الرئيسية » مقالات » حرب الخليج الثالثة والكارثة التي حلت بالعراق الحلقة / 25

حرب الخليج الثالثة والكارثة التي حلت بالعراق الحلقة / 25

أولاً : تفجير مرقد العسكري في سامراء واندلاع الحرب الأهلية
في ظل تلك الأجواء الرهيبة التي كانت تسود البلاد، وفي ظل الشحن الذي كانت تمارسه قيادات الأحزاب الدينية الشيعية والسنية، في ظل السعي المحموم لعناصر القاعدة وحلفائها الصداميين، جاءت جريمة التفجير النكراء والخطيرة التي طالت مرقدي الإمامين على الهادي وحسن العسكري في سامراء، والتي جرى تنفيذها من قبل عناصر لا تؤمن بدين ولا بأية قِيمٍ إنسانية، عناصر باعت نفسها بثمن بخس لمن دفعها للقيام بهذه الجريمة الشنعاء لتحقيق أهداف أكثر خطورة وأفضع.
أنهم استهدفوا بفعلتهم الجبانة تلك إشعال نيران الحرب الأهلية الطائفية
باسم الدين والعقيدة، ليحرقوا العراق وشعبه، حرب من أشد الحروب فضاعة، بعد أن استمرَّ المسؤولون في تجاهل الأخطار المحدقة بالبلاد، وفسحوا المجال واسعاً أمام العناصر الجاهلة التي يغلب على سلوكها التعصب الطائفي الأعمى لصب الزيت على النار، هذه النار التي كما يدرك كل العقلاء أنها تبدأ دائماً بشرارة، وها قد بدأت، ولكنها وبسبب الأجواء العراقية المحتقنة والخطيرة، والصراع السياسي المكشوف على السلطة فإن نيرانها قد انتشرت كما تنتشر النار في الهشيم، ودفع الشعب ثمناً باهظاً من أرواح أبنائه ومن ممتلكاته مما لا أحد يستطيع تقديره.
إن الوضع الذي تفجر على أثر ذلك العمل الإجرامي الخطير كان يتطلب من كل الحريصين على مستقبل العراق وشعبه أن يعملوا وبأسرع ما يمكن على إطفاء نيران الحرب الطائفية قبل انتشارها، وأن يكف الجميع عن الحديث الطائفي سنياً كان أم شيعياً.
لقد كان من المؤلم أن نسمع خطابات المتطرفين من رجال الدين، ونطالع في صفحات الانترنيت، وفي مختلف القنوات الفضائية، والصحافة دعوات مجنونة في التحريض، وصب الزيت على نار الفتنة، ليحرقوا العراق بأهله، ربما بعضهم تصرف بغير وعي منهم، لكن تصرف الأغلبية كان بوعي وتصميم من أجل تحقيق أهداف ومكاسب سياسية في الصراع المكشوف على السلطة، وهم يستهدفون تحريك الجماهير البسيطة غير الواعية وغير المنضبطة، ودفعها إلى أتون الحرب الطائفية من أجل الإمساك بالسلطة حتى لو دُمر العراق، وقضى مئات الألوف على مذبح هذه السلطة الملعونة.
ولا شك أن كل من سعى إلى دفع الجماهير بهذا الاتجاه الخطير يتحملون كامل المسؤولية عن النتائج التي نجمت عن هذا السلوك.
لقد كان على السلطة القائمة آنذاك التوجه بأقصى السرعة لمعالجة الوضع الخطير الناشئ عن الجريمة النكراء والمفجعة، وبقدر كبير من التعقل والحكمة، وتهدئة الجماهير الهائجة أو المهيجة، والعمل بكل جد وشفافية لتشكيل لجنة تحقيقية نزيهة محايدة تتولى البحث والتحقيق عن الأيدي المجرمة والجبانة التي اقترفت هذه الجريمة، والتعمق في التحقيق للوصول إلى من يقف وراءها، ومن له مصلحة حقيقية في تدبيرها، وإنزال العقاب الصارم بالفاعلين وأسيادهم عبر الحدود، لا أن تترك منتسبي أحزابها الطائفية الجهلة تصب الزيت على الوقود وإشعال نيران الحرب الطائفية.
