الرئيسية » مقالات » نقاشات فكرية وسياسية مع السيد الدكتور فاضل ألجلبي حول أحداث العراق التاريخية وحول دور ومكانة الحلقة الرابعة

نقاشات فكرية وسياسية مع السيد الدكتور فاضل ألجلبي حول أحداث العراق التاريخية وحول دور ومكانة الحلقة الرابعة

الجلبي والجادرجي ومسألة تأميم النفط في العراق

يوجه الدكتور فاضل الجلبي نقداً شديداً إلى الأستاذ الجادرجي بسبب رفعه شعار تأميم النفط العراقي , فهل الجلبي على حق في نقده أم أنه كان وسيبقى بعيداً كل البعد عن الشعب العراقي واتجاهات تفكيره وأهدافه وأوضاع الفئات الكادحة المالية التي كانت تستوجب زيادة حصة العراق من عوائد النفط الخام لعل جزءاً من تلك العوائد يصب في صالح تلك الفئات وخدمة المجتمع حتى في ظل الحكم الرجعي حينذاك؟ وهل كان الجلبي بعيداً كل البعد أيضاً عن الحركة السياسية الوطنية العراقية التي كانت تطالب بذلك؟ هذا ما سأحاول مناقشته في هذه الحلقة وفي ظروف العراق والدول المحيطة به حينذاك.
تحت وطأة عوامل كثيرة , منها وجود القوات البريطانية في العراق ومشكلة ولاية الموصل ومستقبلها في ظل الصراع حولها بين بقايا الدولة العثمانية (تركيا) وبين العراق وموقف الكُرد حينذاك ومناقشات القانون الأساسي (الدستور) والرغبة في إنهاء الانتداب البريطاني على العراق , وافق الحكام في عهد الملك فيصل الأول على شيئين كبيرين لصالح بريطانيا هما: معاهدة 1930 التي عدلت عدة مرات ثم أقرت في العام 1930 , واتفاقية امتياز النفط الخام مع الكارتيل العالمي حيث وزعت الحصص بين شركات بريطانية وأمريكية وفرنسية على قدم المساواة 23,75% لكل منها , وإبقاء 5% لصالح الوسيط الأرمني ومن رعايا الدولة العثمانية كالوست سركيس كولبنكيان. وكانت شروط الاتفاقية مجحفة حقاً بحق العراق وفي غير صالح الشعب , حيث قررت الاتفاقية حصول العراق على 4 شلنات فقط عن كل برميل نفط يصدر من جانب شركة نفط العاق الاحتكارية. ولولا ذكاء وحصافة ودور ساسون حسقيل , وزير المالية في الوزارات الثلاث التي ترأسها السيد عبد الرحمن النقيب , إذ كان عضواً في الوفد المفاوض , لما حصل العراق على أربع شلنات ذهب بل أربع شلنات عملة عادية فقط.
تركز مطلب العراق على حق المناصفة في تقسيم الأرباح بين العراق وشركات النفط الاحتكارية وحق العراق في المشاركة برأسمال شركات النفط العاملة في العراق, إضافة إلى المشاركة الفعلية في إدارة الشركات العاملة في العراق. ورُفضت أغلب تلك الشروط ابتداءً. ولكن الأحداث المتتالية التي وقعت في إيران وتأميم صناعة النفط في إيران من جانب حكومة مصدق في شهر مايس/أيار 1951 من جهة, ونشر الاتفاقية التي عقدت بين المملكة العربية السعودية وشركة البترول العربية الأمريكية (أرامكو) عام 1951 التي قضت بتقسيم الأرباح التي تجنيها الشركة مناصفة مع الحكومة العربية السعودية من جهة أخرى, إضافة إلى الأوضاع المتوترة في الساحة السياسية العراقية وتصاعد المطالبة بتأميم النفط, إذ خشيت شركات البترول الدولية أن حمى التأميم ستصل إلى الشعب والمعارضة في العراق على نطاق أوسع مما تم حتى الآن من جهة ثالثة , أجبرت تلك الشركات على الموافقة وعقد اتفاقية جديدة بالشروط التي طرحها الطرف العراقي تقريباً, وصادق عليها البرلمان العراقي بتاريخ 17 شباط/فبراير 1952, على أن يسري مفعولها