الرئيسية » مقالات » رسالة مفتوحة

رسالة مفتوحة

رسالة مفتوحة إلى/

الدكتور محمود المشهداني/ رئيس مجلس النواب المحترم

والسادة أعضاء المجلس المحترمين

أعضاء جميع منظمات المجتمع المدني المحترمين

من يقرر (أسماء) المدن والحواضر والشوارع العراقية؟!


لا ادعي لنفسي شرف المبادرة بالمطالبة بإصدار قانون ينظم تسمية المدن والحواضر والشوارع والوزارات والمؤسسات العراقية..

بل المبادر لذلك هو عضو مجلس النواب (القاضي وائل عبد اللطيف )..الذي طالب مرات عديدة لإصدار قانون بهذا الشأن..

لكن الغريب والمريب في الأمر إن مجلس النواب بكامل أعضائه الذين حضروا تلك الجلسات ..من (اليمين واليسار) ومن (الأحزاب السياسية الشيعية والسنية) ومن (المتدينين المستقلين) و(والأحزاب والحركات والأفراد العلمانيين) ومن العرب والكرد والتركمان والكلدو آشوريين..

الجميع دون استثناء..

لم يلتفتوا لتلك الدعوات..

وكأنه يتجاسر على (المقدسات)!

رغم إن هذا القانون يشكل احد أسس – مفاهيم الدولة الوطنية المتمدنة-..

لأنه التعبير القانوني عن الوقاية من – الصنمية – (التي تشكل الجذور والخلفية المعرفية والمبرر للدكتاتورية وعبادة الفرد!!)..في هذا القطاع – تصميم المدن – من البنية الأساسية للدولة العراقية الحديثة..

……..
ربما سيقول قائل معلقا على دعوتنا

هذه:

( عرب وين طنبورة وين؟!)..

فهل انتهت مصائب العراقيين ولم يتبق لهم من محنهم، سوى أسماء الشوارع لإتمام سعادتهم؟!
………

لكن عندما يُفتح هذا – التنور- سيعرف الجميع أي قوى ستستميت للإبقاء على النهج الاستبدادي لاغتصاب “التسميات” في المواقع العامة؟!..
……….

ويعرف من حولي بأنني كنت قد أعددت نداءً في الأيام الأولى للغزو وسقوط الدكتاتورية..لإزالة إرث ونهج اغتصاب أسماء المدن والحواضر والشوارع والساحات العامة والمؤسسات الحكومية..

( لكن فوضى رامسفيلد الخلاقة!!! كانت اسبق منا..فاستباحت المادي والروحي ..وماتزال!)…

وحَذرنا مع أصدقاء كثيرين قبلي ومن بعدي ..من خطورة :

استبدال الأصنام المتهرئة..بأصنام أخرى ( مهما حملت في تاريخها من مآثر)..

وحصل ..ماحصل ..

وتشظى الصنم الواحد ..وصار أصناما..

وكما هي سيرة (أصنام الجزيرة قبل الإسلام ) بدأ عدد الأصنام ينحسر..ولم يتبق منها ، غير الذي تعبده القبائل القوية..

كان العراق باسم صدام..

وعلى خارطة الوطن التي تعلق في المدارس والمؤسسات كتبت عبارة (عراق صدام) ..

وسميت المدن والحواضر والشوارع والمؤسسات والمستشفيات ..(وسرا المقابر)..باسم صدام..
………….

واستباحت (دبابات الديمقراطية) وطننا عام 2003..!
……………

وكان حتى أكثر المتشائمين من تداعيات الغزو يتوقعون انقشاع _ ثقافة الأصنام _ وانفراج الغمامة الحالكة عن وجوه المدن والشوارع والمؤسسات . وانبثاق أسماء تعبر عن مضامينها ،أو وظائفها ،أو تواريخها ،أو المبدعين الذين شاركوا في إنشائها..الخ..

رغم إن تاريخنا زاخر بِمُثُل حضارية يمكن الاقتداء بها:

فلم يسمى ذلك الشارع المهيب في بابل ..إلا وفق وظيفته..(شارع النذور)..

ولم تسمى الجنائن إلا باسم موقعها..جنائن بابل..

ولم تسمى البصرة بـ(العمرية)او (الغزوانية)..نسبة إلى الخليفة عمر بن الخطاب الذي أمر ببنائها..أو القائد الذي فتحها عتبة بن غزوان..

ولم تسم الكوفة باسم بانيها وأميرها ..(الإمام علي بن أبي طالب)..

ولم تسم بغداد باسم (المنصورية) نسبة إلى الخليفة الذي أمر ببنائها..(ابو جعفر المنصور)..

والشواهد كثيرة…

لكن المثير في الأمر ..

هو تشبث الحركات السياسية باغتصاب أسماء المدن والشوارع والمؤسسات..

وَهْماً منهم بان ذلك سيجعلهم خالدين!
…………….
…………….

في عام 1991 وفي اليوم الثاني للانتفاضة في العمارة..كنا نسير في الشارع القصير الممتد بين جسر الإسكان وحي الحسين..واعتاد أهل المدينة تسميته باسم (شارع المكتبة) لوجود مكتبة المدينة فيه..رغم وجود معالم لا تقل شهرة في العمارة مثل :

مركز شرطة البلدة..والصحة المدرسية..وبيت مزعل الرسام..ودائرة الإصلاح الزراعي..ناهيك عن الجسر الجديد..

لكن أهل العمارة ..يعتزون بهذا الاسم..

وأعود إلى اليوم الثاني للانتفاضة ..

