الرئيسية » مقالات » نهاية العائلة المالكة في العراق

نهاية العائلة المالكة في العراق

لم يكن في نية الضباط الأحرار إبادة الأسرة المالكة،وكان تنظيمهم المركزي المتمثل باللجنة العليا للضباط الأحرار برئاسة عبد الكريم قاسم قد ناقش الأمر بشكل مفصل ورفض إعدام أو قتل الملك أو تصفية العائلة المالكة ، وكانت تفضل عملاً هادئا كما حصل عند قيام الحركة في مصر وترحيل الملك ، لهذا حسب مصادر تاريخية كثيرة لم يكن التنظيم متفقاً على إعدام أو تصفية الملك والأسرة الحاكمة ، إنما كانت هناك عدة آراء حول طريقة التعامل مع الملك بعد الإبقاء على حياته . ولكن مهما يكون الأمر فان ظروف العراق السياسية غير ظروف مصر فالحكم الملكي في العراق أرتبط بأحلاف عسكرية تسمح للقوى الخارجية بتقديم العون للأسرة المالكة مما يعني أن أبقاء الملك والوصي ونوري السعيد سيشكل عاملا خطيرا قد يؤدي الى إجهاض الثورة والسماح للقوى الإقليمية بالتدخل لصالح الطغمة الحاكمة ولأن الملك فيصل أصبح بعد تكوين الاتحاد الهاشمي الملك الرسمي للعراق والأردن،وأن إبقاءه يعني السماح بالانقضاض على الثورة وإنهائها خصوصا بعد تجربة حركة مايس التي أستطاع الثنائي عبد الإله ونوري السعيد القضاء عليها بعد التحاقهم بأسيادهم الإنكليز،لذلك كانت الآراء متباينة ولم يتوصلوا الى أتفاق بهذا الخصوص رغم أن عبد السلام عارف كان من المؤيدين لإبادة العائلة المالكة أو على الأقل تصفية الوجوه البارزة فيها ،وبذلك فأن قادة الثورة لم تكن لديهم الخطط النهائية في هذا الاتجاه مما يعني أن أمر العائلة قد ترك لسير الأحداث والتطورات المحتملة لمسيرة الثورة.

