الرئيسية » مقالات » نقاشات فكرية وسياسية مع السيد الدكتور فاضل ألجلبي حول أحداث العراق التاريخية وحول دور ومكانة الحلقة الثانية

نقاشات فكرية وسياسية مع السيد الدكتور فاضل ألجلبي حول أحداث العراق التاريخية وحول دور ومكانة الحلقة الثانية

الجلبي ومآخذه الفكرية على الجادرجي!

كتب الدكتور فاضل الجلبي في مقالاته المشار إليها في الحلقة الأولى انتقاداً لاذعاً موجهاً إلى فكر وممارسات الأستاذ كامل الجادرجي بسبب تبنيه مبادئ الفكر الاشتراكي الديمقراطي “المستورد والغريب عن تربة الوطن” والذي “لا يتناغم مع الواقع العراقي” , كما اعتبر بأن تبني الحزب الوطني الديمقراطي لهذا الفكر لم ينشأ عن قناعة القيادة بهذا النهج بل بسبب تسلط الجادرجي على قيادة الحزب وفرض فلسفة حزب العمال البريطاني على الحزب الوطني الديمقراطي في أعقاب الحرب العالمية الثانية, أي بعد عام 1946 حين بدأ الحوار حول برنامج الحزب وفلسفته واتجاه نشاطه. ونسى أو تناسى تبني الأستاذ الراحل محمد حديد لنفس الفكر والآراء وإلى حدود مقاربة أيضاً تبناها الأستاذ الراحل حسين جميل. ثم راح يؤكد لنا بأن وجهة نظر الجادرجي نحو الاشتراكية الديمقراطية كانت لا تعني عملياً سوى انفصامه عن الواقع الاجتماعي السياسي السائد في العراق .
وتتبادر إلى ذهن الإنسان وهو يقرأ النص التالي للدكتور فاضل الجلبي الكثير من الأسئلة , إذ يكتب الجلبي:
“وهناك قضية جديرة بالذكر وردت في مذكرات الجادرجي، أشارت إلى تسلط الرجل على الحزب، وعدم قبوله برأي الأكثرية، مثلما تقتضي القواعد الديموقراطية ، كما أشارت إلى انفصامه عن الواقع الاجتماعي السياسي في العراق ، عندما أخذ ينادي بشعارات غير قابلة للتطبيق في البلد ، وهي اقتراحه على اللجنة العليا للحزب تبني الديموقراطية الاشتراكية على طريقة حزب العمال البريطاني شعاراً للحزب. كانت الأكثرية ضد الاقتراح بسبب اختلاف الظروف الاجتماعية بين العراق وبريطانيا، ولذلك لا يمكن تبنيها كمنهاج قابل للتطبيق. وبدلاً من خضوع الجادرجي لرأي الغالبية، بحسب مفاهيم الديموقراطية ، قدم استقالته من اللجنة احتجاجاً ، واعتكف في داره ، ولم يرجع إلى الحزب إلا بعد وساطات كثيرة من شخصيات في الحزب ، وانتهى الأمر بفرض رأيه. لكن المعروف أن حزب العمال البريطاني ، الذي تبنى الديموقراطية الاشتراكية ، لم يكن إلا ثمرة لآراء مجموعة من المفكرين والمثقفين اليساريين في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، على رأسهم جورج برناردشو وبياتريس وموريس دوب وغيرهم. وكان هؤلاء يؤمنون بالماركسية نظرية ، ولكنهم يعتقدون بأنها غير قابلة للتطبيق في بريطانيا ، من خلال الثورة ، وإنما من خلال العمل الديموقراطي ، ومحاولة الوصول إلى الحكم من طريق الانتخابات ، واستعمال ضغوط العمال ، الذين كانوا يمثلون الطبقة الأكبر في المجتمع البريطاني” .
