الرئيسية » مقالات » ثورة العشرين… الدروس والعبر

ثورة العشرين… الدروس والعبر

بعد احتلال مدينة بغداد من قبل القوات البريطانية الغازية لبلاد ما بين النهرين، خلال الحرب العالمية الاولى في اذار سنة 1917.. اعلن الجنرال “مود” قائد الحملة البريطانية امام الملأ قائلا: “جئنا الى بغداد محررين.. لا فاتحين” لكن الايام اثبتت العكس من ادعاءاتهم.. والحقيقة ان اطماعهم في نفط وثروات البلاد قادتهم الى احتلال بلاد ما بين النهرين وبانهم فاتحون ومحتلون وليسوا محررين كما ادعوا.
وخلال السنة الاخيرة من الحرب اكملت القوات البريطانية بسط سيطرتها على ولايتي بغداد والبصرة، كما احتلت بعض مدن ولاية الموصل.
وبعد ان استتب الامر لهم بدأوا بحكم وادارة البلاد بشكل مباشر، وباساليب لم تخل من الاساءة الى المواطنين واثارة مشاعرهم بمختلف وسائل الاستفزاز ادت بتراكمها الى الاستياء العام من اساليب التعامل الفظ التي اتبعتها الادارة البريطانية مع المواطنين وهكذا بدأت المعارضة الشعبية لرفض الاحتلال، وبدأت التجمعات الوطنية التي ضمت رجال الدين وشيوخ العشائر ووجهاء المدن المتنورين، وتشكل معها عدد من الاحزاب الوطنية الرافضة للاحتلال البريطاني، واساليب الادارة الاستعمارية المباشرة.
الا ان ادارة الاحتلال بدلا من الانصياع لمطالب المواطنين، اخذت باستخدام لغة العنف والصدام المسلح مع ارادة العراقيين، وجرى اعتقال ونفي العديد من الوطنيين الى خارج البلاد وتنفيذ احكام الاعدام التي اصدرتها الادارة البريطانية بحق المشاركين في انتفاضة النجف الاشرف عام 1919 تلك الانتفاضة التي كشفت عن حقيقة المحتلين وعن زيف ادعاءاتهم ” كمحررين.. وليسوا فاتحين..!!، بارتكابها المجزرة الوحشية بتنفيذ احكام الاعدام التي صدرت بحق الشباب المنتفض على جسر مدينة الكوفة، انتقاما لمقتل آمر المعسكر البريطاني- الميجر مارشال- ونفي العشرات الى جزيرة هنجام التي اتخدها المحتلون منفى للوطنيين العراقيين وسجن العشرات غيرهم.
وفي اعقاب تلك المجزرة الرهيبة وتطاول منتسبي الادارة البريطانية في تعاملهم على المواطنين منتهكين امنهم وحرماتهم قام المرجع الديني الكبير السيد محمد تقي الشيرازي (قدس سره) بارسال كتب الى رؤساء العشائر، ورجال الدين، والشخصيات الاجتماعية والمتنورين من وجهاء المدن دعاهم فيها الى الاجتماع للتداول في شؤون امن وسلامة البلاد والمواطنين ومن اجل توحيد الجهود والعمل المشترك من اجل اطلاق سراح المعتقلين واعادة المنفيين الى ارض الوطن، واقامة ادارة عراقية بدلا من الادارة البريطانية المباشرة لشؤون المواطنين.
ولما لم تجد نفعا وسائل النضال السلمي تلك مع ادارة الاحتلال لم يبق امام الوطنيين سوى اللجوء الى الكفاح المسلح واعلان الثورة على المحتلين حيث جرت اتصالات برجال الدين وشيوخ عشائر الفرات الاوسط ووجهاء المدن فضلا عن الاتصالات مع الثورة الكوردية ممثلة بالشيخ محمود الحفيد والشيخ احمد البارزاني، والاتصال بالكورد في خانقين ومندلي وكذلك بالعشائر العربية في الخالص وشهربان وبعقوبة الذين ابدوا استعدادهم للمشاركة في الثورة على المحتل البريطاني وهكذا انطلقت الشرارة من مدن الفرات لتعم مدن الفرات جميعها من الناصرية مرورا بالسماوة والرميثة والنجف والديوانية والحلة وكربلاء وحتى المسيب وعمت كذلك مدن خانقين ومندلي وشهربان والخالص وبعقوبة الى مدن كوردستان الاخرى في السليمانية واربيل ورواندوز وعقرة والعمادية.
