الرئيسية » مقالات » العصا لمَن عصى

العصا لمَن عصى

كم كنت اكره هذه العبارة السمجة، حينما كان يردّدها معلّمي في الابتدائية، وفي المتوسطة والاعدادية ايضاً .. كانت بحق تذكّرني بان الواجب والالتزام، لا يأتي الاّ بالقوة والعنف، بل لا يكون سوى تشريعاً للعنف في حد ذاته.

قبل ايام حدا بي الزمن ان اذهب الى اعداديتي، اطلب فيها نسخة ً من وثيقة التخرّج، لأقضي بها امراً وحاجة ً في نفسي، استعدت جيداً للقاء مَدرَسَتي واتخذت التدابير الاحترازية تجنّباً لأي صدمة حنين للماضي قد تقع في اي لحظة وانا اراقب جدران الصفوف وقاعات الدروس .. من هنا دخلت، وكان الباب الامامي على حاله مذ تركته قبل اكثر من خمسة عشر عاماً، حتى انتهى بي الرواق الى موظفة التأييدات والوثائق، بصراحة كانت نشيطة جداً في عملها ودؤوبة الى درجة لم اشأ ان ازعجها بوقفتي في غرفتها الصغيرة، فخرجت لأقف امام باب غرفتها، كي استطيع سماعها اذا ما ارادت شيئاً مني.

في هذه الاثناء جاء مدير المدرسة، وبيده عصا غليظة، يسأل طالباً طالباً عن سبب وجوده في رواق الادارة، يضرب كل مَن لم يقتنع بسبب وجوده، بعدها التفت اليّ وهو يقول تفضّل استاذ، هل تأمر بشيء؟ طبعاً ليس من الصعب ان يعرف بأني لست طالباً بعد .. فكل الدلائل وفي مقدّمتها صلعتي البرّاقة، تشير الى انني رجل ترك مقاعد الدراسة منذ زمن بعيد، فلم يكن منه سوى الالفاظ الرقيقة مثل تفضّل واستاذ، بدلاً من العصا التي استخدمها مع البقية.
اجبته بأبتسامة خفيفة، (آني مو وياهم)، انا هنا اسأل عن وثيقتي لاني بحاجة لها في امر ٍ ما.
فأبتسم هو الآخر وقال، لا عليك، انا آسف، لكن هذه ضرورة العمل مع الطلاب المشاكسين وهو يشير الى هراوته.

سألته مبتسماً، ظننت بأن زمن العصا قد ولّى الى الابد، وحان وقت ثقافة التسامح والديمقراطية وصداقة التلاميذ، حسب آخر انتفاضة من انتفاضات العولمة الثقافية.

ابتسم بمبالغة شديدة وقال، بل زمن العصا قد بدأ اليوم وليس الامس، فالعصا لمَن عصى، وما اكثر مَن عَصَوا هذه الايام.

لطالما اعجبتني حكمته هذه، لكني مُصر بأن العصا، ثقافة يجب ان تغادرها عقلية المدرّسين والمعلّمين، ليكون البديل عنها التوعية والتعريف بضرورة العلم والتعلّم، دون اللجوء للعصا او اي من مشتقاتها.