الرئيسية » مقالات » نقاشات فكرية وسياسية مع السيد الدكتور فاضل ألجلبي حول أحداث العراق التاريخية الحلقة الثالثة

نقاشات فكرية وسياسية مع السيد الدكتور فاضل ألجلبي حول أحداث العراق التاريخية الحلقة الثالثة

موقف الجلبي من حركة بكر صدقي ومن موقف الجادرجي منها

خريف العام 2008 ستحل الذكرى السنوية ألـ72 على انقلاب الفريق بكر صدقي العسكري , كما حلت قبل عدة أسابيع الذكرى السنوية ألـ67 على انقلاب العقداء الأربعة ورشيد عالي الگيلاني والشيخ محمد أمين الحسيني مفتي الدير الفلسطينية. وهما حركتان انقلابيتان نفذتهما وحدات عسكرية من الجيش العراقي بالتعاون مع قوى سياسية مدنية. واليوم ندين هذين الانقلابين لأنهما أسسا لعمليات ومحاولات انقلابية عسكرية لاحقة من جهة , وساهمتا بالسماح للقوات المسلحة العراقية بالتدخل المباشر في النشاط السياسي والتأثير على الحياة المدنية العراقية من جهة أخرى , رغم التمييز بين طبعتيهما والوجهة التي كانتا تسعيان إليهما والقوى المدنية التي كانت تقف خلف كل منهما. والإدانة الحالية سليمة من أجل أن نرفض المحاولات والعمليات الانقلابية في الوقت الحاضر وفي المستقبل أيضاً , ولكن لا يعفينا من إدانة السياسات التي مارسها نظام الحكم حينذاك والنخبة الحاكمة التي أدت إلى التفكير بعملية انقلابين وتنفيذها فعلاً.
إن صواب الإدانة لا يحرمنا من حق دراسة طبيعة هاتين الحركتين والعوامل التي أدت إليهما والاختلاف بين طبيعتهما , ثم نحاول أن نتبين من خلال ذلك موقف الأستاذ الجادرجي من الحركتين , إضافة إلى موقف الحزب الشيوعي العراقي منهما أيضاً.
انقلاب الفريق بكر صدقي العسكري

تشير معطيات الفترة التي سبقت وقوع الانقلاب إلى تنامي عجز القوى السياسية الحاكمة عن إيجاد معالجات جادة للأوضاع السياسية حينذاك وإلى تردي الحالة الاقتصادية , رغم انتهاء الأزمة العامة للرأسمالية منذ ثلاث سنوات وتأثيراتها على الواقع العراقي حينذاك , وزيادة موارد العراق المالية من إنتاج وتصدير النفط الخام وتنامي الحركات السياسية في كل من كُردستان وشمال العراق عموماً , وبشكل خاص الحركات الكردية والآشورية والإيزيدية , والحركات العشائرية في مناطق الوسط والجنوب , إضافة إلى المضابط والمذكرات الاحتجاجية التي رفعها رجال الدين وقوى المعارضة السياسية إلى الملك غازي والضربات العسكرية القاسية والعنف الدموي الاستبدادي الذي مارسته الحكومة العراقية إزاء تلك الحركات دون أن تبذل الجهود السياسية العقلانية لمعالجة الوضع سياسياً وديمقراطياً. وكان الجيش هو الأداة الفعلية لممارسة تلك السياسة إزاء الحركات الست التي حصلت في غضون عشرين شهراً وقوبلت بالحديد والنار . وكان الفريق بكر صدقي هو القائد العسكري الذي لعب دوراً بارزاً في قيادة تلك الوحدات العسكرية والتصدي الشرس لتلك الحركات وأوقع بأتباعها خسائر فادحة بتشجيع ومساندة وتحريض مستمر من جانب رشيد عالي الگيلاني الذي كان في أوقات حدوث بعضها رئيساً للوزراء وفي أوقات وقوع بعضها الأخر وزيراً للداخلية . كما لوحظ في هذه الفترة إلى بروز حالة من التمايز أكبر وأكثر من السابق , والتي لم تكن ملموسة قبل ذاك , بين النخبة الحاكمة وبين قوى المعارضة السياسية , أي حصول استقطاب كان يقود إلى مزيد من الخصام في ظل غياب الديمقراطية وتزييف الانتخابات وإرادة الناس.