يثير هذا النص أسئلة كثيرة تستوجب المناقشة , منها مثلاً: هل فرض الجادرجي هذه المسالة الفكرية حقاً على الحزب أم كانت هناك اختلافات جزئية , أم أنها كانت بين محاولات يسارية وأخرى يمينية اعتبرها متطرفة وحاول الدفاع عن مواقع اليسار الوسط في الحزب وقيادته ؟ وهل كان هناك انفصام بين الفكر الذي حمله الجادرجي والواقع العراقي حينذاك؟ وهل عاش الجلبي الصراعات الفكرية والسياسية التي كانت تدور في أوساط جماعة الأهالي ومنهج “الشعبية” والكراس الذي أعده في حينها عبد الفتاح إبراهيم في الثلاثينات من القرن الماضي؟ وهل عاش الصراع الذي برز أيضاً قبل تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي في إطار نفس المجموعة وفي سنوات الحرب العالمية الثانية ومن ثم في فترة تأسيس الحزب في العام 1946 وما بعده , وخاصة حين برزت الأجنحة وتبلورت أفكارها في تيارات فكرية وسياسية ثلاثة خلال الأعوام اللاحقة؟
كلنا يعرف بأن فترة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي كانت خصبة في اتجاهاتها الفكرية وفي النقاشات التي كانت تدور بين مثقفي تلك الفترة وأعضاء جماعة الأهالي والشعبية ومن ثم في الحزب الوطني الديمقراطي وكذلك في الساحة السياسية العراقية وبين المثقفين الديمقراطيين. وإذا كانت الفترة الأولى قد نشّطت النقاشات والخلافات بين الأستاذ الراحل عبد الفتاح إبراهيم وعبد القادر إسماعيل من جهة , وبين الأستاذ الراحل كامل الجادرجي ومحمد حديد وحسين جميل وآخرين من مناضلي جماعة الأهالي والشعبية والكراس الذي صدر عنهم لتوضيح أهداف الشعبية , فأن الفترة اللاحقة برزت وجوه وشخصيات أخرى نشطت في الصراع الفكري داخل الحزب الوطني الديمقراطي وحوله. لا أدري إن كان الدكتور فاضل الجلبي قد عاصر هذه الفترة وتعرف أو اطلع على تلك الصراعات التي كانت تدور في الحزب الوطني الديمقراطي في النصف الثاني من الأربعينات بين القوى اليسارية في التيار الماركسي وبين قوى التيار الإصلاحي الديمقراطي في الحزب الوطني الديمقراطي والتي فرضت عليهم التزام وجهة معينة لضمان الحفاظ على التمايز بين أهداف وسياسات وأساليب عمل وخطاب الحزب الشيوعي من جهة , وأهداف وأساليب وأدوات عمل وخطاب يسار الوسط في الحزب الوطني الديمقراطي في حينها من جهة أخرى , وبين أهداف وأساليب عمل وخطاب القوى اليمينية في داخل الحزب الوطني الديمقراطي وحوله من جهة ثالثة , ليعبر الحزب عن فكر إصلاحي ديمقراطي تقدمي (يسار الوسط) , إذ كان الصراع في هذه الفترة شديداً ورياح اليسار الماركسي كانت جارفةً في سنوات الأربعينيات وفي أعقاب سقوط الدولة النازية الألمانية والدولة الفاشية الإيطالية والدولة العسكرية اليابانية لصالح انتصار الديمقراطية في العالم التي عبرت عن وجسدت تحالف بين العالم الرأسمالي والدولة الاشتراكية الوحيدة حينذاك , وأعني بها الاتحاد السوفييتي في مواجهة الفاشية على الصعيد العالمي , ثم تشكل المعسكر الاشتراكي؟
نحن أمام رؤية يتبناها فاضل الجلبي مفادها أن الجادرجي عمل على فرض الاشتراكية الديمقراطية على الحزب أولاً , وأن قائد الحزب الوطني الديمقراطي كان مصاباً بانفصام عن الواقع الاجتماع والسياسي العراقي ثانياً, فهل هذه الرؤية صحيحة؟