بدأت الأخطار المحدقة بالشعب العراقي تتصاعد يوماً بعد يوم جراء تلك الأحداث الأليمة التي جرت على أثر الجريمة النكراء حيث أقدمت زمر طائفية غوغائية مشحونة وغير منضبطة بمهاجمة الجوامع السنية وتخريبها، وقتل العديد من رجال الدين والمصلين المتواجدين فيها، بل لقد تمادت هذه الزمر في غيها بمهاجمة وقتل المواطنين الآمنين من الطائفة السنية مما أدى على استشهاد ما يزيد على 400 مواطن حسب تقدير السلطات الرسمية، وما يتجاوز ال1000 حسب تقديرات الجهات الأخرى، وأخذت تلك الأرقام تتصاعد يوماً بعد يوم حتى جاوزت عشرات الألوف من المواطنين الأبرياء..
ولقد كانت التصريحات التي صدرت من بعض قادة الأحزاب الطائفية وبعض رجال الدين التابعين لهم بمثابة صب الزيت على النيران الطائفية التي أشعلها هؤلاء الغوغائيين الذين وجهوا اتهاماتهم حول جريمة تفجير المرقد في سامراء لأبناء الطائفة السنية دون وجه حق، مما أوقع تلك الخسائر البشرية والمادية الجسيمة في صفوف المواطنين، وعلى الرغم من اتخاذ السلطة قراراً بمنع التجول في بغداد والمحافظات المجاورة ذات الأغلبية السنية لمدة ثلاثة أيام، فقد انتشرت نيران الحرب الأهلية الطائفية على أوسع نطاق. وعلى الرغم مما سببته تلك الجرائم التي أزهقت أرواح ألوف المواطنين فلم نسمع أن الحكومة التي تُعتبر مسؤولة مسؤولية مباشرة عن حفظ أرواح وممتلكات المواطنين قد اتخذت الإجراءات القانونية ضد العناصر التي قامت بهذه الجرائم، وضد محرضيها، لردع كل من تسول له نفسه تكرار ما حدث خلال الأيام التي تلت التفجير الإجرامي لمرقد الإمامين في سامراء .
فما أن رفعت حالة منع التجول بعد 3 أيام، حتى بادرت المليشيات المسلحة تواصل القيام بأعمالها الإجرامية ضد المواطنين الآمنين، مما خلق حالة من الهلع والرعب في البلاد واضطرار الكثير من المواطنين ملازمة بيوتهم التي لم تسلم هي الأخرى من هجمات واغتيالات واعتداءات هؤلاء المخربين القتلة الذين يبتغون إشعال الحرب الأهلية الطائفية ، وكل ذلك جرى تحت سمع وبصر قوات الاحتلال الأمريكي.
لقد كانت مهمة معالجة ذلك الوضع المأساوي الخطير الذي كان يعيش في ظله الشعب العراقي يتطلب بكل تأكيد تعاون الجميع، فليس بمقدور أي قوى سياسية لوحدها مهما كانت صفتها، وسعة جماهيرها وإمكانياتها أن تحقق الأمن والسلام في البلاد، وتأخذ بيد الشعب نحو شاطئ السلام، وكان لا بد من تكاتف كل الجهود الخيرة والحريصة على إعادة الأمن والسلام للعراقيين، والانصراف نحو إعادة بناء هذا الوطن المخرب.
لكن الذي جرى كان أقسى وأمر، فقد جرت عمليات تهجير وهجرة قسرية من قبل طرفي الصراع ، وكانت تلك الحملة المجنونة أقسى على جانب الطائفة السنية التي تعرضت لهجمة وحشية، واجبر المواطنون على ترك بيوتهم بما حوت وخرجوا بملابسهم هرباً من عمليات الذبح والتصفية الجسدية التي مورست ضدهم بوحشية، وقدر عدد المهاجرين والمهجرين بحوالي أربعة ملايين مواطن نصفهم جرى تهجيرهم في مناطق أخرى داخل الوطن والكثير منهم ما زالوا حتى اليوم يعيشون في الخيام في حالة بائسة جداً لا تتوفر فيها ابسط الشروط اللائقة بإنسان، في الوقت الذي التجأ أكثر من مليوني مواطن إلى سوريا والأردن ومصر، واستطاع عشرات الألوف ممن يمتلكون المال الوصول إلى بلدان اللجوء الأوربية ، لكي يبدأوا حياتهم من جديد بعد أن فقدوا مساكنهم وأموالهم.