وإزاء هذا الوضع السياسي والاقتصادي المعقد, إضافة إلى التدخل الفظ من جانب بريطانيا والسفارة البريطانية في الشؤون العراقية , قامت بعض فصائل الجيش العراقي بقيادة الفريق بكر صدقي , وكان طه الهاشمي في حينها نائباً للقائد العام وكان خارج العراق , وبدعم مباشر من قائد الفرقة الأولى الفريق عبد اللطيف نوري وقائد القوة الجوية محمد علي جواد , بحركة عسكرية انقلابية فرضت على الملك غازي أن يطلب من رئيس الوزراء ياسين الهاشمي تقديم استقالته وأن يعهد بتشكيل الوزارة الجديدة إلى حكمة سليمان , إذ كان الأخير عضواً قيادياً التحق حديثاً بجماعة الأهالي وأصبح صلة الوصل بالقيادة العسكرية , وبشكل خاص بالفريق بكر صدقي والفريق عبد اللطيف نوري. ويبدو أن التهديد بدخول بغداد من جانب وحدات في الجيش العراقي قد أثار غضب وزير الدفاع حينذاك , الفريق جعفر العسكري , فطلب من الملك غازي كتابة رسالة إلى بكر صدقي ليأخذها بنفسه إليه , باعتباره مسؤولاً عنه وزميلاً له ومن أبناء بلدة واحدة (عسكر) في كُردستان العراق. أرسل بكر صدقي مجموعة عسكرية لاستقبال وزير الدفاع وإيصاله إلى قائد الانقلاب. وفي الطريق إليه غدرت به هذه المجموعة وارتكبت جريمة قتله. وكل الدلائل تشير إلى أن قتله قد تم بأمر مباشر صادر عن قائد الانقلاب بكر صدقي العسكري. وقد أشاعت هذه الجريمة غير المعهودة الرعب في نفوس الكثيرين ممن كانوا على خلاف مع قادة الانقلاب. وكان هذا أول انقلاب عسكري يحدث في العراق وفي العالم العربي في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى وقيام الدول الوطنية الجديدة. ولهذا وقفت العديد من الصحف العربية في الأقطار العربية ضد هذا الانقلاب , باعتباره أدخل تقليداً وأسلوباً جديداً في العمل السياسي يمكن أن يجهض الاتجاهات البرلمانية والديمقراطية في البلاد ويتجاوز على الحياة الدستورية , رغم السياسات غير الديمقراطية التي كانت تمارسها حكومات تلك الفترة في العراق. وكانت على حق في ذلك , رغم أن بعضها لم يشجب سياسات الحكومة العراقية السابقة ولم يقف إلى جانب مطالب الشعب العادلة.
وشكلت الوزارة الجديدة على النحو الآتي:
حكمة سليمان رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية (جماعة الأهالي)
محمد جعفر أبو التمن وزيراً للمالية (جماعة الأهالي)
كامل الچادرچي وزيراً للاقتصاد والأشغال العامة (جماعة الأهالي)
يوسف عز الدين إبراهيم وزيراً للمعارف (جماعة الأهالي)
صالح جبر وزيراً للعدل
الدكتور ناجي الأصيل وزيراً للشؤون الخارجية
الفريق عبد اللطيف نوري وزيراً للدفاع
احتفظ الفريق بكر صدقي برئاسة أركان الجيش العراقي , وكان القائد الفعلي للحكومة وقراراتها واتجاهات نشاطها , رغم أنه لم يكن رئيسها. واضطر رئيس الوزراء المستقيل قسراً , ياسين الهاشمي , على مغادرة البلاد إلى منفاه في بيروت , حيث توفي فيها في نفس العام.