من 1/1/1951 . واعتمدت الاتفاقية الجديدة مبدأ المناصفة في الأرباح المتحققة من استخراج وتصدير النفط الخام العراقي, إضافة إلى عدد من المسائل الأخرى, ومنها: أن يتمثل العراق بمندوبين في المجلس الدائم للمديرين في الشركات الثلاث العراقية والموصل والبصرة, وأن يشترك مندوبان عراقيان في إدارة الشركة, وأن يوافق وزير الاقتصاد على تعيين الخبراء والفنيين الأجانب في الشركات الثلاث, وأن تؤسس الشركات مدارس تدريبية لتدريب العراقيين على المهن والنواحي الصناعية والفنية للنفط, وأن ترسل 50 طالباً عراقياً سنوياً يدرسون على حساب الشركة في المعاهد والجامعات البريطانية. كما نجحت الحكومة العراقية في تثبيت بعض النصوص التي تضمن للدولة العراقية دخلاً مالياً يساعد على تنفيذ المشاريع التي كانت تريد تنفيذها, بغض النظر عن طبيعة تلك المشاريع, حيث ورد النص التالي: “أن تتعهد الشركات منفردة ومجتمعة بأن حصة الحكومة العراقية لن تقل عن 20 مليون دينار سنوياً خلال السنتين 1953 و1954 ولن تقل عن 25 مليون دينار خلال 1955 وكل سنة تليها” . ورغم ذلك فأن الشعب العراقي والمعارضة العراقية اعتبرت تلك الاتفاقية مجحفة بحق الشعب والاقتصاد العراقي, وهو ما تؤكده بنود الاتفاقية عموماً, خاصة وأن تلك الشركات كانت قد ساهمت فعلاً بنهب شديد للموارد النفطية خلال الفترة السابقة بعد أن فرضت سعراً واطئاً جداً للبرميل الواحد, أشرنا إليه سابقاً. وفي العام 1952 أنهت الحكومة العراقية امتياز شركة نفط خانقين وفق الاتفاق الموقع عليه من الطرفين في 25/12/1951. وبموجب هذا الاتفاق “انتقلت مسؤولية إنتاج النفط من حقل النفطخانة وتكريره وتسويقه إلى الحكومة العراقية, كما انتقلت إلى الحكومة أيضاً كافة حقوق الشركة وموجوداتها في العراق على أن تستمر الشركة بإنتاج وتكرير وتوزيع المنتجات النفطية نيابة عن الحكومة العراقية لمدة عشر سنوات” . وفي الفترة ذاتها “اشترت الحكومة بموجب هذا الاتفاق حقوق والتزامات شركة نفط الرافدين المحدودة أيضاً والتي استمرت بعمليات توزيع المنتجات النفطية حتى عام 1959 عندما قامت الحكومة بإنهاء العقد المبرم بهذا الشأن وقامت بتأسيس “مصلحة توزيع المنتجات النفطية” . وخلال الفترة الواقعة بين 1951-1958 كانت حصيلة استخراج وتصدير النفط الخام على النحو الآتي:
استخراج وتصدير النفط الخام العراقي والعوائد المالية للحكومة العراقية
خلال الفترة 1950-1958

السنة العوائد المالية ألف د. عراقي الكمية المنتجة/ ألف طن* الكمية المصدرة / ألف طن* الرقم القياسي لتطور العوائد الرقم القياسي لتطور الصادرات
1950 6.885 6.545 6.032 100,0 100,0
1951 14.668 8,554 7.952 213,0 131,8
1952 33.122 18.548 17.699 481,1 293,4
1953 51.258 27.741 27.014 744,5 447,8
1954 57.712 30.150 29.273 838.2 485,3
1955 73.743 33.144 31.644 1071,0 524,6
1956 68.859 30.819 29.162 1000,0 483,5
1957 48.920 21.577 19.926 710,5 330,3
1958 79.888 35.129 33.258 1160,3 551,4
Quelle: Zain Al-Abidin, Khalid Hamid. Zur Rolle und Problematik des Staates und des Staatssektors in der Industrie des Irak. Dissertation. Hochschule fuer Oekonomie. Berlin. 1966. Anhang Nr. 10.
* أرقام إنتاج وتصدير النفط الخام وكذلك العوائد مقربة.






