الرئيسية » مقالات » رؤية البعث والرئيس الراحل حافظ الأسد في المسالة الكردستانية ( ح 4 )

رؤية البعث والرئيس الراحل حافظ الأسد في المسالة الكردستانية ( ح 4 )

يفتح ز.س مشكلة سابقة لأوانها ويعتبرها العقبة الوحيدة أمام حل المسالة الكردستانية ويضع مسؤولية المشكلة على الطرف الكردي أو ما يسميهم غلاة الأكراد الذين يتهمهم برسم خرائط لكردستان يبدوا أنها لم تعجبه ليبالغ في التهويل لخطرها وأبعادها , من حيث المبدأ هو لا يرفض إن يكون لكردستان خريطة ونحن نشكره على هذا الموقف الشجاع لأن اعتراف كاتب عربي قومي بكيلو متر واحد من الأرض كوطن كردستاني يعتبر سابقة تاريخية فالسائد لدى هؤلاء هو رفض وجود الأكراد فكيف يقبلون بوجود كردستان , ولكننا نختلف معه في كيفية تصور هذه الخريطة أو التعبير عن مفاهيمها كوطن وكدولة , مع إن الحديث عن الخرائط ما زال مبكرا وهو عمل غير مثمر لا يساعد على الحل بل يزيد الأمور تعقيدا أكثر مما هي معقدة أصلا , إن لكل ملف من ملفات المسألة الكردستانية خصوصيته الناتجة عن اختلاف الظروف بين الأكراد عبر الحدود ولذلك لا يجوز تعميم تجربة جزء كردستاني على باقي الأجزاء فقد تكون هناك مشكلة خاصة بين كردستان الجنوب و السلطة العراقية ولكن ليس بالضرورة إن يكون هناك مشكلة مماثلة بين المنطقة الكردية في سوريا وبين السلطة , ومن هنا على طرفي المسألة إن يركزا اهتمامهما على جزئه الكردي الذي يخصه ويفتش عن حلول مناسبة له , إن طبيعة المرحلة الراهنة تفرض على الدول والحكومات والشعوب إن يلتفتوا أولا إلى مشاكلهم وقضاياهم الوطنية قبل البكاء على الأخوان والجيران والأصدقاء ففي ظل ظروف الغلاء والجفاف والمجاعة بالكاد كل دولة تستطيع إن توفر لمواطنها ربع رغيف خبز والحكومة العاقلة هي التي تلقي عن ظهرها أحمال الآخرين وتحمل عبء مواطنها الطفران الذي قد ينفجر بارود جوعه في أية لحظة ليقلب عاليها واطيها حيث لا ينفع الأخوان ولا يفيد الجيران , ولتجنب تسخين برميل البارود المنصهر في جوف كل مواطن على الحكومة الرشيدة الانصراف إلى حل مشاكل مواطنها الحياتية والسياسية فهو الوحيد الذي يمتلك الصاعق وحرية التصرف به ومتى ما أراد إشعاله فلا توجد قوة في الأرض تستطيع ردعه , بالنسبة للسلطة السورية تضافرت عدة عوامل لتجعل أثار أزمة الاقتصاد العالمي مضاعفة على الشعب السوري وحتى تنجح السلطة في تخفيف حالة الغليان لدى عامة الناس عليها البحث عن حل لمشاكلهم ومنها المسألة الكردية لأن علاج هذه المسألة فيه مصلحة وطنية عليا وكذلك مصلحة السلطة , فالمواطن السوري لا يطلب أكثر من الأمن والسلام ومورد دخل يحفظ كرامته الإنسانية وقوانين توفر له ممارسة حقوقه الديمقراطية والقومية بما يضمن العدل والمساواة, هذا هو توجه الحكومات العربية والإقليمية الاهتمام بخبز مواطنيها وكذلك فالحركة الكردستانية في كل جزء تركز اهتمامها على الجزء الذي يخصها , فالسياسة شيء والعواطف شيء آخر .