ولكن ما تقرر بشكل حاسم أن يقوم الثوار أما بتصفية الثنائي نوري السعيد وعبد الإله أو محاكمتهم وإعدامهم على ما اقترفت أيديهم من جرائم بحق العراقيين،وتصفيتهم إذا تهيأ لهم القيام بعمل مضاد لإفشال الثورة،وورد في بعض المذكرات التي يغلب عليها التحيز لجهة ما ومحاولة إظهارها بمظهر البريء مما حدث ،ما قيل أن كتلة عبد السلام عارف كانت مع استشارة الفقيد كامل الجادرجي حول الموضوع،وأن الرجل أبدى اعتراضه على تصفية العائلة طالبا إحالتهم الى المحاكم للبت بمصيرهم،ولنا أن نتساءل من هو وراء قرار تصفية العائلة المالكة ؟فإذا سرنا مع الروايات القومية التي تحاول تبرئة عبد السلام عارف وإلصاق التهمة بالزعيم عبد الكريم قاسم،فأن هذه الروايات تناقض نفسها ،حيث تصر أغلب الروايات العارفية أن عبد السلام عارف هو زعيم الثورة ومفجرها والمتابع الوحيد لخطواتها منذ بدايات التخطيط وحتى التنفيذ في اليوم المحدد للثورة،وأن عبد الكريم قاسم كان تمثالا يختفي خلفه عبد السلام عارف ولم يكن له أي دور فعلي في الثورة ،بل تمضي تلك الجهات الى أبعد من ذلك عندما تحاول أثبات أن عبد الكريم قاسم كان مراقبا للأحداث بانتظار النتائج فإذا قيض للثورة الفشل فسوف يتبرأ منها لعدم مشاركته الفعلية فيها،وأن المحرك لها هو عبد السلام عارف،وإذا كتب لها النجاح فهو الأرفع رتبة ورئيس اللجنة العليا للضباط الأحرار وبالتالي ستكون له الكلمة المسموعة والرأي الأخير،وهذه الآراء صفق لها القوميون والناصريون ،وروج لها البعثيون بدعايتهم طيلة حكمهم العاثر في محاولتهم للنيل من القوى الوطنية المشاركة بالثورة ،ونسبة الأمور الى التيار القومي الذي لم يكن له كيانا ظاهرا معروفا سوى مجموعة من البعثيين لا يمكن لها أن تشكل شيئا إزاء الجماهيرية الواسعة للشيوعيين والديمقراطيين،وأن جل الضباط من رافعي الشعارات القومية،لم تكن ورائهم أحزاب معروفة أو جماهير غاضبة،تنظيمات يحسب لها حساب،وهم يحتفظون بعلاقات خاصة بالجمهورية العربية المتحدة التي وجدت فيهم أداة صالحة لبسط هيمنتها على العراق في حالة استلام هؤلاء للسلطة،وهو ما ترجم بشكل واضح في مواقف مصر من الجمهورية والتآمر عليها حتى إسقاطها في شباط الأسود،لذلك فأنهم حاولوا بدعايتهم السمجة إلصاق كل ما هو قبيح بالآخرين وتحسين صورتهم بنسبة كل ما هو جميل لهم،وقد زوق للأمر الكثير من الكتبة الذين حاولوا ما وسعهم الجهد إسناد الإبادة الجماعية للعائلة المالكة الى عبد الكريم قاسم والشيوعيين،وتبرئة أنفسهم منها وأنهم فقط أبطال الثورة،وغيرهم القتلة والمجرمين ،وسنتطرق بشيء من التفصيل الى حوادث القتل التي جرت والواقفين ورائها لنتلمس بشكل جيد طبيعة الأوضاع وحقيقة الأحداثِ.

مقتل العائلة المالكة:

بعد إذاعة البيان ألأول للثورة من دار الإذاعة العراقية والسيطرة على المراكز الحساسة في العاصمة بغداد حسب الخطة الموضوعة للثورة،وجه نداءـ من الإذاعة الى الشعب للالتفاف حول الثورة ومؤازرتها وقتل الخونة،وكانت تلك النداءآت بصوت عارف ومن معه من المسيطرين على الإذاعة،والغرض منها هو سحب زمام المبادرة من الشيوعيين الذين توزعوا في مفارق الطرق والشوارع لعلمهم بساعة الثورة وانطلاقها ،ولإضفاء هالة من أحكام القبضة لعبد السلام عارف الذي لا يمتلك أي رصيد شعبي وغير معروف في الشارع السياسي،وهذا النداء دفع بعض صغار الضباط من المجاورين للقصر الملكي والذين وردت أسمائهم في كتاب ليث الزبيدي عن ثورة تموز،توجه هؤلاء بهجوم كاسح على القصر الملكي،وبعد مناوشات مع فرق حماية القصر تمكنوا من السيطرة على الموقف والدخول الى غرف القصر الداخلية فوجدوا العائلة المالكة وقد حزمت أمتعتها لأنها كانت على أهبة السفر الى خارج العراق لزواج الملك فيصل الثاني،فأوعز الضباط الى أفراد العائلة بوضع أيديهم على رؤوسهم والتوجه الى حديقة القصر،وهنا تتعدد الروايات في حادثة القتل فبعض شهود العيان يؤكدون أن حراس القصر المتمترسين في أماكنهم قاموا بإطلاق النار مما دفع القوة المهاجمة للرد بالمثل وحدا بالنقيب عبد الستار سبع العبوسي الى أطلاق النار على الملك ،وقتل عبد الأله وبعض أفراد العائلة المالكة،وكان مع العبوسي ضباط أرفع رتبة منه وهم العقيد محمد عبد اللطيف والمقدم طه،وقد أصيب من القوة المهاجمة النقيب مصطفى عبد الله بطلقة نارية بصدره ، و النقيب حميد السراج ، قد أصابته طلقة نارية في كعب قدمه، وسقط ضابط صف برتبة رئيس عرفاء قتيلاً من المهاجمين،مما يعني أن هناك قوة مقاومة للمهاجمين كانت تختبئ في مكان ما من القصر،وربما كان الدافع لقتل الأسرة المالكة هو شعور القوة المهاجمة بأن هناك قوة كبيرة جاءت لحماية الأسرة وجرى معها تبادل أطلاق النار ،مما يعني أن القوة لم يكن لديها نية أو أوامر بقتل الأسرة المالكة لأنهم كانوا يستطيعون قتلهم داخل القصر بدلا من إخراجهم خارجه وتفويت الوقت،والحقيقة أن القوة المهاجمة كانت تحاول نقل الأسرة المالكة الى معتقلات الثورة لتبت بمصيرها بعد استتاب الوضع وأحكام السيطرة،لأن الوصي عبد الإله المعروف بنزقه ورعونته لا يتورع عن الاستعانة بالقوى الخارجية لإنقاذ الوضع وقد اتصل فعلا بقادة الجيش طالبا منهم التدخل لقمع الثورة وفك الحصار عن القصر،ولكن الحضور الشعبي المكثف حال دون القطعات أن تتحرك،والعصيان لبعض صغار الضباط وضباط الصف المراتب الذين كانوا من المؤيدين للثورة،فيما قام صغار الضباط من الوطنين الأحرار بإلقاء القبض على قادتهم ومنع تحركهم وإصدارهم لأي أمر وبالتالي ،لم تتحرك أي قوة عسكرية لنجدة الحكم الملكي مما أسرع بإنهائه والقضاء عليه.

وتم نقل جثث القتلى إلى الطب العدلي في الباب المعظم حيث وريت جثث النساء في المقبرة المجاورة. وأحيل باقي الجرحى إلى مستشفى الرشيد العسكري عدا جثة عبد الإله التي تم سحلها ثم تعليقها على باب وزارة الدفاع ،وكان وراء تعليق الوصي الضباط القوميين من أنصار الجمهورية العربية المتحدة الذين أرادوا الثأر لرفاقهم العقداء الأربعة الذين قام الوصي بإعدامهم في نفس المكان عقب حركة مايس عام 1941،وكانت أبواق البعثيين والقوميين قد رمت على عاتق الشيوعيين كل ما جرى من عمليات سحل وقتل في محاولة منهم لتشويه صورنهم الناصعة لدى العراقيين،والغريب أن الكثير من كتبة التاريخ(ولا أقول المؤرخين) انساقوا وراء هذه الأكذوبة بقصد أو دونه،ولا زالت هذه الأراجيف ترددها الأبواق الحاقدة للرجعيين وأسيادهم الغربيين .

وفي مستشفى الرشيد العسكري نقلت جثة الملك إلى إحدى غرف العمليات، . وفي مساء اليوم نفسه حفرت حفرة في حدائق المستشفى ودفن الملك هناك ثم نقل الى المقبرة الملكية الى جوار أهله ،وقد قام فيما بعد صدام حسين بإعادة الاعتبار للعائلة المالكة وترميم المقبرة وتحويلها الى متحف بعد اتفاقاته المشبوهة مع عاهل الأردن وتعاونهم في الحرب الجائرة على الشعبين العراقي والإيراني ،وهكذا أنتقم الملك حسين لعائلته بقتل ملايين العراقيين بسيف ربيبهم صدام حسين.