وجد الانقلاب التأييد ليس من جماعة الأهالي ,التي كانت مشاركة في العملية الانقلابية , حسب , بل إلى تأييد الحزب الشيوعي العراقي واليسار العراقي بشكل عام. ولم تفلح اعتراضات الأستاذ الراحل عبد الفتاح إبراهيم على مشاركة جماعة الأهالي في العملية الانقلابية بثني القيادة عن رأيها , مما دعاه إلى الابتعاد التدريجي عن الجماعة. وقد أورد الدكتور خالد التميمي نصاً من مذكرة قدمها عبد الفتاح إبراهيم إلى قيادة جماعة الأهالي معرباً عن رفضه لما وقع , حيث كتب يقول: “أنكم حطمتم حركتنا عندما مكنتم الجيش من حيازة السلطة , ولسوف تدفعون ثمن ذلك” . وانسجاماً مع هذا الموقف رفض تسلم أي حقيبة وزارية , بل كانت بداية الافتراق عن جماعة الأهالي. وأصدرت الجماعة الرافضة للانقلاب بياناً تدعو فيه “الأهلين” إلى القيام بمظاهرة كبرى لتحقيق مطالب الشعب التالية:
1. إزالة آثار الظلم الماضي.
2. تقوية الجيش تقوية عامة؟
3. العفو العام عن المسجونين السياسيين.
4. فتح النقابات والصحف التي أغلقتها الحكومات السابقة.
5. تخفيف ويلات الفقر , وإيجاد الأعمال للعاطلين , وتشجيع الصناعة المحلية.
6. توحيد الحركات الشعبية في الأقطار العربية لتأمين تقدم هذه البلاد.
7. التساوي في الحقوق بين العراقيين , والتمسك بوحدتهم , ونشر الثقافة والوقاية الصحية في جميع العراق” , وقد وقع البيان باسم “جمعية الإصلاح التقدمي الوطني”.
لقد حصل الانقلابيون على تأييد الشيوعيين والحركة النقابية , إضافة إلى أوساط واسعة من السكان , خاصة وأن الحكومة الجديدة بدأت باتخاذ جملة من الإجراءات التي ساعدت على تنشيط هذا التأييد , إذ أطلقت بحدود معينة الحريات الديمقراطية , كما قام جعفر أبو التمن بإلقاء بيان الوزارة الجديدة من الإذاعة في الخامس من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 1936 , معبراً فيه عن جملة من المطالب التي كانت تتبناها قوى المعارضة السياسية وتطالب بها الجماهير الشعبية. وقبل ذاك بيومين , أي في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر , نظمت مظاهرة حاشدة ببغداد تأييداً للحكومة وسياساتها الجديدة , كما حصلت تجمعات ومظاهرات تأييد في مناطق شعبية وفقيرة في بغداد وفي مدن عراقية أخرى.
شكل الانقلاب الأول من نوعه في الدول العربية حدثاً جديداً في الحياة السياسية العراقية اختلف في محتواه واتجاهاته عن ثورة العشرين التي كانت قد توجهت ضد المحتلين الأجانب وفي سبيل إقامة دولة عراقية مستقلة وذات سيادة , وعبرت في الوقت نفسه عن الخشية من الحداثة القادمة من الغرب إلى البلاد التي كانت تعيش في ظلمات العهد العثماني , وخاصة من جانب المؤسسات الدينية. وكان الانقلاب تجاوزاً فظاً على مضمون الدستور العراقي والقوانين السارية المفعول والقانون الخاص بالقوات المسلحة العراقية. وكانت الحجة في ذلك أن الوزارات السابقة هي التي تجاوزت على الدستور , وهي التي استخدمت الجيش لقمع الحركات السياسية , وهي التي فرضت على الشعب معاهدة 1930 وامتياز النفط الخام وغير ذلك , وبالتالي كان لا بد من وضع حدٍ لهذه التجاوزات. ولكن الانقلاب وقع على أيدي البعض من أولئك الذين كانوا أدوات فعلية في القوات المسلحة لضرب الحركات السياسية في العراق والذين حصلوا على ترقيات في السلم العسكري وعلى أوسمة حكومية تقديراً لهم على القسوة الشرسة التي استخدموها والحقد الأعمى الذي وجهوا به العمليات العسكرية للقضاء على تلك الحركات بحجة حماية وحدة العراق ونظامه السياسي.
