الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل – مشاهدات عيانيه عن الحقبه الصدامي ه – القسم السادس

حرب وسجن ورحيل – مشاهدات عيانيه عن الحقبه الصدامي ه – القسم السادس

لقد ضاعت الفرق العشر التي زجها النظام العراقي في الأراضي الأيرانيه الشاسعه المترامية الأطراف وبدأ الضعف والملل يدب في أوساط الجيش العراقي وخاصة مع انتهاء فصل الشتاء وظهور الحر الشديد في هذه الأراضي القاحله وكان احتلال تلك الأرض والأمساك بها أمر في غاية الصعوبه على الجيش العراقي وخاصة عندما يجبر على الحرب وهو في غير أرضه ولم يجرؤ احد من القاده العسكريين الجهر بالحقيقه المره خوفا من البطش وبعد مرور عدة أشهر على الحرب بدأ النظام يبعث وفودا من وعاظه ممن يسمون برجال الدين الى الدول العربيه والأسلاميه التي وقفت مع النظام العراقي في حربه عدا سوريا وكانت هذه الوفود تجعل الآيه الكريمه بسم الله الرحمن الرحيم ( وأن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فأن بغت أحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ ألى أمر الله .) الأيه 9 من سورة الحجرات منطلقا لها وكانت المخابرات العامه التي يرأسها برزان التكريتي هي التي تنظم تلك الزيارات وقد لعب شخص اسمه ( عبد الغفار العباسي ) دورا في ذلك وكان أحد الوعاظ البارزين ويلقي محاضراته الدينيه من محطة الشباب التي كان يملكها عدي ابن الطاغيه يتهجم فيها على أيران وقيادة الخميني ويصفهم بأنهم أعداء للعرب والمسلمين .

تجمعنا في الموعد الذي حدد لنا للأنطلاق من ذلك المكان ألى جبهات القتال وحضرت الشاحنات العسكريه وحشرنا كل خمسين شخصا في شاحنه مع يطغاتنا وكان عدد الشاحنات حوالي 25 شاحنه مع سيارات القياديين والمسؤلين التي انطلقت أمام القافله وكانت بالعشرات .

توجهت الشاحنات نحو مدينة بدره ثم خرجت منها متجهة نحو المخافر الحدوديه وكلما كنا نمر بمخفر يختارون حوالي 200 شخص للبقاء والتجحفل فيه واستمرت هذه العمليه حوالي ال10 ساعات أو أكثر بقليل وتوقفت ثلاث شاحنات كنت أنا في أحداها أمام أحدى الزرائب المهجوره وطلب منا النزول والبقاء في هذا المكان بدأنا ننزل حاملين يطغاتنا ونحن في أشد حالات التعب وقد أعطونا بعض الطعام البسيط مع صمونه كانت في أحدى الشاحنات وعرفنا أحد البعثيين الكبار بقائدنا الجديد واسمه ( كاظم غفله ) وطلب منا أطاعته أطاعه تامه وأن ننفذ كل مايطلبه منا دون أي نقاش أذ لانقاش أثناء الحرب كما قال . لقد قاربت الساعه الثامنه ليلا والسكون التام يخيم على المنطقه وعندما دخلنا تلك الزريبه الطويله المبنيه من الطوف وفيها عدة فتحات صغيره من الجانبين كانت رائحة الروث الحيواني تزكم الأنوف وقد اضطر البعض للمبيت فيها نتيجة التعب والأرهاق الشديدين وكنت أحدهم ونام البعض في العراء لعدم سعة المكان أولا وعدم تحملهم شم تلك الروائح الكريهه ثانيا حيث فضلوا البرد القارس في الليل وكان الظلام شديدا ولو هجم الأيرانيون علينا في تلك الساعه لقضوا علينا جميعا أو أخذونا أسرى .

أمر كاظم غفله البعض بحراسة المكان حتى الصباح ومع شروق الشمس حضرت عدة شاحنات عسكريه لنقلنا ألى مكان آخر وكنا نربو على المئتين تقريبا أنتقلنا ألى مخفر حدودي يبعد حوالي 5 كيلو متر عن مكاننا وكان المخفر الحدودي يحتوي على عدة غرف متهالكة الجدران والسقوف أسمه مخفر ( طارق ) ووزعنا كاظم غفله على الغرف وذهب بالباقين ألى مواقع تحت الأرض قريبة منا وكان كاظم غفله يهددنا طول الوقت ويقول لامكان للجبناء والمتخاذلين هنا نحن يجب أن نكون عند حسن ظن قيادتنا بنا ولا رحمة في الحرب ولابد أن نبيض وجوهنا أمام قائد مسيرتنا وعزنا صدام حسين وأنجاز المهمه بشرف وعلى أكمل وجه .ومن مهازل القدر أن يعدم هذا الشخص على يد قائده الهصور صدام حسين وسأذكر الحادثه التي كانت سببا لأعدامه في الحلقات المقبله .