وكانت بين قادة ثورة العشرين، وبين الشيخ محمود الحفيد والشيخ احمد البارزاني مراسلات وتنسيق في المواقف، وقد اطلق احد شعراء ثورة العشرين اهزوجته الشهيرة (ثلثين الجنة الهادينة.. وثلث الباقي لـ كاكه احمد) مما تدلل على الشراكة في النضال ضد العدو المشترك والشراكة في القضايا المصيرية.
ومحصلة الثورة، انها لقنت قوات المحتلين دروسا بليغة، وكبدتها خسائر جسيمة بالارواح والمعدات، رغم عدم التكافؤ في المعدات والاستعداد القتالي كجيش محترف متمرس، وبين ثوار العشرين بالاعتماد على طاقاتهم الذاتية والاسلحة القديمة، والمكوار، والفالة، والسيوف والخناجر وبالرغم من ذلك الفارق فقد نادى وزير المستعمرات البريطاني في حينه “ونستون تشرشل” بترك العراق والاحتفاظ بمدينة البصرة فقط غير ان قوات الاحتلال البريطاني التي تفوقت على مقاتلي ثورة العشرين بالاسحلة والمعدات الثقيلة “مدفعية، ودبابات، مدافع رشاشة” والبنادق الحديثة فضلا عن الطائرات الحربية التي شاركت في القتال تمكنت من استعادة سيطرتها على الموقف.. لكنها في الوقت نفسه اذعنت لمطالب الثوار، باقامة الحكم الوطني “المملكة العراقية” وتنصيب الامير فيصل نجل الشريف حسين “شريف مكة” حليف الانكليز، ملكا على العراق، واقامة مملكة دستورية، برلمانية، الا ان سلطات الاحتلال بدلا من ان تسند منصب رئاسة الحكومة الى المعارضة، اسندتها الى صديقهم عبد الرحمن النقيب الذي يحتفظ للانكليز بصداقات قديمة ايام كان رئيسا لبلدية بغداد مع المس بيل والجنرال ويلسون ووضعوا ضوابط للحكم الجديد عرفت بضوابط بيرسي كوكس- النقيب، المشبعة بالنزعة الاستعمارية المعادية للمعارضة العراقية ومشبعة ايضا بالروح والنزعة العنصرية الشوفينية والتعصب الطائفي ضد الكورد والشيعة وابعادهم عن المشاركة الفاعلة في حكم البلاد لان الكورد والشيعة هما الطرفان الاكثر والاشد عداء ومقاومة للاحتلال، وبقي الحال حتى قيام ثورة 14 تموز عام 1958 الوطنية، التي الغت جميع اشكال التمييز بين المواطنين بسبب الجنس او الدين او اللغة او المذهب او القومية وساوت بين جميع المواطنين امام القانون وامام الدستور..
وبذلك فقد مثلت ثورة العشرين انعطافة تاريخية كبيرة في سفر العراقيين الرافضين لجميع اشكال التبعية والاستعمار ودرسا للعراقيين لتوحيد الارادات ونبذ الخلافات وتنحية التوترات والاحتقانات مهما كان نوعها، والوقوف خلف المفاوض العراقي الذي يجلس الى طاولة المفاوضات مع ممثلي الولايات المتحدة الامريكية، لعقد اتفاقية طويلة الامد تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية والعسكرية التي تهم البلدين وذلك من اجل دعم المفاوض العراقي لاخراج العراق من التزامات البند السابع من ميثاق الامم المتحدة، لاستعادة استقلال البلاد والسيادة الوطنية ، وصيانة مصالح البلاد العليا السياسية والاقتصادية والامنية والعسكرية، وعدم استخدام اراضينا واجوائنا الوطنية منطلقا للعدوان على بلدان الجوار او اي بلد آخر.
ونحن نستذكر ثورة العشرين هذه المأثرة البطولية والانعطافة التاريخية التي ارغمت ادارة الاحتلال البريطاني على النزول عند ارادة العراقيين واقامة ادارة عراقية اطلق عليها في حينه “الحكم الوطني” بتأسيس المملكة العراقية، وصياغة دستور للبلاد يتعهد الملك المتوج باحترامه وتطبيقه والالتزام به وانتخاب مجلس للنواب عن طريق الاقتراع المباشر واقامة حكم وطني يلتزم بالدستور ومحاسب امام مجلس النواب.
لكن الذي جرى.. ان ارادة العراقيين زورت على مدى تاريخ الحكم الملكي “38” عاما الذي لم يلتزم بدستور البلاد.
التآخي