حصل الانقلاب على وفق اتفاق بين غالبية قيادة جماعة الأهالي والمجموعة العسكرية التي نفذته , وهو الموقف الذي رفضه في حينها البعض القليل من جماعة الأهالي. وقد أيد الحزب الشيوعي العراق هذا الانقلاب أيضاً بسبب قناعة حصلت لديه بأن في مقدور هذا الانقلاب أن يوقف مطاردة الشيوعيين ويطلق الحريات الديمقراطية بسبب مشاركة وتأييد جماعة الأهالي له. والوثائق المتوفرة تشير إلى أن هذا التأييد قد اقترن بإصدار بيانات ومنشورات تؤكد المطالب التي يسعى الشيوعيون إلى تحقيقها ويدعون الحكومة للأخذ بها . وتجلى ذلك في البيان الذي وقعته مجموعة من الماركسيين والشيوعيين , إضافة إلى انعكاس ذلك في الشعارات التي سجلها المتظاهرون على لافتاتهم , والتي حملت ضمن ما حملت الموقف المناهض للفاشية والنازية , ومنها شعار “تسقط الفاشية المجرمة”. وقد أغضب هذا الشعار القائم بالأعمال الألماني حينذاك الدكتور فريتس گروبا , وأوصل احتجاجه إلى الفريق بكر صدقي وحكومة حكمة سليمان . ولا بد من الإشارة إلى أن موقف الحزب الشيوعي من هذا الانقلاب كان خاطئاً آیضاٌ.
ومما هو جدير بالإشارة إلى أن الخطاب الذي ألقاه محمد جعفر أبو التمن تجاوز الحديث عن معاهدة 1930 , كما لم يتطرق إلى العلاقة مع بريطانيا العظمى , بل جاء معبراً عن الرغبة في الإصلاح في مختلف المجالات وإدانة شديدة للحكومة السابقة , إضافة إلى تأكيده أهمية المساواة بين المواطنين وبعيداً عن التمييز أو التفرقة بين المواطنين , إذ قال “… , وليعلم كل فرد من أبناء البلاد وسكانها , بأن الحكومة ساهرة في سبيل المحافظة على أموالهم , ونفوسهم , وحرياتهم , واحترام معابدهم , ومشاعرهم الدينية , بدون التفريق بين الأديان والمذاهب , بعد قضائها على عهد الاضطهادات , وسلب الحريات والتجاوزات” . ولكن البيان الحكومي , الذي لم يتطرق إلى معاهدة 1930 , أكد بصدد العلاقة مع بريطانيا بما يلي: “(أ) تعزيز روح التآزر بين العراق وبريطانيا العظمى , والعمل المتواصل لتأمين أقصى الفوائد مالياً , واقتصادياً , وعسكرياً , من الحلف العراقي – البريطاني” . ولا شك في أن هذا الموقف الرسمي لم يكن يعبر عن حقيقة موقف هذه المجموعة المناهض للمعاهدة والهيمنة البريطانية على العراق , رغم التحول النسبي في واقع العراق بعد دخوله عصبة الأمم , أي أن السيطرة الاستعمارية أصبحت غير مباشرة , بل كان يستهدف عدم إثارة بريطانيا وتحييد بعض القوى العراقية المساندة لوجودها في العراق. ويتجلى هذا الموقف التساومي أيضاً في قضية الأرض الزراعية , إذ لم يتطرق البيان الحكومي لقضية الأرض الزراعية ولم يتحرش بالإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية. في حين تضمن خطاب محمد جعفر أبو التمن هذه المسألة وأكد ما يلي: “ولقد أعزمت الحكومة على إيجاد المال لغرض إعمار الأراضي بصورة عامة , وتوزيع الأراضي الأميرية غير المملوكة , وغير المفوضة بالطابو , وغير المزروعة منها على أبناء البلاد , كما تقتضيه المصلحة العامة , مع مراعاة العرف والعادة بصورة خاصة , …” . وهنا يتبين لنا أيضاً أن جماعة الأهالي التي شاركت في الحكم لم تكن تفكر باتخاذ موقف مناسب من قضية الأرض الزراعية أو من إعادة النظر بقوانين داوسن الخاصة بالأراضي الأميرية التي منحت باللزمة أو التي فوضت بالطابو أو التي ملكت لشيوخ العشائر وكبار ملاكي الأراضي الزراعية. ولقد وردت في منهاج الوزارة فقرة مهمة ولأول مرة حين طرحت مسألة إقامة قطاع اقتصادي حكومي , إلى جانب القطاع الخاص , في فروع الصناعة وتكرير النفط الخام , حيث ورد “… , والقيام بالصناعات النباتية من قبل الحكومة مباشرة على أساس تجاري , للاستفادة من أكثر المنتوجات الزراعية وتأسيس المشاريع الصناعية اللازمة لسد حاجات القطر في البضائع التي يمكن صنعها في العراق: كتعدين النفط بالقيام بمصفى النفط , والقيام بصورة عامة بالأعمال اللازمة لاستثمار مرافق البلاد , وزيادة الإنتاج” . ولكن جماعة الأهالي كانت في المقالات التي نشرتها على صفحات جريدة الأهالي قبل ذاك تقف بوضوح ضد الإقطاعية وضد قانون دعاوى العشائر وإلى جانب توزيع الأراضي على الفلاحين.