لم يكن الأستاذ كامل الجادرجي ماركسياً أو لينينياً , بل كان ديمقراطياً تبنى الفكر الاشتراكي الديمقراطي واعتمد المنهج المادي الجدلي في تحليل أوضاع العراق الملموسة ووضع برنامج حزبه للنضال في سبيل تغيير الواقع الاجتماعي والسياسي في العراق. وحين تبنى الفكر الاشتراكي الديمقراطي لم يطرح شعارات تطالب بالاشتراكية في العراق ولم يسبح في أحلام وردية , كما يريد أن يصورها لنا الدكتور فاضل الجلبي , بل كان يطالب ويناضل من أجل تحقيق أهداف تنسجم تمام الانسجام مع تلك المرحلة النضالية للشعب العراقي , وكانت مسائل الحرية والديمقراطية والإصلاح الديمقراطي للاقتصاد والمجتمع وإدارة الدولة وحل مشكلة الأرض وتوفير الخدمات العامة كالصحة والتعليم والنقل والمواصلات والعمل للعاطلين وحرية التنظيم والإضراب والتظاهر وحرية الكلمة والنشر, هي التي تقف في واجهة مطالب الشعب العاجلة التي تبناها الحزب الوطني الديمقراطي حينذاك والتي تنسجم تمام الانسجام مع الدستور العراقي الذي اقر وصودق عليه في العام 1925. وهي أهداف عامة وسليمة لتلك المرحلة ولم تبتعد بأي حال عن الواقع العراقي حينذاك. إلا أن النخبة الحاكمة كانت تجد فيها ابتعاداً عن الواقع لأنها كانت نخبة فاسدة وغير راغبة في الإصلاح واعتبرت ما يطرحه الحزب الوطني الديمقراطي بقيادة كامل الجادرجي خروجاً عن المألوف. والغريب أن الدكتور فاضل الجلبي لم ينتقد السياسي العراقي الراحل صالح جبر على تبنيه الاشتراكية في تسمية حزبه بـ”حزب الأمة الاشتراكي” في حين وجه الإساءة تلو الإساءة في مقالته المشار إليها في أعلاه للأستاذ الراحل الجادرجي لأنه تبنى شعار الاشتراكية الديمقراطية!
لم تعن الاشتراكية في مفهوم الجادرجي مضمونها الذي يرد في الفكر الشيوعي أو الفكر الماركسي – اللينيني , بل كانت تعني عنده العدالة الاجتماعية في خطوطها العامة وفي إطار الممكن والمتاح في أوضاع العراق الملموسة حينذاك حين كان الفقر مدقعاً والبؤس طاغياً والبطالة واسعة والفجوة بين الغنى والفقر آخذة بالتنامي مع ضعف كبير في حجم ومكانة ودور الطبقة الوسطى , بالرغم من توفر إمكانيات مالية غير قليلة وثروة نفطية قابلة للاستخدام وزيادة الإيرادات. ومن هنا كان الجادرجي يقف إلى جانب تولي الحكومة العراقية عمليات التنقيب عن النفط واستخراجه وتصديره أو تكريره واستخدامه في التنمية , كما كانت له مواقفه في حل مشكلة الأرض ومعالجة الإقطاعيات الكبيرة لصالح الفلاحين وفقراء الريف. فمن يقرأ برنامج الحزب الوطني الديمقراطي من جهة , وبرنامج حزب العمال البريطاني حينذاك من جهة أخرى , ومن يقرأ مذكراته , سيجد الفرق شاسعاً بين الأهداف التي عبر عنها حزب العمال البريطاني الذي تبنى الاشتراكية الديمقراطية وبين أهداف الحزب الوطني الديمقراطي كما ترد في برنامجه وتستند إلى الفكر الاشتراكي الديمقراطي. والسبب في هذا التباين بسيط جداً هو اختلاف ظروف البلدين والتباين في مستوى تطور القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج والتطور التقني والعلمي والسلوك اليومي, وباختصار كبير , البون الشاسع بين الوعي الاجتماعي والسياسي والمستوى الحضاري للشعبين والبلدين حينذاك. الجلبي يرى الفارق بين البلدين , ولكنه لا يريد أن يرى الفارق بين الأهداف , بل يرى تبني المبادئ العامة للاشتراكية الديمقراطية فقط , ويرى ذلك خطأ. وفي هذا يكمن الفارق بين فكر الجادرجي النير والإنساني , وبين الفكر الذي يحمله الدكتور الجلبي.