ثانيا:اختيار مجلس الرئاسة، وتشكيل حكومة نوري المالكي
لم تكد تجري الانتخابات البرلمانية وتظهر نتائجها بفوز قائمة الائتلاف الشيعية بالتحاف مع القائمة الكردية بالأغلبية حتى بدأ الصراع بين حزبي الدعوة بزعامة الجعفري والمجلس الأعلى بزعامة الحكيم على منصب رئاسة الوزارة حيث رشح الحكيم السيد عادل عبد المهدي لرئاسة الوزارة، في حين بقي الجعفري يتشبث بالمنصب، مما ادخل البلاد في أزمة سياسية استمرت أكثر من ثلاثة اشهر، في حين كانت البلاد في وضع كارثي خطير بسبب الإرهاب الواسع النظاق الذي عم سائر المدن العراقية، حيث يجري تفجير السيارات المفخخة والعبوات المزروعة على جوانب الطرق والشوارع والأحزمة الناسفة لتحصد كل يوم أرواح العشرات بل والمئات من أبناء الشعب، وقوات الشرطة والحرس الوطني، وتدمر الممتلكات العامة والخاصة على نطاق واسع.
وفي ظل استمرار ذلك الوضع المأساوي الحرج، وتصاعد الإرهاب كماً ونوعاً، استمرت أزمة تشكيل الوزارة العراقية منذ انتخاب مجلس النواب قبل ثلاثة اشهر، دون أن يظهر أي ضوء في آخر النفق المظلم، فقادة العراق الميامين ممن أفرزتهم حرب أمريكا لتحرير العراق، ونشر الديمقراطية الموعودة!!، منشغلون في الصراع على السلطة والكراسي، ولكل منهم أجندته الخاصة، والتي لا تمت بصلة مع أجندة العراق الوطنية، والشعب يكتوي بنير الإرهاب الطائفي المقيت.
وفي نهاية المطاف وبعد الضغوط التي مارستها الإدارة الأمريكية من جهة، والقيادة الكردية من جهة أخرى أدرك السيد إبراهيم الجعفري أنه بات غير مرغوب به لا أمريكياً ولا كردياً ولا من قبل المجلس الأعلى اضطر إلى الانسحاب من الترشيح مرغماً، وفاز السيد نوري المالكي بمنصب رئاسة الوزارة بتأييد كتلة التيار الصدري في البرلمان، وهكذا تم الاتفاق بين سائر الكتل الممثلة في البرلمان، وبإشراف مباشر من السفير الأمريكي خليل زادة على اختيار رئيس وأعضاء مجلس الرئاسة
والحكومة وعلى الوجه التالي:(7)
السيد جلال الطالباني ـ رئيساً للجمهورية [ كردي]
السيد عادل عبد المهدي ـ عضو مجلس الرئاسة [ شيعي]
السيد طارق الهاشمي ـ عضو مجلس الرئاسة [ سني]
وهكذا تم اختيار مجلس الرئاسة على نفس أسس المحاصصة الطائفية والعرقية، والتي اصبحت فيما بعد عامل تعطيل في إدارة شؤون الدولة بدلاً من أن تكون عامل توحيد لجهود القوى السياسية التي أمسكت بزمام السلطة.
أما الحكومة فجاءت على الوجه التالي:
1 ـالسيد نوري المالكي ـ رئيساً للوزراء
2 ـ برهم صالح نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا لشؤون الأمن الوطني.
3 ـ سلام الزوبعي نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للدفاع ( وكالة ).
4 ـ نوري المالكي وزيرا الداخلية ( وكالة).