إن إلقاء نظرة سريعة على الجدول والمخطط في أعلاه يساعد الباحث على تسجيل الملاحظات الأساسية التالية في ضوء الأوضاع السياسية التي كانت تمر بها منطقة الشرق الأوسط حينذاك:
• كان إنتاج النفط العراقي في عام 1950 منخفضاً جداً بالقياس إلى إمكانيات العراق الفعلية على التصدير من جهة , وإمكانيات السوق الدولية على استيعاب المزيد من النفط الخام , إلا أن الشركات النفطية كانت تفضل تأمين تصدير كميات معينة منه للحفاظ على أسعار عالية للنفط عموماً لكي تحقق لها أرباحاً عالية, خاصة وأنها كانت لا تدفع مبالغ عالية لأصحاب الأرض والنفط الفعليين لا في العراق حسب, بل وبالنسبة للبلدان الأخرى المنتجة للنفط أيضاً. وكان هذا يعني أن البلدان المنتجة للنفط والبلدان المستهلكة له كانت تتحمل خسارة كبيرة, في حين كانت الشركات المهيمنة على النفط والمحتكرة له ولأسعاره تحقق الأرباح العالية على حساب المنتجين والمستهلكين للنفط في آن واحد.
• وبعد أن أممت حكومة د. مصدق الوطنية صناعة النفط في إيران في عام 1951 بالرغم من معارضة الشركات الأجنبية واحتجاجها الشديد, قررت شركات البترول الاحتكارية الدولية مقاطعة النفط الإيراني, وبالتالي تقلص الإنتاج في إيران. ودفع هذا الواقع شركات النفط الأجنبية إلى زيادة إنتاج وتصدير النفط العراقي للتعويض عن نفط إيران المتوقف. وأدى هذا إلى حصول قفزة كبيرة نسبياً في إنتاج وتصدير النفط الخام العراقي, في حين عانى الشعب الإيراني واقتصاده من عنت وتحكم تلك الشركات. ولم تعبر الحكومة العراقية في ذلك أي تضامن مع الشعب الإيراني وحكومته , في حين تجلى التضامن في موقف المعارضة العراقية حين ألحّت بشعاراتها على التأميم.
• وإذ عرف إنتاج وتصدير النفط العراقي في عام 1956 أعلى مستوى له, فأن عملية تأميم قناة السويس وما ارتبط بها من فعاليات سياسية احتجاجية على العدوان الثلاثي البريطاني-الفرنسي-الإسرائيلي على مصر, بما فيها انتفاضة عام 1956 قد أدى إلى تراجع إنتاج وتصدير النفط الخام العراقي في عام 1957. وتواصل هذا التراجع حتى نهاية عام 1958.
• ويمكن من خلال هاتين الظاهرتين أن نتبين مدى ارتباط إنتاج وتصدير النفط الخام بالأحداث السياسية وبمصالح شركات النفط الأجنبية, إذ أنها كانت قادرة على التأثير المباشر على اقتصاد واتجاهات التنمية في البلدان المنتجة للنفط من خلال زيادة أو تخفيض الإنتاج والتصدير أولاً, وعبر رفع أو تخفيض أسعار النفط دولياً ثانياً, والتي كانت بدورها تعني زيادة أو تقليص العوائد المالية السنوية التي يمكن أن تتحقق لهذا البلد النفطي أو ذاك. وكانت مثل هذه السياسات تنعكس بشكل مباشر على اقتصاد البلاد وعلى التصنيع وتحديث الزراعة وتطوير الخدمات وعلى مستوى البطالة والتشغيل ومستوى حياة ومعيشة الغالبية العظمى من السكان.
• ويشير الجدول أيضاً إلى زيادة عوائد العراق المالية بشكل عام, وأنها كانت خاضعة, من حيث الزيادة أو الانخفاض لثلاثة عوامل, وهي:
– زيادة الإنتاج والتصدير السنوي؛
– وزيادة حصة العراق على أساس المناصفة في الأرباح؛
– وبسبب ارتفاع أسعار النفط الخام أو انخفاضه أحياناً أيضاً.
وهي العوامل التي كانت تتحكم بها شركات النفط الأجنبية والأحداث السياسية في المنطقة والعالم.