ولهذا لا يمكن الادعاء بأن كامل الجادرجي كان يريد تطبيق برنامج حزب العمال البريطاني في العراق , بل كان يريد الاستفادة من فلسفة حزب العمال البريطاني في إرساء الأسس القويمة للحزب الوطني الديمقراطي وتعبئة الناس من أوساط شعبية مختلفة حول الحزب , وبشكل خاص الفئات الوسطى والمثقفين والطلبة وأوساط من البرجوازية الصغيرة وموظفي الدولة والعمال. ومن هنا لا يمكن وصم كامل الجادرجي بأنه عاش انفصاماً مع الواقع الاجتماعي – السياسي السائد في العراق , بل أرى أنه عاش اندماجاً في واقع الشعب وتفاعلاً مع مطالبه الأساسية حينذاك وفي الوجهة التي يفترض سير الحزب عليها. ورغم الاختلاف بين الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي من حيث الفلسفة والمنهج العملي , فأن الحزبين طرحا في ما يخص المسألة الوطنية والقضايا الداخلية شعارات وطنية متقاربة في جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية , مع اختلاف واضح في أساليب وأدوات العمل , ومع اختلاف أكثر بروزاً في الموقف الدولي ومن العلاقة مع الاتحاد السوفييتي والحزب الشيوعي السوفييتي. ولا يمكن لأي سياسي منصف أن يقول عن فترة فهد بأن شعارات فهد الخاصة بالقضايا الوطنية العراقية الداخلية والملموسة كانت تعيش حالة انفصام مع الواقع لأن فهد تبنى الفكر الشيوعي أو الماركسية – اللينينية. وكلا الحزبين لم يطالبا بالقضاء عل الملكية , بل كانا يسعيان إلى تغيير الوضع من داخل النظام الملكي القائم , إذ كانت النداءات تتوجه للبلاط الملكي بشكل مباشر. ويمكن أن يقال نفس القول بالنسبة لشعارات الحزب الوطني الديمقراطي الخاص بالعراق والعالم العربي والعالم. والرسائل التي كان الأستاذ الجادرجي أو قيادة الحزب الوطني الديمقراطي التي كانت تقدم إلى البلاط (الوصي عبد الإله , وفيما بعد الملك فيصل) تطالب باتخاذ البلاط إجراءات لمعالجة اختلالات في الوضع القائم قبل أن يستفحل ويقود على وثبات وانتفاضات أو ثورات. ويبدو لي بأن الوضع مع البلاط كان أشبه بمضمون المقولة الشعبية “المتحدث هندي والسامع أهل الجريبات” أو “صم بكم عمي فهم لا يفقهون” , إذ لم يكن البلاط يأخذ بنظر الاعتبار والاهتمام ما تطرحه المعارضة , مما كان يقود , ثم قاد فعلاً إلى العديد من الوثبات والانتفاضات ثم الثورة التي أطاحت بالحكم والدولة الملكية.
لقد برز الخلاف في اللجنة الإدارية المركزية للحزب الوطني الديمقراطي حول تحديد فلسفة الحزب ونهجه وكانت النقاشات التي جرت في عشر جلسات متتالية تدور حول هذا الموضوع. وكان هناك اختلاف واضح بين ثلاثة تيارات: اليسار واليمين ويسار الوسط. وإذ كان اليسار الماركسي في الحزب الوطني الديمقراطي يريد ابعد مما ذهب إليه كامل الجادرجي , الذي مثل في أهدافه وشعاراته وسياساته يسار الوسط ومعه محمد حديد وحسين جميل وغيرهما , كان التيار اليميني يريد دفع الحزب الوطني الديمقراطي سياسياً واجتماعياً باتجاه الابتعاد عن الفلسفة والمنهج اللذين طرحهما كامل الجادرجي. وحين مرت عشر جلسات لم يتوصل المؤتمر إلى رؤية مشتركة , والتقى اليسار واليمين في رفض ما طرحه الأستاذ الراحل الجادرجي بالأكثرية , قرر تقديم استقالته من الحزب. علماً بأن الاتجاه اليساري كان مرفوضاً من الأكثرية وكذلك الاتجاه اليميني. وهنا بدت الصورة واضحة بأن النقاشات لن تقود إلى نتيجة تخدم مصلحة الحزب الوطني الديمقراطي. والسؤال الطبيعي هو: لماذا قرر الجادرجي تقديم استقالته؟ يبدو لي أن القرار تضمن ثلاثة احتمالات أو كلها مجتمعة , وهي:
1. ممارسة الضغط على قيادة الحزب لكي تتوصل بعد خوض عشر جلسات مرهقة من النقاشات إلى قرار واضح يضمن للحزب فلسفته ونهجه الديمقراطي التقدمي.