ولكن المهم في خطاب محمد جعفر أبو التمن والمنهاج الوزاري أنهما قد تضمنا فقرات تشير إلى رغبتهما المعلنة بإيلاء اهتمام خاص بقضايا الناس الفقراء والمعوزين وذوي الدخل المحدود من جهة , وإدانة الرشوة والغنى غير المشروع وفساد الأجهزة وعدم قيامها بواجباتها إزاء المجتمع من جهة أخرى , مما ساهم في حصول تأييد واسع من الشارع العراقي للحكومة , ودفع إلى تقديم “ثلاثة عشر مندوباً طلباً إلى رئاسة مجلس النواب بتاريخ 6 آذار سنة 1937م اقترحوا فيه أن تسن الحكومة قانوناً “تؤلف بموجبه لجنة تحقيق لتحصي الثروات الموجودة لدى الوزراء السابقين وموظفي الدولة , وتحقق عن مصادرها وكيفية الحصول عليها فإذا ما وجد أنها أو أي قسم منها حصل أو نما بطرق غير مشروعة لها علاقة بمناصبهم أو بعامل النفوذ الذي تمتع به أصحاب تلك الثروات من وراء تقلدهم منصباً أو وظيفة فتصادر تلك الثروات وتطبق عليهم أحكام القوانين المرعية” . ولكن لم يفسح النواب لهذا المشروع بالمرور , إذ أن هذه الفكرة العادلة , كما يشير السيد عبد الرزاق الحسني بحق , “كانت تمس معظم من تقلد المناصب الوزارية في العراق” .
يبدو لنا اليوم بأن المشاركة أو تأييد الانقلاب العسكري حينذاك لم يكن سليماً , إذ أرسى أجواء جديدة غير صحية في الساحة السياسية العراقية , بغض النظر عن طبيعة القائمين به. إذ أن ما ترتب عن ذلك الانقلاب في الحياة السياسية العراقية كان سلبياً ودفع باتجاهات أكثر عدوانية إزاء الحريات الديمقراطية وإزاء قوى المعارضة الديمقراطية , كما ساهم في خلق استقطابات جديدة في ما بين القوى السياسية العراقية. لقد كان تجاوزاً على الدستور , رغم التجاوزات التي سبقته من جانب النخبة الحاكمة والقوى الاستعمارية التي كانت تساندها في سياساتها ضد القوى الديمقراطية وتشويه مضامين الدستور أو التي ساعدتها في وضع تشريعات مناهضة للمجتمع المدني والحياة الديمقراطية.