لا ندري لماذا يخلط ز.س أوراق الملف الكردي في سوريا بالملف الكردي في العراق وتركيا وإيران , أليس من الأفضل له إن يترك الآخرين عبر الحدود ليحلوا مشاكلهم بالطريقة المناسبة لهم ويهتم هو بالمسالة الكردية في سوريا ولو انه فعل ما كان يحتاج إلى إثارة الزوابع حول الخرائط المزعومة التي لا تعدوا كونها اجتهادات شخصية لبعض من المثقفين الأكراد وضعوها في مراحل سابقة ظروفها مغايرة كليا لظروف المرحلة التي نعيشها فلم تعد لها تلك الأهمية وهي لا تمثل وجهة نظر الحركة الكردية مع العلم إن هذه الخرائط لا تتعدى حدود كردستان الطبيعية وقد وضعها أصحابها كردة فعل على سياسات دول السيطرة التي أنكرت وجود كردستان وكذلك ردا على سياسة التنكيل وليس كما يقول الكاتب إن التنكيل بالقومية الكردية كان سببه تلك الخرائط .
إن كردستان واقع جغرافي – بشري – تاريخي موحد لا يمكن تجاهله هذا من حيث المبدأ ولكن على الواقع السياسي ليس هناك من خريطة لكردستان إلا في وجدان الأمة الكردية لأن كردستان اليوم محكومة بعامل التقسيم وليس لها من وجود فعلي وقد أدرك غالبية الأكراد هذه الحقيقة واعترفوا بها وارتضوا برسم مصيرهم ضمن حدود الدول التي تسيطر على وطنهم آخذين بعين الاعتبار الظروف الدولية والإقليمية والمتغيرات والمستجدات التي لا تسمح المساس بالخريطة السياسية في المنطقة وهذا ما وجه السياسة الكردية نحو مزيد من الواقعية والعقلانية بلغت حدود التفريط بالحقوق القومية والسياسية للشعب الكردي , لقد تخلت الحركة الكردية في تركيا عن مطلب الاستقلال وقبلت بالحل الكونفدرالي أو الفدرالي بينما الحركة الكردية في إيران لم تطلب منذ البداية أكثر من الحكم الذاتي لكردستان الشرقية وفي كردستان الجنوب فقد جاء الحل في صيغة الفدرالية ضمن العراق الاتحادي وبخصوص المنطقة الكردية في سوريا فلم تطالب الحركة الكردية بأكثر من الحقوق القومية للشعب الكردي حيث لم تتجاوز مطالب أكثر الأحزاب تشددا الإدارة اللامركزية فهل مثل هذه البرامج تشكل أية خطورة على الدول التي تسيطر على الأجزاء الكردستانية وهل تبقى للخرائط معنى إذا كان الأكراد يبصمون بالعشرة على أنهم جزء من الدول التي أصبحوا تابعين لها ,فلماذا يضخم ز.س مسالة الخرائط هذه ويدعي أنها تثير مخاوف دول السيطرة وكذلك شعوب القوميات الغالبة فيقول إن الخرائط تجعل المتعاطفين مع الأكراد في موقع محرج وتدفع بهم إلى الابتعاد عن الشعب الكردي وكأني به يتخذ الخرائط مبررا كاذبا للتنكيل بالقومية الكردية والاستمرار في اغتصاب حقوقها , ما يهمنا في هذا الجانب هو كيفية النظر إلى خريطة الملف الكردي في سوريا , بالنسبة للمؤلف فأنه ينكر وجود ملف كردي على مستوى الأرض والشعب في سوريا بل يعتبر قرابة 3 مليون كردي مجرد مهاجرون إلى البلاد وبذلك فانه يغالي في تقزيم خريطة كردستان العتيدة ليس على مستوى سوريا فحسب بل على مستوى العراق وتركيا وإيران وهذه مسالة تحتاج توضيحا , ذكرنا إن كردستان كظاهرة طبيعية هي قائمة في الوجود ولكنها كظاهرة سياسية هي عدم وان الأكراد قرروا مصيرهم ضمن حدود دول السيطرة وبات على الأطراف الأخرى إن تقدم مقابلا للتنازلات التي يقدمها الشعب الكردي أي :
قبول إيجاد حل للمسالة الكردية – الاعتراف بوجود كردستان كوطن قومي للشعب الكردي ضمن أراضي دول السيطرة وهذا اضعف الإيمان .