2. إبداء عدم الارتياح من التيارين اليساري واليميني في قيادة الحزب لكونهما شكلا ضغطاً كبيراً على قيادة الحزب باتجاه الأخذ برأييهما , مما وجد فيه الجادرجي مصادرة لليسار الوسط في الحزب واقتراب غير مسؤول من الحزب الشيوعي العراقي والماركسية اللينينية من جهة , أو اقتراب غير مسؤول من النخبة الحاكمة التي لا يطمئن إليها الشعب ولا يثق بسياساتها ووعودها ولا يريد الاقتراب منها من جهة ثانية. ورغم التباين بين اليسار واليمين في قيادة الحزب الوطني الديمقراطي , إلا أنهما اتفقا على خذل مقترحات كامل الجادرجي ومن يؤيده , ومنهم محمد حديد وحسين جميل على سبيل المثال لا الحصر.
3. وكان من حق الجادرجي أن يمارس حقه في الاستقالة , سواء أكان جاداً بها أم لممارسة الضغط على القيادة. ولا يمكن لأحد أن يسحب منه هذا الحق و يطعن به لممارسته له أو يعتبر ممارسة هذا الحق استبداداً وتسلطاً , كما عبر عن ذلك بشكل مجحف الدكتور الجلبي.
جاء في كتاب “مذكرات كامل الجادرجي وتاريخ الحزب الوطني الديمقراطي” بهذا الصدد ما يلي:
“من الممكن أن يقال أن الحزب تكون على أساس الاشتراكية الديمقراطية بل من الممكن أن يقال أن (جماعة الأهالي) الأولى تكونت على أساس من الاشتراكية , ولكن تحديد تلك الاشتراكية في أية حال من تلك الحالات من الصعوبة بمكان. ولو عاد المرء إلى مفهوم الاشتراكية في مبادئ (شعبية) لوجده يضطرب كثيراً بين الماركسية والمادية والنظريات الديمقراطية وحتى المثالية أيضاً في بعض الأحيان. ومما لا شك فيه أن الأمر تغير كثيراً عام 1946 عندما تكون الحزب الوطني الديمقراطي , فقد كانت هذه الحالة تتميز :
1. بتحديد فلسفة الشيوعيين ومن ثم بشكل عكسي بتحديد الخلافات المبدئية بين التقدميين الآخرين والشيوعيين.
2. استطاعت صوت الأهالي أن تشق لها طريقاً فكرياً متميزاً عن الطريق الفكري الشيوعي يعتمد على الديمقراطية كأساس , وعلى الاشتراكية بقدر ما تعطي من حلول اقتصادية واجتماعية لمشاكل العراق.
3. وأخيراً تتميز بوجود أفكار اشتراكية وديمقراطية محددة لدى رئيس الحزب كامل الجادرجي كانت واضحة في كتاباته , وكان يختلف في أفكاره عن بقية أعضاء قيادة الحزب , فكانت هناك اتجاهات أكثر يمينية مما كان يؤمن به , وكانت هناك اتجاهات أكثر يسارية بقدر ما تقترب من الشيوعية- مما يؤمن به. وعلى كل حال كان الجادرجي قريباً من كل من محمد حديد وحسين جميل بالدرجة الأولى , ثم من زكي عبد الوهاب وطلعت الشيباني بالدرجة الثانية , من الناحية الفكرية” .