لقد نشطت جماعة الأهالي على الصعيدين الرسمي والشعبي وقدمت طلباً للحصول على موافقة بتأسيس حزب جديد باسم “جمعية الإصلاح الشعبي , والذي أجيز فعلاً في شهر تشرين الثاني من عام 1936. ويبدو أن قوة وجود الحزب في الحكم والشخصيات التي كانت في قيادته شجعت بعض أعضاء الحكومة إلى الانتماء لهذا الحزب أيضاً , ومنهم الفريق عبد اللطيف نوري , وزير الدفاع , والدكتور ناجي الأصيل , وزير الشؤون الخارجية , إضافة إلى جعفر أبو التمن . ولكن هذا الوجود القوي في وزارة حكمة سليمان لم يكن منسجماً مع واقع تأثيرهم في السياسة الجارية فعلياً والتي تراجعت تدريجاً عن الأهداف التي طرحتها في البداية , رغم الإشاعات التي كانت تروج والقائلة بأن الغالبية العظمى منهم يرتبطون بالشيوعية أو أنهم يميلون إلى الكُرد , إذ كان بكر صدقي العسكري كرديا. وبدأت عملية التراجع في الجو الديمقراطي وسيادة أجواء الفردية والاستبداد في سلوك وممارسات بكر صدقي , الذي كان يحتل مكاناً أساسياً وحاسماً في السياسة اليومية. وساعد الاتجاه الاستبدادي الجديد لبكر صدقي الجماعات القومية التي عارضت الانقلاب , بسبب بعض المواقف التي أخذتها على البيان الوزاري , وبسبب التأييد الذي حظي به الانقلاب من جماعة الأهالي والشيوعيين واليساريين عموماً , على استخدام صحافتها , الاستقلال والمثنى , لترويج الاتجاهات والأفكار المناهضة لوزارة حكمة سليمان ولقائد الانقلاب بكر صدقي. وأصبحتا مركز جذب واستقطاب لكل القوى التي تضررت من انقلاب بكر صدقي , وتلك التي تعرضت لضرباته العسكرية حتى قبل الانقلاب , أي شيوخ بعض العشائر العراقية وجمهرة من كبار ملاكي الأراضي. يضاف إلى ذلك أن جماعة الضباط الشريفيين كانت تسعى بكل السبل وبالتعاون مع بريطانيا إلى إيجاد السبل للخلاص من هذه الوزارة , رغم أنها من الناحية العملية لم تحمل العداء الفعلي لبريطانيا , ولكنها بدأت بمغازلة ألمانيا الهتلرية عبر القنصل العام الألماني في بغداد حينذاك .
واستثمرت القوى المناهضة لحكومة الانقلاب مجموعة من الإجراءات التي مارستها الحكومة والتي كانت مخيبة جداً لآمال الشعب بها , لإضعافها وإنزال الضربة بها , ومنها:
– عدم البدء بتطبيق فعلي للمضامين الأساسية التي وردت في البيان الوزاري , والذي كما يبدو , كان يعبر عن طموحات جماعة الأهالي ومن ثم جمعية الإصلاح الشعبي , التي أصبحت فيما بعد “حزب الإصلاح الشعبي” وانتمى إليه جميع الوزراء في ما عدا رئيس الوزراء. ولكن البيان الوزاري لم يكن يعبر في حقيقة الأمر عن أهداف بكر صدقي أو حكمة سليمان عملياً.
– الانفراد بالسلطة من جانب رئيس أركان الجيش بعيداً عن إرادة الوزارة أو بعض الوزراء , وكثرة الأخطاء التي ارتكبها وكانت تحسب على مجلس الوزراء , رغم عدم علم البعض منهم أو كلهم بها , أوجد فجوة بين أعضاء الحكومة من جهة , ورئيس الانقلاب وصاحبه رئيس الحكومة من جهة أخرى .
– الأساليب غير الديمقراطية والقمعية وسياسة الانتقام التي مارسها الحكم إزاء قوى المعارضة , ومنها مثلاً إسقاط الجنسية عن عبد القادر إسماعيل بدعوى كونه من أصل هندي.
وقاد هذا الوضع إلى تقديم أربعة من أعضاء الحكومة استقالتهم , وهم : كامل الچادرچي ويوسف عز الدين إبراهيم ومحمد جعفر أبو التمن وصالح جبر. وثلاثة من الأربعة هم من جماعة الأهالي ومن الحزب الذي تشكل باسم حزب الإصلاح الشعبي. وقد بادرت الحكومة إلى نفي مجموعة من السياسيين من أعضاء الوزارة المستقيلين , كما ترك كامل الچادرچي العراق قاصداً قبرص باتجاه احتجاجي ضد سياسات الحكم وخشية من احتمال اعتقاله أو إلحاق الأذى الأكبر به .