5 ـ حسين الشهرستاني وزيرا لنفط
6 ـ باقر جبر صولاغ وزيرا للمالية
7 ـ هوشيار زيباري وزيرا للخارجية
8 ـ هاشم الشبلي وزيرا للعدل
9 ـ على بابان وزيرا للتخطيط
10 ـ كريم وحيد وزيرا للكهرباء
11 ـ على الشمري وزيرا للصحة
12 ـ خضير الخزاعي وزيرا للتربية
13 ـ عبد ذياب العجيلي وزيرا للتعليم العالي والبحث العلمي
14 ـعبد الفلاح السوداني وزيرا للتجارة
15 ـ فوزي الحريري وزيرا للصناعة
16 ـ كريم مهدي صالح وزيرا للنقل
17 ـ محمد توفيق وزيرا للاتصالات
18 ـ بيان دزة ئي وزيرة للإسكان والإعمار
19 ـ رياض بليغ وزيرا للبلديات
20 ـ يعرب ناظم وزيرا للزراعة
21ـ لطيف رشيد وزيرا للموارد المائية
22 ـ محمد ال راضي وزيرا للعمل والشؤون الاجتماعية
23 ـ رائد فاهم وزيرا للعلوم والتكنولوجيا
24 ـ نرمين عثمان وزيرة للبيئة
25 ـ جاسم محمد جعفر وزيرا للشباب والرياضة
26 ـ اسعد عبد الله الهاشمي وزيرا للثقافة
27 ـ وجدان ميخائيل وزيرا لحقوق الإنسان
28 ـ عبد الصمد سلطان وزيرا للمهجرين والمهاجرين
29 ـ لواء سميسم وزيرا الدولة للسياحة والآثار
ا30 ـ عادل الأسدي وزير الدولة لشؤون المجتمع المدني
31 ـ رافع جياد العيساوي وزير الدولة للشؤون الخارجية
32 ـ صفاء الصافي وزير الدولة لشؤون مجلس النواب 33 ـ سعد طه الهاشمي وزير الدولة لشؤون المحافظات
34 ـ فاتن عبد الرحمن محمود وزيرة الدولة لشؤون المرأة
35 ـ أكرم الحكيم وزيرا للدولة.
36 ـ محمد عباس الربيعي وزيرا للدولة.
37 ـ حسن راضي الساريـ وزير للدولة.
38 ـ فهيمة باسم وزير للدولة.
ثم جرى فيما بعد وبعد مداولات ومناورات طويلة، وبعد ممارسة السفير الأمريكي مختلف الضغوط على الأطراف السياسية، ورئيس الحكومة، والبرلمان، تم التوافق على اختيار وزيري الدفاع والداخلية، حيث جرى تعيين السيد جواد البولاني وزيراً للداخلية، والسيد عبد العزيز جاسم العبيدي وزيراً للدفاع.
ثالثا: انتقال الصراع من الشارع إلى الحكومة والبرلمان
جاء تشكيل مجلس الرئاسة وحكومة نوري المالكي لضم قادة القوى التي تقود الصراع المسلح في الشارع العراقي بعد الجهود التي بذلتها الإدارة الأمريكية مع قادة الطرفيين الشيعة والسنة، بعد وعود بإجراء مصالحة وطنية من خلال المشاركة الفعلية في السلطة، ومن خلال تعديل مواد الدستور المختلف عليها، وخاصة فيما يخص المادة 58 من قانون إدارة الدولة في المرحلة الانتقالية والمادة 140 المتعلقة بمحافظة كركوك، وموضوع تشكيل الفيدرالية، ومن خلال إعادة النظر في قانون اجتثاث البعث الذي أعطى نتائج عكسية لما كان ينتظر منه مشرعه بول بريمر، ومن بعده قادة الأحزاب الشيعية، والأحزاب القومية الكردية، من دون التفكير بنتائجه الكارثية التي حولت جانبا كبيرا من العناصر البعثية إلى حمل السلاح، وما ترتب عليه من خراب ودمار، وإزهاق أرواح مئات الألوف من المواطنين الأبرياء، واستنزاف مداخيل البلاد في هذه الحرب الكارثية التي عمت العراق من أقصاه إلى أقصاه.
لقد كان ذلك الأجراء الذي تم في إشراك قادة الأحزاب السنية في قمة السلطة والبرلمان محكوم عليه بالفشل بسبب كونه إجراءا فوقيا لم يتناول المشكلة الأساسية المتعلقة بالقاعدة، من خلال اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمعالجة مشكلة البطالة المستفحلة التي تمثل الحاضنة الواسعة والمفرخة لقوى الإرهاب، ومن خلال تأمين وصول الخدمات الأساسية والضرورية للمواطن العراقي، وتأمين مورد يوفر للعائلة العراقية حياة كريمة خيالية من العوز والحاجة، ومن خلال أجراء مصالحة حقيقية قائمة على نفس الأسس التي جرت عليها في جنوب أفريقيا بعد إسقاط حكومة الأقلية البيضاء التي نكلت أشنع تنكيل بالسكان السود أصحاب الوطن الحقيقيين، فقد كان هذا الطريق هو السبيل الوحيد لتجنب الصراع المسلح ونتائجه الكارثية على الجميع، وبذلك استطاعت حكومة القائد الوطني الكبير نلسن مانديلا، وحكمته تجاوز تلك المظالم التي سببها حكم البيض، وكان هو شخصياً في مقدمة المواطنين الذين عانوا اشد المعانات حيث قضى في السجن الانفرادي 28 عاماً، وتلقى خلالها صنوف التعذيب النفسي والجسدي.