لم يكن هذا المنجز النسبي ناجم عن سياسة الحكومة العراقية , بل نتيجة منطقية لنضال قوى المعارضة السياسية التي طرحت شعار التأميم. وقد كان لقرار التأميم تأثيره الإيجابي المباشر على الحركة الوطنية العراقية وحرك الشارع العراقي باتجاه المطالبة بالتأميم. وقد اقترن ذلك بانتفاضة العام 1952 الوطنية. وكان من بين القوى المطالبة بالتأميم الحزب الوطني الديمقراطي ورئيسه الأستاذ كامل الجادرجي , إضافة إلى حزب الاستقلال والحزب الشيوعي العراقي وشخصيات وطنية وتقدمية أخرى. كانت المطالبة بتأميم النفط الخام في العراق في العام 1951 و1952 ذات بعدين لم يستطع خبير النفط الراهن فهمها حين ذاك , إذ لم تكن له صلة , كما يبدو , بالحركة السياسية الوطنية العراقية : البعد الأول تأييد إيران وسياسة الدكتور محمد مصدق النفطية الوطنية إزاء شركات النفط التي رفضت التفاوض لتحسين شروط الاتفاقية وتخفيف الضغط عنه , والبعد الثاني كان باتجاه الضغط على شركات النفط الاحتكارية بأقصى الأهداف ليفرض عليها إعادة النظر بالاتفاقية لتحقيق مصالح العراق بشكل أفضل. وقد تحقق هذا فعلاً حين بادرت شركات النفط وتحت ضغط التأميم في إيران والحركة الوطنية العراقية , بمن فيهم مساهمة الأستاذ كامل الجادرجي والحزب الشيوعي العراقي وغيره من القوى والأحزاب , إلى الموافقة على الدخول بمفاوضات ومنح العراق المناصفة في تقسيم الإيراد (العائد) المتأتي من تصدير النفط الخام العراقي. وكان هذا بمثابة مكسب كبير للحركة الوطنية العراقية , ولم يحصل عبثاً , بل بفعل النضال الوطني الذي خاضته الحركة الوطنية العراقية كلها , ومنها الحزب الوطني الديمقراطي والأستاذ كامل الجادرجي. ومن المؤسف حقاً أن نجح التآمر الثلاثي الأمريكي – البريطاني – الفرنسي وبالتعاون مع القوى الرجعية وبعض القوات المسلحة بقيادة الجنرال زاهدي , ضد حكومة مصدق وتم إسقاطها في العام 1953.
ومشكلة الدكتور فاضل الجلبي في موضوع النفط لا يقتصر على موقفه من قضية التأميم التي طرحها الأستاذ كامل الجادرجي أو حزبه ,وهو حزب ديمقراطي تقدمي يقف في يسار الوسط في العراق حينذاك , بل كانت له مواقف مماثلة في فترات لاحقة من موضوع النفط وإزاء القانون رقم 80 لسنة 1961 الذي أصدره عبد الكريم قاسم. ففي الندوة التي أقيمت في لندنبتاريخ 16/3/2007 قدم فيها الجلبي محاضرة بعنوان “الدستور, قانون النفط والسياسة النفطية في العراق” وكنت مستمعاً فيها. ثم نشرت مقالاً حول ما جرى في الندوة أشرت فيه بشأن هذه النقطة ما يلي:
“قسم الدكتور الجلبي محاضرته إلى جزئين, جزء تاريخي, ثم جزء خاص بقانون النفط وحدد بحثه بثلاث نقاط: الجانب الدستوري والسياسة النفطية وكيفية وضع النفط في خدمة الاقتصاد.
– أشار ابتداءً إلى أن تاريخ استثمار النفط في العراق يؤكد تعرضه إلى تهميش فعلي من جانب شركات النفط الأجنبية بالمقارنة مع صيغة التعامل مع نفط الدول الأخرى في المنطقة, سواء أكان ذلك من حيث التنقيب أو الاستخراج أو التصدير, وبالتالي قلة الموارد المالية المتأتية من استخراجه وتصديره. وقد تواصل هذا التهميش طيلة فترة عمل الشركات الأجنبية في العراق.
– هاجم بشدة سياسة قاسم النفطية وصب جام غضبه على القانون رقم 80 لسنة 1961 الذي تم بموجبه استرداد الدولة العراقية 99,5 % من الأراضي التي كانت قد وضعت تحت تصرف شركات النفط الأجنبية ولم تستثمرها طيلة الفترة المنصرمة, التي تمتد إلى عدة عقود, رغم اعترافه بتهميش الشركات الأجنبية لنفط العراق. واعتبر هذا القانون أصل البلاء. (ومن المعروف أن الدكتور فاضل الجلبي أعتبر قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958, وهو قانون برجوازي وطني وديمقراطي, بمثابة الطامة الكبرى وأصل البلاء في العراق أيضاً. وقد جاء ذلك في ندوة عقدت في فيينا كنت حاضراً فيها وخالفته الرأي ودخلت معه بحوار. وكانت جمهرة من السياسيين والاقتصاديين العراقيين مشاركة في هذا اللقاء, ومنهم الدكتور أحمد الجلبي, الدكتور فاروق برتو, الدكتور عباس النصراوي, نوري عبد الرزاق حسين, الدكتور سنان الشبيبي, الدكتور وليد خدوري, الدكتور مهدي الحافظ وأديب الجادر وآخرون).