حيث حرصنا على تفقد هذا الصرح ( المكتبة المركزية) الذي تربينا فيه..كانت خرائب مشتعلة..باستثناء الجدار الذي طلي بطلاء ابيض ناصع طري..وخط عليه بالخط _ الفارسي التعليق _ الجميل ..وعلى امتداد أكثر من عشرة أمتار ..(شارع الإمام الخميني)..

يومها تساءلنا هل إن مئات آلاف الأقاليم والمدن والشوارع والطرقات والأزقة في إيران ..ضاقت إلى درجة أن يُخطَف اسم شارع غير مبلط في مدينة البؤس (العمارة) ليحمل اسم (المرشد الأعلى!)..

حتى صارت تلك الأسماء مثار تندر..
……………

وتلك مدينة سكان خلف السدة ( العاصمة،وشطيط، – حيث كنا نقيم – وما حولهما من أحزمة الجوع والوباء) القادمون معظمهم من محافظة ميسان (العمارة)..

أطلق عليها سكانها في بادئ الأمر.. (مدينة الزعيم – نسبة إلى المرحوم الزعيم عبد الكريم قاسم الذي أمر بمنح الأراضي لهم في تلك المنطقة البعيدة عن بغداد – آنذاك – ..لإبعادهم عن مستوطنة الذباب والبعوض)..

وبعد انقلاب 8 شباط عام 1963 شاع اسم (مدينة الثورة)..وأهل الثورة يعنون (ثورة) 14 تموز 1958 .

وبعد اغتصاب صدام للسلطة..ومنها اغتصاب السلطة للأسماء..سميت (مدينة صدام)..

ويقال:

إن تغيير اسم مدينة (الثورة) جاء بسبب صراخ سائقي الأجرة في ساحة الطيران :

..ثورة..ثورة..ثورة..ثورة..!!!!

مما كان يستفز رجال السلطة وأجهزتهم الأمنية..

إلى حين جاءت زيارة صدام للمدينة التي كَّرّس حديثه المتلفز والمطول خلالها لاحتقار المرأة والمعلم..والتندر عليهما..؟!!..فصارت (مدينة صدام)!..

وبعد الغزو كان من المتوقع أن يعاد اسم الزعيم عبد الكريم قاسم إلى مدخل المدينة..

لكن في زمن اللا دولة ..

فان السلاح هو وسيلة تدوين الأحداث والأسماء..

فأطلقوا عليها..اسم (مدينة الصدر)..

ويلفت الانتباه في مصيبة الأسماء ..

هذا الاستبدال الشامل لأسماء المؤسسات والمدن والشوارع والمستشفيات والحواضر من اسم (صدام) إلى اسم (الصدر)..

ولا ادري هل أدرك هؤلاء الذين تولوا مهمة (توريث الصدر تركة صدام).. خطورة هذه الخطوة..على مكانة (الشهيد الصدر)؟!

لكن..الأحداث تقول:

إن صدام فرض اسمه بقوة الأجهزة القمعية (التي تحاكم اليوم وتُطارَد كعصابات إرهابية خارجة على القانون..)!

ومعظم هؤلاء الذين تولوا عملية توريث …تركة (صدام) إلى (الصدر)..هم اليوم ..وفق عمليات فرض القانون في بغداد والمدن العراقية.. ( مطاردون كخارجين على القانون ..ومنهم من اعتقل ويجري التحقيق معه بانتظار إحالته إلى المحاكم ..أو من هم من هو على لائحة المطلوبين، الذين تلاحقهم الأجهزة الأمنية..وغيرهم تحت مراصد استخبارات الداخلية والدفاع و- القوات المتعددة الجنسيات -)!.

ولا ندري هل سيقف هؤلاء أمام نفس القضاة الذين يحاكمون أعوان صدام الذين اغتصبوا أسماء المدن والحواضر والمؤسسات والشوارع العراقية..؟!

أم أمام قضاة آخرين ؟!
…………………

وندعو حكومة السيد نوري المالكي وهي تنفذ قرار إزالة التجاوزات على الممتلكات العامة أن يشمل – القرار – إزالة التجاوزات عن أسماء المدن والشوارع والساحات والمؤسسات التي ارتكبتها الدكتاتورية أو التي ارتكبت في مرحلة ما بعد الاحتلال دون قرار وطني قانوني..

ووضع التسميات التي تعبر عن (دولة القانون) لا دولة الطوائف والأعراق والأفراد والعقائد!..
………………

إن القانون الذي ندعو مجلس النواب لإصداره ينبغي أن يتضمن:

1. أن يطلق الاسم الواحد على موقع واحد في العراق ولا يجوز تكرار ذلك.

2. أن تعد لائحة (الكترونية) على المستوى الوطني (مثل السجل التجاري) تدون فيها تلك الأسماء المرشحة لوضع أسمائها على المدن أو الشوارع أو المؤسسات..وغيرها.

3. أن تشارك هيئات المجتمع المدني في ترشيح الأسماء في المواقع التي تقيم فيها..وان تضع معايير وأسباب الاختيار لتلك الأسماء على تلك المواقع.

4. إعداد المعايير العامة لاختيار الأسماء على المستوى الوطني..أي لماذا يطلق هذا الاسم على هذا المكان؟

5. اعتبار مساهمة الشخصيات التي سيجري تكريمها بوضع أسمائها على المدن والمؤسسات والشوارع والمناطق ..وفق معيار..خدمة الوطن والإنسان العراقي عبر التاريخ..والى يومنا هذا..وفي جميع ميادين الحياة .

6. استبعاد الأسماء التي تسبب تنافرا اجتماعيا بين مكونات الشعب العراقي.

4/7/2008