لم يستمر الصراع في الشارع العراقي فحسب، بل انتقل إلى الحكومة وقاعة البرلمان التي باتت ساحة للصراع، وزاد في الطين بله طبيعة اختيار أعضاء البرلمان التي جرت بموجب توزيع المحاصصة الطائفية حسب القانون الانتخابي الذي وضعه الحاكم الأمريكي بول بريمر، والذي جاء بنماذج لا تصلح بأية حال من الأحول لشغل أدنى وظيفة في الدولة، وقد تبين فيما بعد أن العديد منهم لا يمتلك شهادة تؤهله لشغل هذا الموقع الهام، وأن غيرهم قد زور شهادته، وقد كشفت لجنة النزاهة ذلك التزوير دون أن يتخذ المجلس قراراً بإبطال عضوية المزورين، وإحالتهم للمحاكمة بتهمة التزوير.(8) . ورغم كل هذه الحالة المزرية لمجلس النواب فإن النصاب القانوني لاجتماع المجلس كان مفقوداً في أعلب الأحيان، ونواب الشعب يتنزهون في البلدان العربية والأوربية وغيرها من البلدان الأخرى، ومشاريع القوانين معطلة، فهم في وادٍ والشعب الذي أوصلهم إلى البرلمان في وادٍ آخر.
ومنذُ اشهر عديدة وحكومة المالكي تعاني من صراعات عميقة، وتمزق بين إطرافها، فهذه الحكومة التي أطلق عليها حكومة الوحدة الوطنية، والتي لا تعدو عن كونها حكومة محاصصة طائفية بين قوى وأحزاب لا يجمعها أية أهداف وبرامج وطنية مشتركة، وجُل هم هذه الجهات هو تحقيق المكاسب والمغانم لحسابها الخاص، دون الالتفات للمصالح الوطنية العليا، ودون الاهتمام بما يعانيه الشعب العراقي من أوضاع كارثية في كافة المجالات الأمنية والاجتماعية والصحية والثقافية والخدماتية.
ونتيجة للصراعات المحتدمة بين هذه الأطراف بسبب اختلاف المصالح واختلاف التوجهات أخذت الانسحابات من تتوالى من الحكومة فقد انسحب منها حزب الفضيلة منذ بداية تشكيلها، ثم تبعه انسحاب التيار الصدري، وجبهة التوافق، وجبهة الحوار، وأخيراً القائمة العراقية، وأخذ الحديث يدور عن نية حزب الدعوة [ تنظيم العراقٍ ] بالانسحاب كذلك، وهكذا لم يبقَ في حكومة المالكي سوى طرفين فقط هما الائتلاف الشيعي المتمثل بالمجلس الأعلى بزعامة عبد العزيز وحزب الدعوة بزعامة المالكي، والتحالف الكردستاني المتمثل بالحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة السيد مسعود البارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة السيد جلال الطالباني. ونتيجة للصراعات المحتدمة بين أطراف التحالف الشيعي نفسه بدأت الانسحابات من هذا التحالف تتوالى، فقد كان قد انسحب حزب الفضيلة من قبل، ثم لحق به التيار الصدري الذي سبق له أن انسحب من الوزارة، وانسحاب كتلة إبراهيم الجعفري، وكتلة الرساليون، وهكذا أصبح مصير حكومة المالكي في مهب الريح، ولن يجدي نفعاً كل محاولات المالكي لترقيع الوزارة. . فمنذ اشهر عديدة والسيد نوري المالكي يصرح كل يوم تارة عن قرب إملاء الشواغر في الوزارة بعد استقالة 17 وزيراً، وعن النية في تأليف وزارة تنكوقراط مصغرة من نفس القوى السياسية تارة أخرى. ويستمر المالكي بالتشبث بالسلطة رغم انفراط أغلب أطراف الحكومة دون أن يستطيع حتى ترقيع الوزارة،ة مدعوماً بالإرادة الأمريكية التي تنتظر من المالكي إنجاز مهمتين أساسيتين، أولهما المصادقة على المعاهدة الأمريكية العراقي طويلة الأمد ، والمهمة الثاني تتمثل في إنجاز قانون النفط والغاز بما يضمن هيمنة الشركات النفطية الأمريكية الكبرى على نفط العراق.