أما حديث ز.س عن كردستان الحقيقة وكردستان الانتشار فلا ينسجم مع طبيعة العصر حيث التوجه إلى إيجاد الحل للقضايا الساخنة بالطرق السلمية , شيء غريب والله إن يقبل اشد الأطراف العربية تطرفا وتعصبا بالاحتلال الإسرائيلي كدولة وقومية على حساب الفلسطينيين مع أننا نعلم علم اليقين إن إسرائيل كيان غير شرعي مقام على أراض عربية !! وفي الوقت ذاته نرفض الاعتراف بالحق الكردي ونحن نعلم إن الأكراد أصحاب ارض وأصحاب حق , هي ذي سوريا قلعة العروبة والفكر القومي العربي تعلن صراحة التفاوض مع إسرائيل ولكنها ترفض التفاوض مع جزء من نسيجها الوطني وهو الشعب الكردي الذي اعترف به السيد الرئيس بشار الأسد , عجب ما بعده عجب إن تستطيع التفاوض مع عدو يحتل قطر عربي كامل ولا تتحمل التفاوض مع جزء من شعبك قدم تضحيات كثيرة في مقارعة ذاك العدو , شعب لا يطلب سوى بحقوقه القومية والسياسية والإنسانية على أدنى مستوى ضمن وحدة البلاد وسلامة أراضيها .
إن تواجد الأكراد في المنطقة الكردية في سوريا تواجد تاريخي أصيل منذ آلاف السنين هذه المناطق هي موطنهم الطبيعي الذي أقاموا فيه قبل خلق آدم انبثقوا منه ولم يأتوا إليه مهاجرين من مكان آخر كما يدعي ز.س وإذا كان ثمة انتشار فأن القومية الغالبة هي التي انتشرت في موطن الأكراد وليس العكس بفعل ظروف تاريخية – سياسية لم يكن للعرب أو الأكراد يد فيها بل كانت مشيئة الاستعمار البريطاني والفرنسي والتركي حيث قسموا المنطقة دون مراعاة التوزع القومي لسكانها , لقد قسم سايكس– بيكو البلاد العربية إلى دول عدة ولكن جريمتهما بحق القومية الكردية كانت أفظع فقد مزقا كيان الأمة الكردية بين دول المنطقة دون رحمة وحين جاء عهد الحكومات الوطنية في هذه الدول فإنها اندفعت وراء توجهاتها القومية العنصرية لتكون اشد ظلما من الانتداب الأوروبي حين رفضت المسألة الكردية لديها فقد اعتبرت الدول الوليدة إن الأكراد مهاجرون لديها وبناءا عليه ليس لهم ثمة حقوق سوى الذوبان في القومية الغالبة .