بعد مرور يومين على هذه الحال حضر ألى المنطقه ضابط برتبة ( عميد ) ومعه بعض الضباط الأقل رتبه وأمر الجميع بالتجمع وطلب من كل شخص داخل المخفر أن يذهب ألى المواقع الأرضيه المحفوره والمعده للجيش وسيقوم بزيارات مفاجئه ألى المنطقه وأذا رأى شخصا في المخفر فلا يلوم ألا نفسه هكذا قال ومضى .

دب الرعب في أوصال كاظم غفله وأخذ يتشدد علينا أكثر وأمرنا بالخروج فورا من المخفر وأن يختار كل عشرة أشخاص موقعا تحت الأرض .

كانت المواقع أشبه بالخنادق المستطيله وبعمق مترين تحت الأرض وفيها الكثير من الأوساخ وبقايا المعلبات التي هجرها الجنود وهي مسقفه بأبواب حديديه وعليها أطنان من التراب وفتحة الموقع لاتسع الا لدخول شخص واحد وقد لاحظنا على بعض الأبواب الحديديه كلمات مثل ياالله يامحمد ياعلي ياحسين وعرفنا انها من المدن الأيرانيه التي هوجمت .ذهبنا ألى أحد المواقع وقمنا بتنظيفه وأدخلنا يطغاتنا فيها وفرشناها داخل الموقع وكنا عشرة أشخاص . وكان بيننا بعض المندسين الذين يوصلون كل شاردة ووارده ألى كاظم غفله .

لقد اخترت فوهة الموقع لأنام فيه وكنت آخر الداخلين أليه وأول الخارجين منه لنني كنت أتحسس من دخان السكاير الذي كان يحول داخل الموقع ألى كتله من الدخان ولم تسعفه الفتحات الصغيره على جانبي الموقع للخروج وما أن كان يحل منتصف الليل حتى يبدأ التراب ينهال على رأسي وقد تبين فيما بعد أن الجرذان حفرت موقعا فوق رأي وأبت الا أن تشارك في قادسية صدام المجيده ! وكنت أغطي رأسي وأتلقى التراب كل ليله وفي الصباح أقوم بتنظيف المكان وبقيت عدة أسابيع على هذه الحال ألى أن انتقلت ألى موضع آخر بشق الأنفس .

لقد كانت الأرض التي عسكرنا فيها أرضا جرداء يميل لونها ألى لون الغبار مترامية الأطراف تتخللها الوديان التي لاأثر للحياة فيها وعلى بعد عدة كيلو مترات من الغرب ترقد بعض الخيام لبدو عراقيين وقد حضر البعض منهم وأخبرونا بأن الدوله حولتهم ألى شرطة حدود ومن ثم تم دمجهم في الجيش وهم الآن في أجازه وقد تعرفت ألى أحدهم ويبلغ حوالي الثلاثين من العمر واسمه ( كحواش ) وبعد أن اطمئن ألي وعرف أنني لم احضر ألى هذا المكان بأرادتي أخذ يحدثني عن فضائع أرتكبها الجيش العراقي في هذه المناطق عندما تم الهجوم على أيران يوم 22 أيلول حيث تم اتساح بلدة ( مهران ) الأيرانيه الحدوديه وصدرت الأوامر بأطلاق النار على كل شيئ يتحرك ولم نجد أحدا يوجهنا حيث هرب الجميع من المدينه بمختلف وسائل النقل حتى الحيوانيه منها وبقي بعض كبار السن والعاجزين الذين لم يستطيعوا الهرب وصدرت الأوامر من الضباط العراقيين بقتلهم جميعا في بيوتهم وكانوا حوالي 30 شخصا حتى الحيوانات لم تسلم من القتل وتم دفن البشر والحيوانات في جرافات الجيش التي كانت مرافقه للهجوم وذكر لي أن صديقه كان جنديا معه فقد قاذفته أثناء عبور أحد الأنهار فأمر الضابط المسؤول برميه في الحال بتمة ( الجبن والتخاذل ) وتم الأستيلاء على كل بضائع وأغنام المدينه وتم نقلها داخل الحدود العراقيه ثم أحرقت المدينه ودمرت تماما وأصبحت أثرا بعد عين .وقال لي لقد تم القبض هنا على أحد الطيارين بعد أسقاط طائرته وعندما رأيته وهو يرفع يديه مستسلما ويصيح دخيل الحسين تأثرت عليه كثيرا وتم أعدامه أمامي وأمام الجنود من قبل آمر اللواء لقد قلت له كان بأمكانهم أن يستفيدوا من المعلومات التي يدلي بها الطيار قبل قتله وأقسم لي بأنهم قتلوه فورا حال سقوط طائرته .ثم قال لي أتمنى أن أجد منفذا من هنا لأهرب ألى السعوديه قلت له ماذا تعمل في السعوديه فأجاب بأن له أقاربا هناك يعرفهم ويعرفونه ومستعدون لأن يحصلوا له على الجنسيه السعوديه وهنا لايملك الجنسيه العراقيه ولم أكن أتصور أن الكثير من البدو في العراق لايحملون الجنسيه العراقيه لأنهم لم يراجعوا دائرة النفوس في يوم ما لتسجيل أنفسهم في السجلات وقد وعدتهم الحكومه العراقيه بالجنسيه بعد دخولهم الجيش .ولكن الحكومه لم تف بوعودها حتى الآن .

