزف من فمها بغزارة، ((لا فض فوها من اللؤلؤ المكنون..)) كانت ريقها قبل الآن بلسم العشيق الحبيب، كانت نهديها، تكادان تخرجان من الثياب للعيان، تتصلب حلمتاهما الورديتان، لتعلنا على الملأ و على رؤوس الأشهاد، بأنهما ينبوعان للحياة، في أولها و منتصفها و في كل الأوقات و حتى الممات.

أما الآن فهما مغتصبتين منفلتين، فركتهما أيادي آثمة، لأوغاد أتوا من فجوج صحار قاحلة، جرداء من كل معنى، عدى الإجرام و الإرهاب.. تبا لكل الرسالات!!.

قال القائد الكبير ((أسامة)):

ـ سيسود الله وجهك أكثر و أكثر، يا عا… يا فا.. يا دا… إلى جهنم و بأس المصير إن شاء الله!، أين المفر و حسامي لك بالمرصاد. من تمنطق قد تزندق!!! .. بالفلق و الوقب و العلق، لاذبحنّك اليوم تحت أقدام الشفيع الحنيف الحفيد، و الابن الوليد التليد، و الأب الكليم السعيد، و جدنا ….. (( قاطعه زنوبة الأسيرة، المغلولة يديها إلى عنقها بحبل وتيد)) و أكملت كلامه قائلة:

– ألفهيم بفضل امرأة عظيمة، بعد أن كان اكبر بليد…. يجول في الجنة و يطأ الحواري أمام الغلمان، لذا تصدت لنزواته بمؤازرة الملاك العنيد، ليقف عند حده و يشعر بالخجل من عورته، المتدلية في حضرة الخالق المجيد!.. نعم لقد أصبح ((الطريد)).. ليجاهد من اجل لقمة عيشه، متسلحا بنعمة العقل و المنطق و الإدراك و الإرادة و العزيمة و الإصرار و الصبر و الشعور و الإحساس و الإشعاع، ممثلا لخالق الكون في كوكبنا الجميل الصغير الجديد، يتسيد على الخلائق بتلك الأفضال، بعد أن كان في الفردوس كتلة كالبلاستيك، لا يهرم أو يموت!!.. فبأس الحال حاله و حالنا إن كان و كنا لا نزال لا نفقه من أمرنا سوى الشهوات، بالنكاح و السحاق و اللواط، و بطون تجري أمامنا فيها ما لذ و طاب.. كالطبول فارغات ..

ربوت .. ربوت.. انتم هكذا يا رجال، تملكون القوة و العضلات، على حساب ضمور أمخاخكم بعد أن غسلتم قشورها بالتحكم بالخلق و الخليقة و المرأة الناعمة الناعسة الرقيقة، التي لولا نعمها عليكم، لانقرضتم من وجه البسيطة، منذ قرون سحيقة.. إنكم لا تعرفون سوى السلطان و الأديان و الاستكبار و ايدولوجيات، لأنكم لا تنتجون العسل و لا تحسون بحلاوة الإبداع، فالمفروض عليكم هي الاحتراب و الاقتتال و الإرهاب!، و إنتاج السموم و المآسي و الأحقاد، لتكون لكم قضية و حاجة مقضية و سراب غاية، ما هي إلا أحلام وردية .