– مدح سياسة صدام حسين في مجال النفط الخام, حيث اعتبرها فترة ازدهار العراق حتى العام 1980, ثم بدأ التدهور مع بدء الحرب العراقية الإيرانية وحرب الكويت …الخ. وأشار إلى أن معدل دخل الفرد الواحد في العام 1980 بلغ أكثر من 4000 دولاراً وانخفض في العام 2006 إلى مستوى الدول الفقيرة في العالم.”


كما كانت له مواقفه إزاء التأميم الذي نقل مورد النفط الخام من الشركات الاحتكارية إلى الدولة العراقية , رغم الممارسات الاستبدادية التي مارسها النظام الدكتاتوري لحزب البعث في التصرف بموارد النفط الخام. إلا أن التأميم كان مطلب الشعب كله وكل القوى السياسية الأساسية , ما عدا بعض خبراء النفط الذين كانوا على صلة وثيقة بشركات النفط حينذاك.
واليوم يقف الدكتور فاضل الجلبي , بخلاف الحركة الوطنية العراقية كلها , إلى جانب منح عقود المشاركة بالإنتاج في مجال النفط الخام للشركات الأجنبية دون التمييز بين طبيعة العقود التي يفترض أن تعقد مع الشركات الأجنبية وطبيعة الحقول التي يراد استخراج النفط منها: هل هي حقول مكتشفة ومنتجة أو جاهزة للإنتاج , أم أنها ارض غير مكتشفة يراد التنقيب عن النفط الخام فيها ثم البدء باستخراجه وتصديره , والتي تستوجب الكثير من رؤوس الأموال والخبرة الفنية …الخ. إذ جاء في رسالة موجهة إلى رئيس البرلمان العراقي جواباً عن استفسار له حول عقود المشاركة بالإنتاج فيقول فيها:
“1- طبيعة عقد المشاركة في الإنتاج:
هو عقد تجاري طويل الأمد بين مستثمر أجنبي والجهة الحكومية المختصة بالعراق للاستثمار في القطاع النفطي وتطويره من دون المساس بسيادة الحكومة على مواردها النفطية، والتي تضمن لها السيطرة على قرارات الاستثمار والتصدير وحقها في نقض القرارات التي تأخذها الشركة بهذا الشأن، وذلك عكس عقود امتيازات النفط التي تم تأميمها في السبعينيات من القرن الماضي. ويتوقف أمد العقد على اتفاق الطرفين. وبالنسبة للعقود، التي تم التفاوض بشأنها بين الحكومة السابقة والشركات الأجنبية الكبرى، فأن مدة العقد عشرين عاماً، يجوز تمديدها لمدة خمسة أعوام باتفاق الطرفين.
إن الميزة الهامة، التي تجنيها شركات النفط من هذه العقود هو ضمان احتجازها لفترة طويلة من النفط الخام، مما يساعدها على تثبيت مركزها المالي، وبالنسبة لها فأن ذلك أهم من الربح الذي يتم تحقيقه من البرميل الواحد، الذي تأخذه كحصة من الإنتاج. لقد أصبحت مسألة ضمان الوصول إلى احتياطي للشركات مهمة جداً في الآونة الأخيرة، بعد انحدارها بسبب احتجاز الجزء الأعظم من الاحتياطي العالمي من قبل شركات النفط الوطنية في الدخول الأعضاء في منظمة (الأوبك). غير أنه مثل هذا الاحتجاز للاحتياطي إذ ينفع الشركات ليس من شأنه الأضرار بمصالح العراق النفطية، مادام لا يمس قيمة البرميل المنتج بموجب الأسعار العالمية”.
