الرئيسية » مقالات » الناصرية ملهمتي

الناصرية ملهمتي

طريقنا كان محفوف بالمتاعب أما طريقهم مملوء بالرياحين ، وعطر الفنادق الراقية ، مسائنا كان جوع واحزان وخوف ، أما مسائهم كان عامراً بالولائم ، والبيوت الامنة المحروسة بجنود الاسياد .
اتحدث اليوم إلى الاخ امير امين منشد الذي كتب عن اسرته النبيلة وعن مدينته الحبيبة الناصرية ، منذ علمت أن هذه المدينة تأسس فيها الحزب الشيوعي ، وعاش فيها الشهيد الخالد فهد ، فأنها تسربت إلى قلبي كتسرب الماء البارد في اخاديد الأرض المتيبسة عطشاً ، كنت اظنها إحدى قلاع اليسار ، حيث امتازت بأنتشار الفكر اليساري بين ابنائها ، وانتشار الثقافة والأدب ، حتى يمكن تسميتها مدينة الثقافة أو مدينة اليسار ، وللفن في هذه المدينة مكانة عزيزة في قلوب أبنائها ، ولاأنسى سِحْرَ هذه المدينة حين عشت فيها بضعة أشهر أثناء خدمتي العسكرية ، مشيت في شوارعها وحاراتها التي لبست ثياب الفقر والحزن ، كنت أنظر في الوجوه وأقول أن كثير منهم رفاق الدرب ، رأيت الفنان الكبير داخل حسن في إحدى مقاهيها ، والفنان الكبير حسين نعمة في إحدى محلات بيع الادوات الكهربائية يحتضن طفلة ، كنت أرى صور حضيري عزيز وجبار ونيسة ترتسم على ملامح الجدران في هذه المدينة الصامتة والحبلى بالآلام والأحزان .
هذه المدينة فعلت فعلها الثوري الساحر مرة أخرى في حياتي ، وحيث كنت أتمنى أن أعيش فيها بقية عمري ، رغم إني من مدينة أخرى هي مدينة صفي الدين الحلي ، وكنت احلم أن اعمل مدرساً في مدارسها ، حيث تعرضت هذه المدينة لكرهٍ وظلمٍ شديد على يد العفالقة حيث تحملت أزراً كبيراً بسبب تأسيس الحزب الشيوعي العراقي فيها ، وفي إحدى سنوات غربتي التي إستمرت ثلاثة وعشرين عاماً حتى سقوط الديكتاتورية نفضت هذه المدينة مني غبار الغربة ، فذات يوم من أيام الغربة المؤلمة ، حيث كنت منشغلاً في عملي في منطقة بعيدة عن العاصمة دمشق ، حيث اعمل في مجال بيع اشرطة الكاسيت ، واعمل بهمة عالية لنشر الأغاني التي منعتها سلطة صدام ، فمرة أقدم لجمهور الأغنية شريط منوعات فيه أغاني الشهيد صباح السهل وأنوار عبد الوهاب أو فؤاد سالم معطرة بأشعار مظفر النواب ، ومرةُ أخرى شريط لإحياء ذكرى رحيل الفنان الملحن كمال السيد ابن مدينة الناصرية ، وأنا على هذه الحال منشغلاً معزولاً ومنعزلاً بل ومنطوياً على ذاتي ، أعيش حالة إنكسار كبيرة ، أعيش حالة محزنة من الإحباط واليأس لاتخلو من خيط رفيع من الامل ، وذات مرة وكعادتي كنت أذهب إلى مكتب الحزب في دمشق ، كي استلم صحيفة طريق الشعب ومجلة رسالة العراق التي يصدرها إعلام الخارج في الحزب الشيوعي ، كان في أحد الأعداد موضوعاً عن الشهيدة سحر أمين منشد قرأته وأنا في طريق العودة فبكيت حزناً وربما خجلاً ، لقد ترك في نفسي اثراً عظيماً ، حيث وجدت نفسي رغم غربتي ومعاناتي مقصراً ، أمام معاناة هذه الفتاة وهي تحاول إعادة بناء التنظيم في الناصرية متحدية السلطة الديكتاتورية ، مع زوجها الشهيد البطل صباح طارش ، كيف ودعت طفلها قبل ذهابها إلى المشنقة ، لقد شعرت بالخجل وانتفضت على حزني ويأسي ، واغتسَلتْ روحي بماء بطولتها وأنطلقت روحي في عنفوان كفاح جديد تلبس رداءاً جديداً من الشجاعة سيحتمل سنوات أخرى ، أصبحتُ مثل عداء نهض بعزيمةٍ عظيمة بعد وقوعه مغشياً من التعب ، سلاماً لك ياسحر ولأختك الشهيدة