لقد كان الجادرجي يسعى بكل السبل المتاحة والمشروعة إلى تمييز نفسه وحزبه عن الحزب الشيوعي العراقي وعن الماركسيين اليساريين في حزبه ومنهم الشهيد الراحل الأستاذ كامل قزانجي , على سبيل المثال لا الحصر , وهي مسألة مشروعة من حيث المبدأ , كما كان يريد أن يميز نفسه وحزبه عن اليمين في الحزب وعلاقة ذلك اليمين بالسلطة السياسية وبقوى قومية يمينية أيضاً , وهي مسألة مشروعة أيضاً. وقد تبنى الاشتراكية الديمقراطية عن قناعة فكرية وسياسية ولم يكن يسعى إلى تطبيقها في العراق , كما هي في بريطانيا ومن جانب حزب العمال البريطاني , بل كان يدرك بعمق البون الشاسع بين البلدين. ومن خلال معلوماتي , وقد أشرنا إلى ذلك في كتاب “فهد والحركة الوطنية في العراق” , أعرف بأن الحزب الشيوعي العراق كان يسعى للتأثير على سياسة ومواقف الحزب الوطني الديمقراطي من خلال المجموعة الماركسية فيه بأمل دفعه باتجاه سياسة الحزب والتحالف معه والتأثير على قاعدته. وأي عضو في الحزب الشيوعي كان يعرف هذا التوجه الذي تجلى في حضور شيوعيين إلى اجتماعات الحزب الوطني الديمقراطي للتأثير على قاعدة الحزب حينذاك , سواء أكان برفع الشعارات أم عبر الهتافات. وكان الجادرجي بحسه السياسي يدرك ذلك ويعمل على تجنبه , لكي لا يبدو متطابقاً مع الحزب الشيوعي في ما يسعى إليه أو يقع تحت تأثيره , إذ لكل حزب فلسفته ومنهجه وبرنامجه وقاعدته الاجتماعية والسياسية.
من جانبي أرى بجلاء بان الأستاذ الجادرجي كان يدرك بوضوح الفجوة الحضارية ومستوى التطور في كل من العراق وبريطانيا لصالح الأخيرة , ولكنه كان يريد أن يأخذ من الاشتراكية الديمقراطية طابعها الفلسفي والإنساني والاجتماعي والعلماني وبعض الجوانب الاقتصادية التي تتناغم مع الوضع في العراق. فالمبادئ شيء وسبل ممارستها وأشكال تطبيقها في ظروف مختلفة شيء آخر تماماً إذ أن ذلك يخضع لقوانين التطور الاجتماعية والقوانين الاقتصادية الموضوعية وليس لإرادة الفرد أو رغباته. إلا أن الدكتور فاضل الجلبي لا يريد أن يرى ذلك ولا يرغب في سماعه أو لا يدركه في أحسن الاحتمالات , ولكن عليه ومن واجبه أن يسمعه ويفكر به!
كم كان حرياً بالجلبي أن يعود إلى برنامج الأهالي وكراس الشعبية وإلى برنامج الحزب الوطني الديمقراطي ليدرسها بعناية ويتحرى عن التمايز في ما بينها , ويطلع على الموقف بكل جوانبه لا أن يأخذ مقطعاً من هذا الكتاب ونقداً من كتاب آخر ليكون له رأياً مبتسراً وملتبساً حتى على صاحبه , أي على الجلبي ذاته. كم كان حرياً به وهو يريد تقديم تجربة ودروساً للأجيال القادمة بالديمقراطية أن يبدو أكثر ديمقراطية وأكثر حصافة وأكثر حيادية بالبحث وأعمق تدقيقاً في التجربة التي يتحدث عنها ولم يعشها شخصياً. لست معنياً في مدى كراهية الجلبي للفكر الاشتراكي أو للعدالة الاجتماعية , فهذه قضيته الشخصية ولا أحد يعاتبه أو يلومه عليه , ولكن عليه أيضاً حين يبحث في التاريخ أن تكون الاستقامة والموضوعية والحِرَفية في البحث والتدقيق رائده , وليس السعي وراء النقد لأغراض النقد لا غير أو بهدف الإساءة رغم محاولاته الخائبة في التغطية على ما يريد الوصول إليه من خلال الإشارة إلى جوانب إيجابية معينة في الجادرجي حين كتب يقول:
” كان الجادرجي أيام ذلك الحكم زعيماً للمعارضة السياسية له ولعب دوراً كبيراً في تأجيج الرأي العام ضده وكان له مركز مرموق بين الطبقة المتوسطة في العراق باعتباره يمثل تياراً وسطاً بين الشيوعيين والمحافظين مما أكسبه شعبية كبيرة. أتذكر مشهداً مؤثراً عام 1954 يشير إلي مدي شعبية الجادرجي آنذاك عندما سمحت الحكومة بإجراء انتخابات حرة تمت في حزيران في بغداد ومناطق أخري من العراق دخلت فيها الأحزاب المعارضة في جبهة واحدة. كان ذلك المشهد في الانتخابات التي تم ترشيح الجادرجي فيها عن منطقة بغداد الثالثة ضمن الحملة الانتخابية التي جرت في سوق الصفافير وكان ذلك مساءً حيث كانت الإضاءة بالمصابيح المحمولة وما قامت الجماهير المحتشدة من هتافات مؤثرة حين دخل الجادرجي محاطاً بجماعة يفسحوا له الطريق من كثرة الناس المتواجدين والحماس الكبير في تأييده”. [راجع: فاضل الجلبي. “دور خلافي للجادرجي في ثورة تموز العراقية” جريدة الزمان اللندنية. 8/6/2008]. إن لا يقدم هنا شيئاً جديداً بل يطرح أمراً واقعاً , ولكن الجديد هو في استخدام هذا الغطاء لشن الهجوم بشراسة غير معهودة.