لقد لعبت عوامل كثيرة أخرى في إضعاف قوى الانقلاب والحكم القائم وساعدت على إنزال الضربة القاتلة بالحكم حين تم اغتيال بكر صدقي ومحمد على جواد قائد القوة الجوية في الموصل. إذ بعد الاغتيال أصبح أمر سقوط الوزارة مطروحا على بساط البحث. وتم ذلك فعلا باستقالة وزارة حكمة سليمان وتكليف جميل المدفعي بتشكيل وزارته الجديدة , الذي دشن عهده بحل المجلس النيابي وانتخاب مجلس جديد وتنظيم هجوم واسع وشرس ضد القوى الديمقراطية , وضد الشيوعيين منهم بشكل خاص , وإحالة عدد كبير من الضباط المتعاونين مع بكر صدقي على التقاعد على أساس “إبعاد الجيش عن السياسة” .
كيف كان موقف الأستاذ الراحل الجادرجي من هذا الانقلاب؟
لقد كان الجادرجي عضواً في قيادة جماعة الأهالي , التي وافقت على تأييد الانقلاب بعد مفاتحة حكمة سليمان لها وإعلامها بوجود قرار من بكر صدقي العسكري وعبد اللطيف نوري بالقيام بانقلاب معد له سلفاً. تغلبوا على الشكوك التي راودتهم في احتمال بروز اتجاه استبدادي عسكري في ممارسة الحكم , إلا أن الوعد بأن الحكم سيكون بيد المدنيين , كما يبدو من تركيبة الحكومة , أقنعهم بالمشاركة فيه. شارك كامل الجارجي في الحكومة وساهم في أعمالها, ثم تيقن له مع وزراء آخرين من حزبه , بأن سياسة الحكومة لا تمثل نهج حزبه والطموحات التي حركته لتأييد الانقلاب , وبالتالي استقال من الحكومة وبدأ يمارس النشاط ضدها ولم يعد الحزب مسؤولاً عن تلك الوزارة التي انتهت بمقتل بكر صدقي العسكري. أشعر دون تحفظ بأن مواقف جماعة الأهالي والأستاذ كامل الجادرجي والحزب الشيوعي العراقي لم يكن حينذاك صحيحاً بتأييدهم للانقلاب العسكري , إذ كانت البداية لسلسلة من الانقلابات ومحاولات الانقلاب خلال الفترة الواقعة بين 1936-1958. ولكن علينا أن نتعامل مع هذا الموقف في أطار الأوضاع التي سادت المنطقة والعالم حينذاك وفي ظل الحركات السياسية والثورية التي كانت تؤيد العمليات الانقلابية والثورات للتخلص من النظم الرجعية الحاكمة وتلك التي كانت تصادر الحريات الديمقراطية وتغيب حقوق الإنسان وحريته. وبقدر ما كان موقف التأييد للانقلاب خاطئاً , كانت الاستقالة من الوزارة عملاً صائباً احتجاجاً على سياسات العنف التي مارستها وفي غير مصلحة الشعب وبعيداً عن البرنامج الذي طرحته جماعة الأهالي وحزب الإصلاح الشعبي من خلال بيانات وتصريحات محمد جعفر أبو التمن.
ويبدو لي ولمن يقرأ مقال فاضل الجلبي يقتنع بوجود غرض غير سليم وموقف أكثر من كونه غير ودي من الأستاذ كامل الجادرجي حين اتهمه وحده ودون غيره بمسؤولية تخريب الحياة السياسية في العراق وينسى أو يتناسى نظام الحكم والنخبة الحاكمة , كما ينسى مشاركة غالبية جماعة الأهالي في الانقلاب. أن المسؤول الحقيقي الأول والرئيسي عن تخريب الحياة السياسية وتشويه الدستور والديمقراطية وتزوير الحياة البرلمانية لم تكن جماعة الأهالي ولم يكن كامل الجادرجي , بل كانت النخبة الحاكمة , كانت السلطة السياسية ومن كان يقف خلفها ويساندها من الاستعمار البريطاني حينذاك , وهي التي أوجدت ظروف مناسبة للتفكير بالقيام بانقلاب عسكري ضدها , وهي التي دفعت ببكر صدقي العسكري إلى مركز القيادة العسكرية ومنحته رتبة فريق بسبب ضرباته العسكرية المشينة ضد الحركات السياسية للقوميات الأخرى وضد الحركات العشائرية في الوسط والجنوب.
