الرئيسية » مقالات » خالد عيسى بين الواقع والخيال

خالد عيسى بين الواقع والخيال

من محاسن الخلق, أن تقول حتى للأعمى, عن عماه , حتى لا يظن بك نفاقا, فتخسر شيئاً من ثقته بك, إلا أن ليس كل العميان تستطيع أن تكون معهم صريحاً, فتخسرهم إلى الأبد .
وأنا ولكي لا أخسر السيد خالد عيسى كصديق, بعد أن التقيت به في التلفزيون الكردي روز, قدمت له مقالاً لي كنت قد رتبته للرد على الأفاقين من كتبة السيرة الذاتية لبعضِ من وجهاء الكرد!….( لظرفٍ خاص تأجل نشره) وطلبت منه راجياً أن يتخذ الحذر في بحثه الخاص عن ثورة بياندور وعن كل ما يتعلق بسيرة أشخاصها, ويستوثق الحدث, إلا أنه وللأسف الشديد لم يفي بوعده ولم يأخذ رجائي على محمل الجد!….وعاد وهو يرغي ويزبد هنا وهناك, مرة يرتقي جبال آرارات ومرة يوزع القبائل العربية والكردية بالأصل والفصل وحسب هواه, ويطرح على الملأ كل ما يملي عليه ذاكرته التي تكوّن مخزونها كمؤرخ من خلال توزيعه العلف للحيوان في الجزيرة, وهو وللأسف الشديد ما يزال يظن بنفسه موزعاً العلف للبهائم, حين أن يرسم نفسه هوميروس التاريخ الكردي, بدون أي اعتبار للوثائق الموجودة في كل أرشيفات العالم, وهي برسم المطالعة والتوثيق لمن يجد في نفسه ما بنفس السيد خالد عيسى من عشق لتدوين التاريخ وبدون مقابل!….
سأذكر من البحث الذي سماه السيد خالد عيسى بهذا الاسم, وهو وللحقيقة أقرب ما يكون إلى سيرة بني هلال, لتمتعه بالخيال الخصب وعدم تطابق أحداثه مع التاريخ المدون والموثوق!….وللمقارنة فقط , ذكر السيد خالد عيسى, في مقال سابق أن عدد الثوار الذين هاجموا الثكنة الفرنسية في بياندور بقيادة أحد أبناء حاجو, يتجاوزا الألف وبعد ذلك ذكرته بالحقيقة والمدونة في الأرشيف الفرنسي , وهو أن عدد المهاجمين لم يتجاوز الثلاثة والثلاثين, وكانوا بإمرة إسماعيل حقي قندوز, رجل تركيا الكردي, والمسئول عن خلق مقاومة للجيش الفرنسي . والأمر الثاني عن عام دخول القوات الفرنسية إلى الجزيرة, فقد حددها بعام 1925, ونحن نعرف من خلال كتبنا المدرسية وبالمستوثق الموجود في الأرشيف الفرنسي والسوري, كان ذلك في عام 1921 وقد أعدم في عام 1923 وفي التمام الساعة الثانية عشر ظهراً السيد عباس آغا محمد عباس ابن أخ سليمان آغا عباس, أغا عشيرة دوركان التي كانت وما تزال تملك العديد من القرى والتي كانت تتوزع من حول قريتهم الأم دوكر المعروفة للجميع, على الرغم من خسارتهم لبعض منها مثل قرية محركان وروتان اللتان قدمتا كهدية للمرتشين بعباس آغا لدى الفرنسيين!…
والشئ الأخر والمحير لدى السيد عيسى, تحوير الواقع الذي حصل في إعدام عباس أغا, التي كانت برصاصة في الرأس من الخلف, وليس وفاته بعد التعذيب, وأعتقد أنه ذكر ذلك, حرصاً منه على زيادة الألم المرافق للدراما التي يديرها في ملحمته!…. إلا أنه أخطأ هنا أيضاً بالتاريخ عندما عاد بالحدث إلى عام 1926. ويؤكد على الحدث, بهروب القائد الفرنسي روكان من ثكنة جنوده في بياندور بعد مهاجمة الثوار ولجوئه إلى الشيخ مشعل الجربا, وهنا أيضاً يخطأ هوميروس الكرد حين أن يخطأ في المنطقة التي تم فيها إبادة الكتيبة الفرنسية, فهو يحددها بالدمر قابو والتي كان روكان متواجداً فيها أثناء حرق الثوار لثكنة بياندور في عام 1923, وبين دياري توبي التي تم فيها إبادة ثلاثمائة جندياً فرنسياً فعلاً مع روكان, وديار توبي مرتفع يلي مدينة ترب سبي من الشرق !….
والشئ الأخر والذي لا يمكن أن يمر على مؤرخ تاريخ الكرد بسهولة, هو الخلط وعدم التميز بين أن يكون الشخص آغا وسيداً في قومه وعشيرته, وبين أن يكون مختاراً لقرية يمثل جهة حكومية , كوصفه لشخصية الآغا عباس وتعريفه بمختار قرية محركان.
والأهم من كل ذلك, بل المأساة في كل هذا, أن يعيش العلامة خالد عيسى في مدينة باريس ولا يزور الأرشيف الفرنسي ليتوثق من مما يريده لنا أن نتذكره!… والحقيقة هي أن كتاب سيرة بني هلال, ورستم ظال, استطاعوا أن يبهروننا بسرد الحوادث الشيقة, حتى وهي بعيدة عن الواقع, وهي لذلك تشكل أجمل الملاحم, فهل ينجح بذلك السيد عيسى ؟…. أرجو ذلك, مع جل احترامي للعمل الذي يقوم به .
ملاحظة: روكان القائد الفرنسي,ليس هذا هو اسمه الحقيقي, ولهذا أسأل السيد عيسى أن يتأكد من اسمه من الأرشيف الفرنسي على أقل تقدير.