أصبح كحواش صديقا لي فكان يسأل على كلما حصل على أجازه ولكنه أختفى بعد ثلاثة أشهر من تعرفي عليه حيث انقطعت أخباره تماما ولم أعرف ماذا حصل له هل هرب من العراق أو قتل الله أعلم .

كانت الأكواخ الطينيه منتشره في المنطقه والبعض منها مملوء حتى السقف بالألغام وهي دون حراسه او حمايه وكميات كبيره من الشرك الخاص بالحواجز مرمي هنا وهناك وقد تردد أن كاظم غفله سرق قسما منها لأستعماله في مزرعه كانت له .

مرت الأيام هنا ثقيله كثقل الجبال حيث كنا نسمع صوت المدفعيه من بعيد ونرى بعض وميض الصواريخ التي كانت تطلق فتشق الدجى بوميضها الشديد الباض مختلطة بنباح الكلاب التي تخترق السكون وقد بدأت سيول الأمطار تجلب الألغام المزروعه في المنطقه فتأتي فرق هندسيه من الجيش وترفعها .

ولابد أن أذكر هنا حادثة مأساويه حدثت في هذه المنطقه حيث كانت أحدى الفصائل الهندسيه المختصه بالألغام تقوم بالتدريبات على أنواع الألغام التي كانت تصل ألى المنطقه بأعداد هائله منها المصريه والبرازيليه والفرنسيه والبريطانيه وغيرها الكثير الكثير وكانت تتكدس في أكواخ مهجوره لاتتوفر فيها أدنى درجات الصيانه .

كان مجموعه من الجنود عددهم 25 جنديا يتجمعمون كل صباح بالقرب منا ويجلسون على شكل دائره ويجلس أحد ضباط الصف في وسط الدائره ويعلم الجنود كيفية زرع الألغام وفي أحد الصباحات حيث الهدوء يخيم على المنطقه وكنا جالسين على الربايا المنتشره وفجأة دوى انفجار هائل وتصورنا أن أحدى الطائرات الأيرانيه قد قصفت هدفا وبعد مرور دقيقتين من الدوى توجهنا الى مكان الدوي الذي كان يبعد عنا حولي 300 متر ا وأذا بنا نرى مشهدا مروعا حيث تناثرت جثث الجنود المتدربين على اللغم وتحولت بعض الأجاد ألى أشلاء ممزقه ودب الهلع والخوف في المنطقه وكانت رائحة اللحم البشري رهيبه وطوقت المنطقه من قبل الجيش وبعد فتره جاء أحد الضباط الكبار وأمر بجمع الأشلاء ووضعها في أكياس بيضاء أعدت لهذا الغرض وتم نقل الناجين وهم خمسه من مجموع خمس وعشرين وتمت تسوية الأرض ومحو آثار الدماء ثم طلب هذا الضابط وجماعته الآخرين بالتفرق فورا والذهاب الى المواقع . لقد انفجر اللغم على مدرب أولئك المساكين لعدم ألمامه التام حيث كان الضابط المختص غائبا . وذهبت حياة أولئك الأبرياء نتيجة خطأ أرتكبه ضابط الصف .

ظلت رائحة الموت منتشره في المنطقه بعد مرور عدة أيام على تلك الحادثه المأساويه وازداد نشاط السيارات العسكريه في المنطقه ضباط يأتون ويذهبون فعرفنا أن لجانا تحقيقيه قد شكلت لمعرفة أسباب الحادث وطوقت مناطق الألغام بالحواجز ومنع أي شخص الأقتراب منها وبدأت علائم الأضطراب والخوف تظهر على وجه كاظم غفله وازدادت ساعات الحراسه علنا في الليل .