ولكن حين نقيم عمل ما لا بد لنا أن نتعرف على دواعي ذلك العمل من جهة , وما قام به من أعمال حين تسلم مسؤولية معينة وما خلص إليه في المحصلة النهائية من جهة ثانية. لقد كان كامل الجاردجي من المؤمنين بالثورة استناداً إلى التزامه بالفكر الاشتراكي الديمقراطي , ولهذا اعتبر الانقلاب هو الطريق السليم في ظل تلك الظروف الذي سيفتح آفاقاً رحية لعملية تغيير واسعة وثورية في الدولة والمجتمع العراقي. وقد كتب عن قناعته بالفكر الاشتراكي الديمقراطي يقول: “… إن الاشتراكيين الديمقراطيين يعتبرون الثورة مشروعة لإزالة نظام حكم رجعي للمجيء بنظام تقدمي على شرط أن تكون الوسائل الديمقراطية متعذرة ..” [جريدة صوت الأهالي في 2 كانون الثاني 1946, استناداً لما ورد في كتاب الدكتور محمد الدليمي عن كامل الجادرجي. ”
وحين أصبح وزيراً للاقتصاد مارس سياسة اقتصادية وطنية وذات مضمون اجتماعي تقدمي تجلت في موقفه من اقتصاد النفط العراقي وضرورة جعل مديرية أمور النفط تحت إشراف وزارته وأهمية وضرورة تولي العراق مسؤولية عمليات التنقيب واستخراج وتصدير النفط الخام , وضرورة تغيير شروط امتياز النفط مع الشركات الأجنبية وتدريب الكوادر الفنية …الخ , ثم موقفه من قانون العمل لعام 1936 وضرورة الالتزام بنصوصه وأهمية العناية بالعمال وتحسين أحوالهم المعاشية ومنحهم أجورهم الاعتيادية خلال العطل الرسمية والتعويض عند الإصابة في أوقات العمل , كما بدأ بتنفيذ مشروع مد سكك حديد بين بيجي وتل كوتشك … الخ
ثم حين تبين له بأن الأمور تسير بالاتجاه الخاطئ والخطر لم يتوان عن تقديم استقالته والتحريض ضد حكومة حكمة سليمان والدعوة إلى انسحاب جماعة الأهالي من مجلس النواب … الخ.
إن النقد الذي يوجه لجماعة الأهالي والأستاذ كامل الجادرجي بسبب مشاركتهما وتأييدهما لانقلاب بكر صدقي أمر وارد ومقبول , كما أرى , بغض النظر عن قائل هذا النقد, إذ أن الممارسة أرست أساساً غير سليم لعمليات مماثلة لاحقاً. وأرى بان الأستاذ الجادرجي قد تعلم الكثير من هذا الموقف وحافظ عليه طوال الفترة اللاحقة إلى حين تشكيل جبهة الاتحاد الوطني التي ضمت جميع أطراف الحركة الوطنية العراقية والتي قررت بالإجماع خوض النضال لإسقاط الحكومة وتغيير الوضع القائم في العراق , واتفقت في ذلك مع تنظيم الضباط الأحرار في القوات المسلحة للتخلص من نظام الحكم الذي لم يحترم الإنسان ودستور البلاد ومصالح العراق. ولكن الجادرجي رفض المساومة والمشاركة في حكومة يبقى زمام الأمور بيد قائد الانتفاضة العسكرية , إذ أدرك بحسه الديمقراطي العواقب المحتملة من وراء ذلك. وسنتطرق إلى ثورة تموز في حلقة أخرى من هذه السلسلة من المقالات.

3/7/2008 كاظم حبيب
انتهت هذه الحلقة وستليها الحلقة الرابعة