لم يكن هذا المديح إلا لذر الرماد في العيون لكي تسمح له هذه الفقرة مهاجمة الجادرجي بأبشع التهم والكلمات والإساءات الشخصية التي لا تمت إلى البحث بصلة مباشرة أو غير مباشرة ولا تصمد أمام الواقع العملي حينذاك والتي سنأتي إلى مناقشتها في قادم الحلقات.
كانت فترة الثلاثينيات من القرن الماضي مسرحاً لأربعة اتجاهات فكرية وسياسية مهيمنة على الساحة السياسية العراقية , وهي:
الفكر الماركسي- اللينيني ممثلاً بالحزب الشيوعي العراقي وفيما بعد ببعض الكتل والقوى السياسية وخاصة في الأربعينيات مثل حزب الشعب للأستاذ الراحل عزيز شريف مثلاً ؛ الفكر القومي النازي ممثلاً ببعض الجماعات التي تجلت في حزب الشعب والعقداء الأربعة والگيلاني وفيما بعد حزب الاستقلال باتجاه فكري قومي يميني بشكل عام ؛ الفكر الإصلاحي للديمقراطية الاشتراكية ممثلاً بجماعة الأهالي والشعبية وقبل ذاك الحزب الوطني لمحمد جعفر أبو التمن , ومن ثم الحزب الوطني الديمقراطي في الأربعينيات : وأخيراً الفكر الرجعي التقليدي ممثلاً بالنخبة الحاكمة حينذاك وبعض القوى الدينية متمثلة بالإخوان المسلمين محمد محمود الصواف وحزب التحرير الإسلامي ممثلاً بالراحل الشهيد عبد العزيز البدري, وفيما بعد بالحزبين المعروفين الاتحاد الدستوري لرئيسه نوري السعيد وحزب الأمة الاشتراكي لرئيسه صالح جبر (أوائل الخمسينيات , ولكن كانت لهما كتلتان قبل ذاك أيضاً). وكان جو المثقفين العام والطلبة وأوساط من الفئة الوسطى وأوساط أخرى من البرجوازية الصغيرة قد توزعت على هذه التيارات. وحافظت الأوساط العمالية المشاركة في النشاط السياسي بعيداً عن التيار القومي النازي بشكل عام , ولكنها كانت قريبة جداً من الحزب الشيوعي العراقي والذي وجد تعبيره في الحركة النقابية العراقية وفي الحركة الطلابية على سبيل المثال لا الحصر. ولعب التياران الماركسي والإصلاحي الديمقراطي دوراً أساسياً في تعبئة الناس ضد النازية والفاشية من جهة , ومن أجل الديمقراطية والإصلاح الاجتماعي من جهة أخرى. وقد ساهم جماعة الأهالي والشعبية والأستاذ كامل الجادرجي بدور مهم وواسع , إلى جانب الحزب الشيوعي في فضح النازية والكشف عن أهدافها وجوهرها العنصري والعنفي.