ومما زاد في الطين بله الوضع المأساوي للبرلمان العراقي الذي عجز رئيسه السيد محمود المشهداني أن يجمع أعضائه لإكمال النصاب، فمعظم أعضاء المجلس يتواجدون خارج العراق، والبرلمان مشلول تماماً، شأنه شأن حكومة المالكي، وأوضاع العراق الأمنية تسير من سيئ إلى أسوأ، والخدمات الضرورية لحياة المواطنين في أسوأ أحوالها، فلا كهرباء ولا ماء الشرب ولا وقود بمختلف أنواعه، حيث تسيطر عليه الميلشيات المعروفة، وتتحكم بأسعاره، ويجري تهريب كميات كبيرة منه، ولا العناية بصحة المواطنين، بعد أن غادر أغلبية الأطباء الاختصاصيين، والألوف من الأطباء الآخرين إلى خارج العراق هرباً من الموت، بالإضافة إلى شحة الدواء، وصعوبة حصول المواطنين عليه، بعد الفساد الذي استشرى في كافة مرافق الدولة، وصارت الأدوية تجارة رابحة خارج المستثفيات.
كما أخذت تتصاعد كل يوم أرقام العراقيين المغادرين للعراق هرباً من الحرب الطائفية التي يدعي السيد المالكي بأنه استطاع وقفها، لكن جثث الضحايا تستمر دون انقطاع، وتستمر العصابات الميلشياوية باحتلال مساكن المواطنين بما فيها من أثاث دون أن تستطيع الحكومة أعادتها إلى أصحابها، ويعاني المهجرون داخل وخارج العراق ظروفا قاسية جداً دون أن تلقى أوضاعهم أي اهتمام.
إن حكومة هذه تركيبتها، وهذه توجهاتها وإجراءاتها لا يمكن أن تحل المليشيات، وتسحب منها السلاح، وتعيد الأمن والسلام في ربوع العراق، وتتوجه نحو معالجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتردية، وإعادة بناء البنية التحية المخربة، وإعادة المهجرين والمهاجرين إلى الوطن، واستعادة رؤوس الأموال الهاربة خارج الحدود، وتشجيع الاستثمار الأجنبي لإقامة مختلف المشاريع الصناعية والزراعية، ومعالجة مشكلة البطالة، المفرخة الأساسية لقوى الإرهاب، ولا سبيل لمعالجة المأزق الحالي إلا بقيام حكومة تنكوقراط مركزية قوية، من العناصر الوطنية النظيفة، بعيداً عن هيمنة القوى الطائفية والعرقية، ووقف العمل بالدستور، وحل البرلمان، ووقف العمل بالمجالس المحلية التي تتحكم فيها القوى الطائفية وميلشياتها المسلحة، ومنح الحكومة صلاحيات واسعة لمدة زمنية محددة لا تتجاوز ثلاث سنوات، ريثما يعود الأمن والسلام في البلاد، وتزول الميلشيات، وتتهيأ الظروف الطبيعية لإجراء انتخابات برلمانية جديدة، بعد سن قانون جديد للأحزاب لقيام حياة حزبية تؤمن بالديمقراطية بعيداً عن الطائفية الدينية والعرقية، وتشكيل لجنة من كبار أساتذة القانون الدستوري لوضع مسودة دستور علماني جديد للبلاد، يكرس الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية بين المواطنين بمختلف قومياتهم وأديانهم وطوائفهم، وإن أي طريق أخر لن يفضِ إلى السلام المنشود، وسيستمر الصراع والتناحر بين القوى الطائفية وميليشاتها، ويستمر نزيف الدم، ويستمر الخراب والدمار في كافة مرافق البلاد وتتدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين، وتستمر الهجرة الاضطرارية، وتفريغ العراق من كافة كوادره العلمية بمختلف اختصاصاتها، ويستمر تحكم قوى الظلام والفاشية الدينية في حياة المواطنين الذين يسعون لإقامة نظام طالباني جديد في العراق.