الرئيسية » مقالات » بين الاستبداد و الحرية…

بين الاستبداد و الحرية…

في الحقيقة لا تقتصر الهجمات و الانتقادات “الجذرية” التي تشن على الديمقراطية التمثيلية على اليسار فقط , فاليمين أيضا له تاريخ عريق في انتقاد هذه الديمقراطية التمثيلية..هذا النقد اليميني للديمقراطية التمثيلية غالبا ما اتخذ شكل الفاشية الصريحة أو الضمنية , هذا في الغرب , يقول موسوليني في مقدمته لطبعة 1924 من كتاب الأمير لماكيافيلي واصفا هذه الديمقراطية التمثيلية :” أظهرت ( ثورات القرنين السابع عشر و الثامن عشر ) السلطة و كأنها صادرة عن إرادة الشعب الحرة , و هذه خرافة فضلا عن كونها وهم . فأولا لم يكن بالإمكان تعريف الشعب أبدا , و هذا ككيان شيء أساسي هو كيان مجرد تجريدا بحتا …. إن صفة السيادة حين تطبق على الشعب تكون سخرية مؤلمة . الشعب يرسل على أكثر تقدير ممثليه , و لكنه لا يستطيع في الحقيقة أن يمارس أية سيادة . إن النظم التمثيلية تخص الآلية أكثر من الأخلاق … و ترون أن السيادة التي تمنح للشعب باللطف تسحب منه في اللحظات التي يستطيع فيها أن يشعر بالحاجة إليها و تركها له وحده , عندما تكون غير ضارة أو ممدوحة…” ( الأمير , إصدار دار الجيل , الطبعة 23 , 1999 )..أما في مجتمعاتنا و ثقافتنا و “سياستنا” فإن أنظمة الاستبداد المطلق سواء “الممانعة” منها أو “المعتدلة” تروج عبر مثقفيها أو مؤسساتها لخطابات تعتبر هذه الديمقراطية التمثيلية حالة غريبة عن مجتمعاتنا , و ساهم هذا إلى حد كبير في تجميل هذه الديمقراطية التمثيلية محليا و تصويرها على أنها خطوة متقدمة مقارنة بالواقع الراهن , واقع استبداد هؤلاء بحياتنا..لكن دعونا نذهب أبعد قليلا , مثلا إلى فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني , الطاغية الشهير , يقول هذا الطاغية المعروف بقسوته و عدائه الذي لا هوادة فيه للحرية و المنادين بها في مذكراته : “ماذا حدث عندما أعلنت المشروطية ( أي فرض الدستور على السلطان ) ؟ هل قلت الديون ؟ و هل كثرت الطرق و الموانئ و المدارس ؟ هل أصبحت القوانين الآن أكثر تعقلا و منطقا ؟ و هل ساد الأمن الشخصي ؟ هل الأهالي الآن أكثر رفاهية ؟ هل تناقصت الوفيات و زادت المواليد ؟” ( مذكرات السلطان عبد الحميد الثاني , دار القلم , الطبعة الثانية 1991 ص 95 – 96 ) و يضيف الطاغية : ” نعم أنا أسست جهاز الجورنالجية ( المخابرات أو الشرطة السرية ) و أنا أدرته , متى حدث هذا ؟ بعد أن رأيت صدوري العظام ( الصدر الأعظم يعادل رئيس الحكومة في أيامنا ) يرتشون من الدول الأجنبية مقابل هدم دولتهم و التآمر على سلطانهم ؟ أسست هذا الجهاز لا ليكون أداة ضد المواطن , و لكن لكي يعرف و يتعقب هؤلاء الذين خانوا دولتي” ( مذكرات السلطان عد الحميد الثاني , ص 160 ) و يختم أن وزيره الداعي للديمقراطية لم ” ير غير فوائد الحكم المشروطي في أوروبا , لكنه لم يدرس أسباب هذه المشروطية و لا تأثيراتها الأخرى . أقراص السلفات لا تصلح لكل مرض و لكل بنية , و أظن أن المشروطية لا تصلح لكل شعب و لكل بيئة قومية” ( المذكرات , ص 80 )..