بموجب مشرط الملعونين سايكس وبيكو وضع جزء من الوطن الكردي في عائدية الدولة السورية فهل يكون الأكراد المقيمين على هذه الأرض غرباء عن سوريا أو مجرد أكراد انتشار,طيب لنعتبرهم غرباء أو مهاجرين أو ضيوف أو متسللين ولكننا ندعوا ز.س لزيارة المنطقة الحدودية بين تركيا وسوريا ليجد بعينيه كيف إن مسطرة سان ريمون مزق القرية الكردية إلى نصفين نصف شمالي لتركيا ونصف جنوبي لسوريا فما ذنب أبناء القسم الجنوبي من القرية حتى نعتبرهم غرباء إذا كان خط التقسيم قد حكم عليهم بالتبعية للدولة السورية , هم كانوا مقيمين في موطنهم ودون اختيارهم وجدوا أنفسهم بجرة قلم ينتقلون من عائدية دولة إلى عائدية دولة أخرى لم تتفهم الدولة السورية مأساة الشعب الكردي حتى تبادر مبكرة إلى حل الملف الكردي لديها بل نظرت إلى المسالة نظرة شوفينية – عنصرية وكان الحل الوحيد لديها هو إنكار وجود القومية الكردية أو اعتبارها قومية مهاجرة , إذا كان سكان الشطر الجنوبي من القرية دخلاء فيجب إن تكون أرضها أيضا دخيلة أما إن تقبل الدولة بالأرض كجزء أصيل من البلاد وترفض سكانها فهذا بعيد عن العقل , إن العدالة تقتضي القبول بالأرض والسكان كجزء من سوريا واعتبار القرية موطن أصيل لسكانها ,هذه الحالة تنطبق على عموم المنطقة الكردية في سوريا فالسكان الأكراد لم يتسللوا إليها من منطقة أخرى بل الانتداب الأوروبي هو الذي وزعهم أرضا وشعبا بين دول المنطقة , هذه حالة تاريخية فرضت على الأكراد وعلى الإطراف الأخرى, والأكراد في سوريا معتدلون في مطالبهم إلى ابعد الحدود إنهم لا يطالبون بدولة مستقلة ولا بالانفصال ولا بالحكم الذاتي بل بحقوقهم القومية ورفع سياسة الاضطهاد القومي عن كاهلهم وان تعترف الدولة بمنطقتهم كوطن قومي لهم ضمن الإطار الوطني السوري .
أما إن ينفي ز. س وجود أراضي كردية ضمن البلاد السورية وان يعتبر القومية الكردية في سوريا أكراد انتشار فهذا تجني على حقائق الجغرافيا والتاريخ, يستشهد المؤلف برأي د. ش . خصباك الذي يقول إن وجود الأكراد في سوريا هو جزء من الوطن السوري وليس جزء من كردستان المركزية , هذا كلام جميل والأكراد يقبلون به كمنطلق إلى حل قضيتهم القومية في سوريا , حيث لا توجد مطامح كردية في سوريا تنزع إلى الانفصال هذه دعاية ينشرها العنصريون بغية تخويف الأطراف المعنية والأخوة العرب من الشعب الكردي حتى لا يكون ثمة حل للملف الكردي السوري , ما هي الدولة التي يعتزم الأكراد السوريون على إلحاق منطقتهم الكردية بها بعد اقتطاعها من الوطن السوري هل هي تركيا أم العراق أم إيران أم دولة الجن الأزرق , هذا كلام لا يقبله العقل خاصة انه لا توجد دولة كردية بالجوار حتى نتخوف من مطامعها التوسعية !! إن الأكراد السوريين يعتبرون أنفسهم أرضا وشعبا جزء أصيل من سوريا ولكن الطرف الآخر داخل السلطة وخارجها لا يقبل بذلك ليبادر إلى معالجة المسالة الكردية لديه , أنهم مثل خالد بكداش يتهربون من الحل عن طريق طمس الملف الكردي أو تأجيله فقد قال المرحوم طيب الله ثراه وادخله فسيح جناته إن القضية الكردية لا يمكن معالجتها إلا بعد انتصار الاشتراكية أي الانتظار إلى اجل غير مسمى ريثما يحصل الكردي على حقه في التحدث مع زوجته بلغته الأم , فمات وماتت الاشتراكية وبقي الأكراد معلقين بين السماء والأرض فهل يبقى حل هذه المسالة مرهونا بالغيب و مشيئة الإيديولوجيات المنقرضة التي تأتي في كل مرة بذريعة جديدة تتهرب بها من الحق الكردي .