انسام ولوالدك امين منشد ولأمك التي كتب عنها شقيقك العزيز أمير ، أن مدينة فيها مثلكم لن تنام رغم انتشار أفكار التخلف والظلام بين ابنائها الطيبين ، ضحايا الفقر والظلم وبسبب غياب حمائم اليسار من اشجارها وأزقتها ، حيث كانت القوى الظلامية تتلقى الدعم بسخاء من بعض الدول المجاورة ، فلعبت هذه الأموال لعبتها في أجواء الفقر وانحسار الثقافة واستغلت قوى الظلام مشاعر الناس الدينية المكبوتة بعد أن داس نظام صدام على مشاعر الناس وحياتهم وخبزتهم فاصطادت هذه القوى في الماء العكر ، فكما للظلام زمانه ، فللنهار أوانه ، ولابد أن تشرق الشمس وتغني البلابل .
أحزنني شقيقك أمير حين تحدث عن بيتكم ياسحر وكيف لم يعد إليه أهلك ، يا امير هذا قدر الاحرار في كل العصور ، يا امير أنا لازلت أعيش بعيداً عن وطني رغم مرور خمس سنوات على سقوط الطاغية ، فمن يحكمنا يا أخي بعيدُ عنا ، لقد عرفتهم في الغربة ، لم يكن ولائهم للعراق ، رغم الادعاء ، لقدملئوا جيوبهم من أموال الدول المتدخلة ، أكلوا من طعام الغرباء ، وعاشوا على موائدهم ، رغم أنهم شاركونا معارضة سلطة صدام ، ولكن لم نكن بذات الطريق ، طريقنا كان مليء بالمصاعب والجوع والبطالة ، أما طريقهم كان سفرات وفنادق وشقق فارهة ، ووولائم باذخة ، لذا نسونا حيث لم نكن همهم ، فهم مشغولون كعادتهم في ملء بطونهم وجيوبهم وشراء الشقق الباذخة ، ونحن لازلنا مشغولون بأحزان الفقراء ، لازلت أنت ترى بيت اهلك ولاتقدر أن تدخله ، وأنا انظر إلى وطني وليس عندي بيت أو أهل فيه ، إنشغل أياد علاوي وغيره بإعادة أنصار صدام إلى مراكزهم ، أما نحن ضحايا صدام لازلنا نجوع ومشردين ، فضباط الأمن والمخابرات وغيرهم من أعوان صدام واتباعه وانصاره ممن ساعدوه في تدمير وطننا وذبح شرفاءه ، يستلمون رواتبهم التقاعدية كل شهر ، ونحن معارضوا صدام من احرار العراق لازلنا نعيش ذات المرارة من والعوز والبطالة ، وهاهو العام الثامن والعشرين لرحلة الغربة والأحزان سينقضي بالنسبة لي بعد فترة قصيرة ولازلت منفياً ، لكن لازالت أسرتك تمدني بالصبر والعزيمة ، لازلت احلم أن أعود إلى وطني الذي لازال يبدد حكامه المليارات على السلاح والأعوان وتختفي مليارات أخرى في جيوب اللصوص والمفسدين ، وأتحسر هنا في غربتي على رغيف الخبز ، فأين حقوقنا ؟ ، وهل حقاً رحل الديكتاتور؟ ، فالمحتلون ازاحوا ديكتاتوراً مستهلكاً ، لايمكن لشجرة الوطن أن تعطي ثماراً طيبة ، واللصوص لازالوا يجلسون على سيقانها ، لايمكن لبستاننا أن يزدهر واللصوص والشقاوات يسرحون ويعربدون ، يشعلون نيران الفتن ويطفئوا أنوار الحياة ، وينبشوا قبور الاموات لايمكن لشعبنا أن يكون سعيداً دون أن يكون وطننا حراً .
سلاماً للناصرية ملهمتي وكل مدن العراق فيها أحبتي ، وسلاما لك يا أمير أمين منشد حين تحدثت عن مدرسة البطولة أسرتك الغالية لا زلت أتزود منكم دروس الشجاعة ، فهل أرى مدينة الناصرية مرة أخرى تصدح فيها أغاني داخل حسن وحضيري وستار جبار وصباح السهل وهل سترفرف فيها الحمامات البيضاء والحمراء ، ام سيرتفع صوت السيوف والسلاسل واللطم ويستمر ليل الاحزن والالام ، للظلمة الوان عدة ، وان اختلفت الازمان .

ما يأتي مع الليل
سوى الموتى. فمن ذا يرجع الغائب للأهل
إذا ما سدت الظلماء
دروباً أثمرت بالبيت بعد تطاول المحل ؟
وأن الليل ترجف أكبد الأطفال من أشباحه السوداء