إن هذا الخطاب تقليدي و مألوف لآذاننا , إنه خطاب تلك الأنظمة التي تسعى عبر رجال إعلامها لتبرير مشروعيتها المتهافتة مع سقوط خطاباتها و مع انهيار أحوالنا كرعايا..هذا دون أن نضيف اليهود و هيرتزل و فلسطين إلى تلك الصورة , لتصبح مجرد نسخة كربونية عما يجري و يقال اليوم..أين هو المأزق هنا ؟ المأزق الحقيقي يتمثل في هذا النوسان و التنقل الدائم بين طرفي الاستبداد و ديمقراطية النخب التي تسمى بالديمقراطية التمثيلية , هذا في حقيقة الأمر مأزق يعبر عن أزمة قوى التغيير أو ضحايا النظام السائد أكثر من تعبيرها عن أزمة النظام القائم و خاصة النخب المسيطرة على السلطة و الثروة..لقد تغيرت السلطة بالفعل في ألمانيا و اليابان بعد هزيمة النازية و النخبة العسكرية الأرستقراطية هناك , و تغيرت ربما أسماء سلاطين رأس المال قبل و بعد التغيير , لكن النظام بقي و استمر , بقيت النخب هي التي تملك و تحكم و بقي الشعب يقتات على الوهم , وهم الحرية , في مجتمع أحادي البعد كما سماه ماركوزه , في روسيا كان من الضروري تصوير يلتسين على أنه روبسبير أو ربما جيفرسون؟!! و قوبل هجوم دباباته على البرلمان الروسي ببرود من الصحافة الغربية “الليبرالية” , كما فعلت مرارا من قبل أمام صور اليابانيين ذوي الجلود المحترقة في هيروشيما أو العراقيين أو الإيرانيين الذين قتلتهم الغازات السامة لصدام فيما كان رامسفيلد يعد طاغية بغداد بدعم غير محدود في معركته ضد آيات الله في طهران..أما في العراق , ما بعد التغيير , فما نشاهده ليس إلا عملية خلق حكم طاغية جديد , إننا نجد في أسلوب التعامل مع “المعارضة” أو مع الفئات الاجتماعية و الطائفية و حتى العشائرية التي تعتبر معادية للنخبة الحاكمة , و الدمج السريع الذي جرى في الخطابات الرسمية بين مفاهيم الوطن – الدولة و حتى الشعب ( و المبالغة في تجريدها و إبعادها عن واقع الناس المباشر و تحديدا عنهم هم ) و بين النخبة الحاكمة ما يذكر بكل بساطة بممارسات الديكتاتورية السابقة و خطاب أزلامها , ناهيك عن “تغييرات” أو “إصلاحات” أكثر محدودية شاهدناها في سوريا فيما سمي بربيع دمشق و أخرى تترافق مع صعود نجم جمال مبارك في مصر , كضرورة لتمرير توريث كرسي الحكم حيث يجري استخدام وعود محدودة بالتغيير كأشبه ببساط أحمر يقود الزعيم الشاب إلى كرسي الحكم و يجري تبرير هذه المحدودية بالخوف من الفوضى و الرغبة في “إصلاحات هادئة و متدرجة , مأمونة” , إننا أمام حالة تكرار كوميدي لكنه أسود لهذا التعاقب الدائم للاستبداد و لشكل أكثر “ديمقراطية” من حكم النخب , هنا فقط يكتسب هذا الخطاب أو “نقيضه” الشعبية و الشرعية اعتمادا على قرب ذكريات الاستبداد كما في العراق اليوم أو من مساوئ ديمقراطية النخب الحاكمة و تهافتها , هذه عملية تستغرق أجيالا ( كما نشاهد اليوم في إيران حيث يبتعد مزاج النخب عن السلطة القائمة و خطابها الاستبدادي الإيديولوجي و يبدو وهم ديمقراطية النخب في مقابل هذه السلطة و خطابها , الذي يسقط تدريجيا أمام امتحان الزمان و تحقيق حاجات الإنسان , كهدف جدير و حقيقي ) و لكنها لا تتوقف أبدا عن التقدم نحو نقيضها..