وحين نقوم بدراسة الوضع في هذه الفترة الغنية بالأحداث, علينا أن لا نسقط أوضاع تلك الفترة التي كانت تتحمل وجود تلك التيارات , ولكن بشكل خاص التيارين الماركسي والإصلاحي , على هذه الفترة الراهنة التي تشهد ردة فكرية وسياسية وثقافية عميقة وشاملة لأسباب كثيرة , وخاصة بسبب السيطرة الطويلة الأمد للنخبة الفاشية الصدامية على السلطة وممارستها كل الموبقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والحروب الداخلية والخارجية والعنصرية والطائفية السياسية المقيتتين في البلاد. العراق يعيش ردة فكرية عميقة ستأخذ فترة طويلة قبل أن يشفى الشعب منها ويتعافى بالاتجاهات الفكرية والسياسية الديمقراطية ورفض العنصرية والطائفية السياسية.
من المعروف عن الأستاذ الجادرجي أنه كان مرهف الحس وشديد الحساسية وسريع التأثر, كما كان يمارس الاعتكاف حين لا يعجبه أمر ما من حزبه أو من قيادة الحزب , كما كان يقرر مع قيادة الحزب توقف الحزب عن النشاط السياسي أو يوقف صدور الجريدة حين كان يجد إصراراً من الحكم على مطاردة المناضلين وتعريضهم للاضطهاد , بأمل وهدف عدم تعريضهم لعواقب غير إنسانية. وكانت هذه الحالة موقع نقد من جانب القوى السياسية الأخرى أو بعض الشخصيات السياسية. وكان الحزب الشيوعي يمارس النقد إزاء الحزب الوطني الديمقراطي والأستاذ الجادرجي بشأن هذه القضية الأخيرة أيضاً , حيث تكررت في بعض المناسبات. وهو أمر لا بد من توجيه النقد له من وجهة نظري , ولكني أبقى احترم وجهة نظر الأستاذ الجادرجي , إذ كانت له مبرراته حين كان يعمد إلى الاعتكاف أو إيقاف نشاط الحزب باعتباره عملاً احتجاجياً سلبياً , بدلاً من أن يخوض الصراع الإيجابي. إن احترامي لموقفه وموقف الحزب الذي يقوده نابع من قناعتي بحق أي إنسان أن يقدم استقالته من أي حزب كان حين يلاحظ بأن الحزب لا يأخذ بالمبادئ التي ناضل أو يناضل من أجلها , خاصة إذا كان رئيساً للحزب وفي بلد مثل العراق وفي إطار العلاقات المعروفة في البلاد أولاً , وحقه في الاعتكاف أيضاً ليجنب نفسه وحزبه بعض المطبات والمشكلات المحتملة التي يمكن تجاوزها ثانياًُ, كما أن من حق الحزب أن يوقف نشاطه متى شاء والعودة إليه متى شاء , فهو أمر يخص الحزب ذاته وليس غيره. وكان على الآخرين أن يقبلوا الاستقالة أو يرفضوها مثلاً , بالارتباط مع مواقفهم الفكرية والسياسية , ولكنهم طلبوا منه العودة واتفقوا معه , واستقال غيره من الحزب ومارس الآخر حقه أيضاً. من الممكن أن يكون الاعتكاف أو (الزعل) أحد أساليب ممارسة الضغط , ولكن هذه العادة موجودة لدى أغلب السياسيين العراقيين إن لم نقل كلهم , واليوم تمارس أيضاً من جانب السياسيين العراقيين , رغم أنها عادة غير محمودة.
إن ما كتبه الدكتور فاضل الجلبي بعيد كل البعد عن المعالجة الفكرية الهادئة والرصينة لفكر الجادرجي وممارساته السياسية , فهي إدانات لا غير. والرجل يتشبث بالمظاهر من الأمور ولا يغوص في عمق الإشكاليات التي كان يعيشها الشعب العراقي وكانت المعارضة تعاني منها والتي كانت تتطلب منها اتخاذ مواقف عملية لصالح المجتمع والعدالة الاجتماعية ولصالح التخلص من الثلاثي الرهيب : الفقر والجهل والمرض , حيث كانت هي السمات السائدة التي ميزت العراق في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي , بل حتى السنوات التي سبقت ثورة تموز 1958 وما بعدها أيضاً.

3/7/2008
كاظم حبيب