اخجلوا من أنفسكم يا سفهاء، وولوا إلى القبور ما دام لا تعرفون معاني الخلود و الحياة. لتعقر بطون الأمهات إن لم تلد سوى أبناء يتصرفون وفق مشيئتها العادلة الحقّة المنصفة و الصادقة مع المعاني الأصيلة للأشياء و الأحياء و المسمّيات، من أخلاق و شرف و سلوك و تهذيب و تدريب و تعليم و ترفيه و لذة و عشق و غرام، بحرية تامة لا حدود لها إلا عندما تمس مشاعر الغير، فلا يجوز التعدّي، لكوننا أحرار.. فالحرّة و الحرّ ملاكان طاهران، قدوتهما الله نفسه، بصفاته التي لا توصف، و لا يمكن أن نصل إلى كنهتها يوما، لأننا منه مجرد ذرات ، ما عليها سوى التفكير و التخمين و الاستنتاج، لتحطيم القيود يوميا و الانعتاق نحو فضاء أوسع و أوسع و أوسع.. إلى أن تتسامى أرواحنا و تصل إلى اللامنتهى خالقة أسرار الفلاة، لأنها المرشدة العتيدة، مباركة في عرش وقور، تعرف ما لا يمكن فيزياء عقولنا من إدراكها إلا بمدد منها، و لكن من المستحيل الحصول على الإغاثة، مهما ولّولنا و تضرعّنا، و إن كنا خاشعين لنا الدين و الإيمان و الناموس و الأحكام و الوعود … الميثاق و الآيات و الحديث و اللاهوت.. و التلمود و المشناة … التناخ و الكتاب و الإنجيل و الأصول…, وصولا إلى أقذر و اصغر المخطوطات، بكافة اللغات و اللهجات مجتمعة، كما انزلها على قلوب الأجداد و الآباء و الأبناء و الاحفاد.

و أصبحت يا أسامة تأولها وفق وجهة نظرك الزائغة المنحرفة!!؟؟ .. يا للعجب!!!!!!!.

أريد أن أقول لا تفيدنا شيء، و لا يمكن لقطرة من ماء بحور الرب، ذوا الجلال و الإكرام، أن تصل إلينا كغوث أو نجدة أو إنقاذ، إلا كانغاض أحلام، طالما لا نملك منطقا وعلم الكمال و الكلام، و التحليل و التجديد.. بترحيل جميع الكتب المقدسة إلى رفوف الأبحاث العلمية لمادة الفلسفة و التاريخ!، فما قيمة كلام الله القديم المخلوق!!! و هو الحي القيوم يتكلم معنا باستطراد، تكاد تكون يوميا من الصباح إلى المساء و عند النوم و حتى الزوال. يتجلى آياته العظام، في كل شيْ تمسنا من قريب أو بعيد، و لقد فرض علينا الكفاح و النضال و العمل الخلاّق، بهمّة و إخلاص و نشاط، دون كلل أو ملل أو اتكال، أو إذلال لشفيع أو رفيع أو نفيع أو دفيع.. لضريح أو طريح أو مقام أو منام.. لمنير أو أمير أو وزير أو إمام ..لكليم أو خليل أو ذبيح أو حبيب .. لمنقذ أو مسعف أو….,…. منتظر. إذا لم ننجز ما تقع على عاتقنا من واجبات، بمنتهى الحرص و المسؤولية، وفق ما نفهمه و بما جادت علينا قرائحنا، و ما تفطرت بها عقولنا الواعية و غيرها.

بهمتنا فقط سنقطع الربع الأول من المسافة إلى قمة القمم، التي لا تعلوا عليها سوى الملكوت البعيد المنال دائما و أبدا، عن أي جسم مهما كان جسيما، وان فرغت أمعائه من أكول دسيمة.. فهناك فقط أرواح الخالدين و الخالدات، و هي التي تسبح بحمد الرفيق الأعلى جله و علا و لا يعلون عليه قط، يأتمرون بأوامره، و ينوبون عنه عندنا نحن الأدنون، حاملات و حاملين بالمدد من عنده و عون هائل من طاقة غير مرئية، لبلوغ النقطة القصوى حيث المنى و المنتهى… حيث الأزل و السرمد و الأبديّة.

من الموت تولد الحياة و من الجماد تنبعث هكذا إشعاع، تشفي و تداوي الآلام و الأوجاع، و تجلب السعادة و اللذة و النشوة و الإشباع.