أما بالنسبة للناس العاديين فإن أم الفضائل هي الخنوع و الاستسلام أما “الحرية” أو الديمقراطية فهي ليست في نهاية الأمر , بالنسبة إليهم أو وفق المطلوب منهم , إلا خضوعا لا نهائيا للواقع السياسي و الاجتماعي السائد أي للنخب المسيطرة , و أي حراك أو عمل جماهيري مستقل خارج هذه السيطرة هو فوضى أو مفتاح للفوضى – الله يستر ! إن هذا تشخيص في غاية الخطأ و الغباء , إن الخطر لا يكمن في ثورة الجماهير على , أو تحررها من سيطرة , النخب , بل في هذه النخب ذاتها التي شاهدناها في العراق و لبنان و سوريا و فلسطين و في فيتنام و هيروشيما و روسيا الستالينية و في كل مكان تندفع في حروب و صراعات دموية لا تكاد تنتهي بينها , بما في ذلك حربين عالميتين , لها عنوان واحد فقط هو سيطرتها على كل شيء أو الاقتتال على نصيبها من السلطة و الثروة , إن ذنب الجماهير لا يتجاوز استسلامها الدائم لخطابات سيطرة هذه النخب و عوامل إعادة إنتاج سلطتها هذه “تجنبا للفوضى” , إن هذه السيطرة و ذلك الخنوع من جانب الجماهير بالتحديد هي السبب الحقيقي لكل الفوضى السائدة خاصة تلك الحروب الأهلية الدموية في مجتمعاتنا , هكذا يجري العمل بكل حرص من قبل النخب على إعادة إنتاج مضمون واحد فريد “للحرية” , مضمون يجعلها مقصورة فقط على فئة دون بقية البشر , بحيث تكون هذه الحرية صفة خاصة محصورة بفئة من “الأذكياء” أو “العلماء” أو العارفين بالنص المقدس حتى درجة الاجتهاد أو “الثوريين جدا” أو حتى مجرد أولاد الحسب و النسب , أما عامة البشر فهم غير جاهزين أو مستعدين لممارسة الحرية , ليسوا أهلا لها..يمكننا أن نضيف هنا بكل ثقة أن السلاطين و الملوك و الشيوخ ( احتراما للمقامات السامية العربية ) , و أشباههم من رؤساء الجمهوريات , هم أكثر حرية بما لا شك فيه من رعاياهم , من المؤكد أيضا أن أصحاب المليارات أكثر حرية من مليارات الفقراء , أن من يعرف أكثر هو أكثر حرية , من المؤكد أن المدراء أكثر حرية من مرؤوسيهم , و من المؤكد أننا نعرف عن أصحاب الفضائيات , عن آراءهم السياسية و “فضائلهم” “العديدة” و حتى حياتهم الخاصة أكثر مما نعرف عن ملايين الناس الذين يقضون حياتهم باحثين عن رغيف الخبز , من المؤكد أن كل هؤلاء السادة و العبيد مختلفون جدا رغم تشابههم الفيزيائي , و من المؤكد أننا نعيش في ظل نظام يغير جلده لكن يحتفظ بجوهره سليما “صحيحا” على الدوام , هذا الجوهر الذي يقوم على تخصيص مجموعة , فئة , أقلية من البشر دون غيرها بالمال و السلطة و المعرفة , سواء أكان هذا باسم الطاغية الراشد أو المستنير أو العلماني أو الإيماني أو باسم النخبة الحاكمة التي تعتبر أنها تمثل الشعب اعتمادا على آليات إنتاج سيطرتها الاجتماعية و الطائفية أو الدينية و لا سيما المالية سياسيا , فيما يترك بقية الناس , الذين تقرر جميع النخب و الخطابات أنهم غير مؤهلين للحرية , في جهل و فقر لا شفاء لهما , هذا هو “الوضع الطبيعي” في هذا العالم , هذا هو الأساس “الواقعي” لهذه السلطة الأبدية لمن يملك الثروة و السلطة , لمن يملكنا و يملك مصيرنا و حياتنا في نهاية الأمر…..