ولكن كم هو مناف للحقيقة هذا الجواب من جانب الدكتور فاضل الجلبي يكشف عنه الخبير النفطي المتميز الأستاذ فؤاد قاسم الأمير في المقالة التي كتبها وأرفقها برسالة موجهة إلى رئيس المجلس النيابي حيث رد فيها بشكل مفحم على أراء الخبير النفطي الذي عبر ومثَّل عملياً في أطروحاته هذه ليس الطرف العراقي ومصالحه بل شركات النفط الاحتكارية ومصالحها بصورة غير مباشرة , شاء ذلك أم أبى , إذ جاء في رسالة الزميل الأمير ما يلي: “إن رسالة الدكتور فاضل الجلبي ليست نصيحة صادقة من خبير، بل أقرب ما تكون من مصيدة مسوّق لعقود المشاركة بالإنتاج، بغض النظر عن فائدة أم ضرر هذه العقود. يؤسفني أن عرضه لم يكن منصفا أو صادقا فيما طرحه من استنتاجات ونصائح، إذ أن كل خبراء العالم المحايدين يعرفون ضرر عقود المشاركة بالإنتاج خصوصا بالنسبة إلى الحقول المكتشفة. إن كل ما جاء بالرسالة ليس بصحيح ولا ذا فائدة للعراق، فهو من القلائل جدا من الذين يغردون خارج سرب الخبراء العراقيين”. [رسالة مفتوحة من الزميل الخبير النفطي فؤاد الأمير إلى رئيس مجلس النواب يفند فيها اقتراحات خطيرة لفاضل الجلبي حول قانون النفط.
ولكن السؤال الذي لا بد من طرحه على أنفسنا , لماذا يغرد هذا الخبير وحده خارج السرب ؟ وهل يعقل أنه لا يفهم المصيدة التي يراد دفع العراق إليها والخسائر الفادحة التي تترتب عنها على العراق ولصالح شركات النفط الاحتكارية؟ أترك الإجابة عن هذا السؤال لكل مواطنة ومواطن عراقي له معرفة أولية بقضايا النفط لكي يربط بين موقفه المناهض لفكرة التأميم التي طرحها الأستاذ كامل الجاردجي في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي ومن القانون رقم 80 لسنة 1961 وموقفه الراهن من عقود المشاركة بالإنتاج.
من اليسير أن نعرف بأن خبراء النفط في العالم ينصحون بأن من مصلحة العراق عدم عقد اتفاقيات مشاركة بالإنتاج بصدد الحقول المنتجة أو المكتشفة حتى لو كانت بحاجة إلى تطوير , ولكن يمكن عقد مثل هذه الاتفاقيات في ارض لم يكتشف النفط فيها حتى الآن , حيث الحاجة إلى رؤوس أموال كبيرة وخبرة فنية مثلاً , رغم أن التنقيب عن النفط الخام في العراق مضمون جداً , حيث تشير الدراسات المتوفرة عن العراق وبقية بلدان العالم إلى أن معدل العثور على النفط في العراق هو 7 من 10 تنقيبات , في حين أن المعدل العالمي هو 1 من 10 تنقيبات. وهنا يمكن رؤية الفارق الكبير جداً في التكاليف. ولو كان الجادرجي حياً بيننا اليوم لرفض ما يريده الجلبي وأيد ما تطالب به الحركة الوطنية العراقية , وهذا هو الفرق بين الاثنين وما يميز أحدهما عن الآخر.
لم يكن الدكتور الجلبي يقف على أرض صلبة بل هشة تماماً , رغم أن من حقه اتخاذ هذا الموقف , ولكن لم يتطابق , كما أرى , مع المصالح العراقية حين عارض الأستاذ الجادرجي ووصفه بالتطرف بسبب طرحه فكرة تأميم النفط الخام في البلاد. أرجو أن يعيد النظر بموقفه هذا , إذ أن آخر كتاباته تثير زوبعة في فنجان وتحاول البروز المتأخر سياسياً على حساب قامات متماسكة لشخصيات وطنية ناضلت في سبيل قضايا الشعب العادلة وضحت في سبيلها وتحملت الكثير مما لم يعشها ولم يذق مرارتها الجلبي أبداً. وهو اليوم يقف على نفس الأرضية , ولكنها أكثر هشاشة وأكثر تعارضاً مع كل خبراء النفط في العراق والعالم حين يطالب بالتوقيع على عقود المشاركة بالإنتاج في أرضٍ منتجة للنفط فعلاً أو في أرض اكتشف النفط فيها وتحتاج إلى تطوير. ولا يختلف الأمر من حيث المبدأ حتى لو وقع المسؤولون العراقيون تحت ضغوط معينة اتفاقيات من النوع الذي ينصح به الدكتور فاضل الجلبي , إذ سيكون الشعب ضده وضد من يوقع على مثل هذه الاتفاقيات التي هي في غير مصلحة العراق ويسعى إلى تغييرها.

31/6/2008 كاظم حبيب
انتهى المقال وتتبعه مقالات أخرى في الأسبوع القادم.