الكريم سيعطي دائما و لا يطلب التكريم من احد، فكلنا مسيّرون كالالكترونات، في مدارات لا نراها بأكبر الميكروسكوبات المخترعة لحد الآن، و لكن.. في المستقبل القريب، سيضحك أحفادنا على عقولنا، عندما يتبصرون بقوى خارقة يمتلكها أي إنسان أو حيوان أو نبات أو جماد، فحولنا مسكون ..مسكون.. لا رعب فيه أو سحر أو طلاسم ..أو تمائم أو حمائل أو رقيّات.. ستصبح هراء، أن تنطق و تؤمن بجني أو جنية.. أو شبح أو كبح لرغبة أذن لها الفكر بالانطلاق، سيتحقق ما تجول في اللاوعي. وسترفع ((بؤر الفساد)) راية الاستسلام أمام الإرادة البشرية، اعني بها ((الأسر)) التي ننشئها الآن عن جهل مطبق و أنانية، بمنتهى السفاهة و الدناءة و السفالة و الاحتقار والانحطاط، سيتقزز نفوس أجيالنا اللاحقة من مجرد التذكّر بها، إن لم تكن من اجل عدم الوقوع مجددا في أحابيلها و قيودها و شروطها الغبيّة.

على المرأة الحرّة بعد الآن.. الهروب من بيوت الدعارة تلك، فهي مفسدة ما بعدها مفسدة و لطمة و طامة و لكمة و علقة و لعبة وثنيّة، اخترعتها رجال جبناء، فاقدي أدنى كرامة و عزّة و ذمّة، على حسابها و تحت انفها و مرآها و مسمعها، فلتخجل من نفسها فهي رقيق.. رقيق، إلى اللحظة، و أمة في أسواق النخاسة، تتمرغ في عار الذل و العبودية.

سنهدم على رؤوسكم التي تعلوها أعشاش اللقالق، ما بنيتموها من مواخير و أوكار، من مواسير و أقذار، من عراعير و عرعر، سنحاكم الساقطة بابل لننقذ استير و راحيل من براثنكم القذرة يا أبناء الساقطات…..

(( رجال ملثمون كالسخام يلتفون حول قفص الضحية، يحاولون إخماد أنفاسها الأخيرة لولا إشارة نائب القائد العام و قد طلب الإذن من سيده للكلام.))

قال القائد الصغير ((يوسف)):

– اتركوا الشقية الضحية، فهي اليوم هدية شهية، سنكحل بدمائها الخاثرة عيون ربنا القادر القاهر الجبار المقيت المنتقم، و ثلته العابرة عبرنا، المهبطة عندنا، مع رجال كرام يحملون الميزان، و حيدر إحقاق الحق، الذي يتقطّر دما .. المعلق على يمين العرش العظيم، غمده أبدان ناقصات العقل و الدين، من أمثال هذه الكل.ب.ة…. الق.ح.ة… الكافرة…. الزندكيّة (الزنديقة)، التي تسترسل في غيّها و بغيها. فروحها تتكون من مارج من نار، نفخها إبليس في فرج جنية يهودية!. و بعد ولادتها جرعها والدها من ريقه و تمضمض بترياق مسحور أعطاها مع الحليب المكرور، لتفقه آياته، و تقدر من فك الطلاسم و الحجب و البواطن. لذا تكلمت و هي في المهد، و ادعت بأنها سوف ترى يوم القيامة!! و سوف تحاكم ربة أعدائها. .. كذبتي يا ساحرة .. فأنت اليوم قربانا لوجهه الكريم و لعدله المقيم و لظله المديم، و إن صدقت!!!.

زنوبة:

– إنكم لم و لن و لا تفهمون مفهوم الله إلى هذا اليوم، الذي أرجو فيه البشرى لكل المؤمنات و المؤمنين الحقيقيات و الحقيقيين، ليظهر المستور الذي يمرغ وجوهكم في أوحال خطيئتكم و دعارتكم، لترجعوا إلى صحرائكم مجددا، لكي نحب دونكم، بعضنا البعض و نجمع مللنا تحت راية واحدة، لنربي تحت أظلالها نسلنا المستقبلي|، بعيدة عن بغضكم و حقدكم و بلاهة فكركم، لكي تعيش و تحيى، بنقاء و استقامة، و عندها…..سنحيل كتبكم إلى أكوام القمامة.

(( تأكل علقة أخرى من ضرب مبرح، من الملثّمين ))……يتبع……..

هشيار بنافي

Berlin;04.07.2008