أما نوري السعيد أبن بريطانيا المدلل وربيب الامبريالية العالمية،فقد حاول الفرار عندما علم بنشوب الثورة لإعادة الخطة السابقة باللجوء الى أسياده البريطانيين فأنتقل الى مدينة الكاظمية واختبأ لدى السيد محمود الأستربادي،وحاول الوصول الى منزل الشيخ محمد العريبي فتنكر بملابس النساء وسار بحماية أمراه الأستربادي وخادمتهم ،وكانت الحكومة الجديدة قد دعت المواطنين لإلقاء القبض عليه حيا أو ميتا فاستنفر الشعب قواته وملئت الجماهير الشوارع بحثا عن هذا المجرم لأن بقاءه حيا يعني فشل الثورة لما يتمتع به السعيد من حماية بريطانية لأنه رجلها الأول في العراق،.و توجه السعيد على عجل إلى البتاويين وقد تعرف عليه أحد الشبان في منطقة الكاظمية وهو يروم الركوب في السيارة بعد أن انكشفت ملابسه التنكرية ، ابلغ الشاب السلطات بتزويدها برقم السيارة المنطلقة. وبعد اجتياز عدد من الحواجز والطرقات الفرعية بصعوبة جمة ، وصل إلى بيت البصام تصاحبه زوجة الحاج محمود الاستربادي للدلالة ، وبعد ترجله من السيارة تعرفت المفارز الأمنية على السيارة فتمت ملاحقته وما لبث ان تطورت المواجهة إلى اشتباك بالأسلحة الخفيفة بين نوري السعيد وعناصر القوة الأمنية حيث أصابت رصاصة طائشة إثناء تبادل إطلاق النار, زوجة الاسترابادي واردتها قتيلة ، في حين حوصر السعيد ولم يتمكن من دخول البيت او الهرب عبر الأزقة المجاورة ، وهنا اختلفت الروايات حول مصرع الباشا فإحدى الروايات تذكر بأنه أصيب بعدد من الاطلاقات من قبل أحد عناصر القوة المهاجمة والتي أدت إلى وفاته ، وهناك من يحاول أبرازه بصورة البطل فادعوا أنه أطلق النار على نفسه ،ورواية ثالثة أشارت الى ان المقدم وصفي طاهر أحد الضباط الأحرار ،عندما وردت المعلومات بوجوده هناك خرج بقوة عسكرية الى المكان وبعد تطويقه والعثور على نوري السعيد وتبادله معهم أطلاق النار وجه رشاشته الى نوري السعيد فأرداه قتيلا،وهذه الرواية أثارت امتعاض القوى القومية فليس من مصلحتها أن يكون لضابط شيوعي شرف القيام بقتل طاغية بغداد ،فادعوا أنه وصل الى المكان بعد انتحار نوري السعيد،وقام بإطلاق النار عليه ليكون له شرف الإسهام بالقتل،وهذا الرأي مردود لعدة أسباب،منها أن المقدم وصفي طاهر من الضباط الأبطال الذين يشار إليهم بالبنان ومن ضباط الثورة المساهمين بإنجاحها ويشهد له من زامله من الضباط أنه كان يتمتع بشجاعة معروفة،وأن ضباط تلك الأيام كما يعرف الكثيرون كانوا يقيمون وزنا لسمعتهم العسكرية فليس من المشرف له أن يقوم أمام الجماهير بإطلاق النار على جثة فارقت الحياة،ومهما يكن فقد انتهت حياة نوري السعيد ليلقى نتيجة ما عملته يداه وما ارتكب من جرائم بحق العراقيين،وكان الشعب الثائر عند وعده في القضاء على الخونة ،فما أسرع ما سحلت الجماهير جثة هذا المجرم لتطوف بها شوارع بغداد جزاءا وفاقا على ما ارتكبته يداه من جرائم بحق العراقيين،وهذا مصير الخونة في كل زمان ومكان،ولابد للشعب أن يثأر من قاتليه وأن طال المدى.