الرئيسية » مقالات » البروفسور توفيق رشدي والغدر البعثي

البروفسور توفيق رشدي والغدر البعثي

5 نيسان 2006

أنهى دراسته في أحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي الذي وصلها في بداية الستينات. ونال شهادة الدكتوراه في الاقتصاد والعلوم السياسية. عمل وتزوج هناك، فرزق ببنت وولد.

لكن حنينه لوطنه ولمدينته الجميلة ” السليمانية”، وحبه للشرق وصعوبة تقبل نمط الحياة هناك، و رغبته الشديدة في أن يخدم في أي بلد عربي، كان السبب الرئيسي لنشوب مشاكل بينه وبين زوجته، وزاد الهوة بينهما قراره بالسفر الى اليمن الديمقراطية الشعبية، بطلب من حزبه (الشيوعي العراقي) ، و هي كانت تعارض ذلك بشدة. فحدث الطلاق.

توجه الى أقصى جنوب الجزيرة العربية، بينما بقيا أبناءه بصحبة والدتهم.

وصل عدن اواسط السبعينات ليعمل أستاذاً في جامعتها. أحبه طلبته وزملائه وكل جيرانه، لتواضعه الجم، ولامكانياته العلمية وثقافته الواسعة. كان يهتم وبشكل استثنائي بتناول غذاء صحي (وكان طباخاً ماهراً) وممارسة الرياضة وخاصة المشي، وكان لايشرب الماء الا بعد غليه وتبريده في “فريز” الثلاجة، وقيل انه وجد بعد وفاته زجاجة الماء مهشمة في ثلاجته نتيجة انجماد الماء فيها.

سكن في حي كان يطلق عليه حي ” المنصورة” و كان من أحياء عدن الحديثة. كان الحي يتكون من مجاميع من عمارات سكنية ذو طابقين بالاضافة الى الطابق الارضي تحتوي على شقق مبنية على الطراز الاوربي المعمول به بكثرة في البلدان الاشتراكية السابقة. كانت معظم تلك الشقق تعود ملكيتها الى وزارة التربية. وكانت مخصصة لسكن منتسبيها، لان ضمن النظام الذي كان معمولاً به باليمن، ان أي دائرة مسؤولة عن توفير سكن للعاملين فيها.

لذا تجد قاطنين من مختلف الجنسيات في ذلك الحي، وخاصة من الجنسيات العربية من مصر، سوريا، فلسطين ، السودان واخيراً العراقيين. بالاضافة الى بعض الهنود والروس والهنكاريين ( المجريين) والبلغار ، رغم أن الاوربيين عموماً كانوا يفضلون السكن في الفنادق، لما توفره لهم من خدمات مختلفة.كما تجد بعض العوائل اليمنية من موظفي الوزارة المذكورة. اي ان معظم الساكنين هم من المدرسين في الثانويات والجامعات اليمنية، والتي كانت تتعاقد معهم دولة الكويت وتدفع رواتبهم كجزء من معونة لهذه الدولة العربية الفتية، وفق عقود عمل توقعها وزارة التربية مع من تحتاجهم من اساتذه ومدرسين وبمختلف الاختصاصات للعمل في الجامعات اليمنية ومدارسها. بينما اتفق الحزب الشيوعي العراقي مع الحكومة اليمنية، على تعيين العراقيين بعقود محلية؟ أسوة باليمنيين حتى تتمكن الدولة من استقبال أكبر عدد منهم!

سكن أحدى تلك الشقق في الدور الثاني والتي كانت تقابل مساحة جرداء واسعة، خطط لها أن يكون متنزهاً ولم ينفذ المشروع بعد. لذا كان مسرحاً يتجمع فيه الاف الغربان؟؟؟!!!

تلك الغربان حسب ما علمنا انها جاءت مع الجيش الانكليزي من أجل التخلص من الثعابين والعقارب التي كانت تكثر في المنطقة، ولكنها بدورها قضت على جميع انواع الطيور الاخرى، واصبح فضاء عدن خالياً الا من صولاتها وجولاتها.

كان في المساء يجلس في الشرفة الصغيرة المطلة على ذلك “المنتزه”، وبنباهته المعهودة، كان قد لاحظ وجود غراب مرقط يختلف عن بقية السرب المتوشح بالسواد. كان الغراب المسكين يعامل بقسوة من أبناء جلدته، لذا وجد في ذلك شيئاً مؤلماً ومسلياً، مما أثار فضوله لمتابعة سلوك هذا الطائر الذي يتشائم أبناء وطنه من نعيقها. كان يسعده أن يخبرك عن مدى التآلف الموجود بين تلك الطيور، وكيف انها تهب لمساعدة اي منهم اذا أحتاج للمساعدة، وخاصة عندما كان يسقط صغير منهم ويهبون بالاف لنجدته، ويشنون هجوماً جماعياً على اي شخص يفكر بالاقتراب منه.

كان الشهيد لذيذ المعشر، يجيد الفكاهه وله سرعة بديهية غريبة مما كانت تسبب له مشاكل وخاصة مع زميله وصديقه من أيام وجوده في الاتحاد السوفيتي وكان هو الاخر قد انهى دراسة الدكتوراه في نفس الاختصاص من جامعة طاشقند، وهو كوردي من أهالي كركوك، ويسكنان في نفس العمارة ويعملان في الكلية ذاتها. لذا لم يكن غريباً ان تسمع اصواتهما ترتفع في مشادة لتنتهي كأن شيئاً لم يكن.

عند وصوله لعدن كان ما زال الحزب الشيوعي العراقي يرتبط بتحالف مع حزب البعث، ورغم انه كان لايكن لاي بعثي مودة أو أحترام ، لانهم بالاضافة الى أختلافه الفكري معهم، كانوا سبب غربته وترحاله. غير انه كان مجبراً ان يحضر مع أعضاء السفارة العراقية المناسبات التي كانت تعقد في اليمن ، لكونه كان ممثل للحزب الشيوعي العراقي هناك. و مع تدهور الاوضاع بين الحزب الشيوعي والسلطة في بغداد واضطرار الكثيرون الى الهرب والذي كان هو من يستقبلهم لدى وصولهم اليمن. فضل الابتعاد وتجنب اي ممن ينتسبون للسفارة العراقية، وكذلك العاملين في شركة الاسماك اليمنية والذين قدموا الى اليمن من قبل الحكومة العراقية. وكان معظمهم أعضاء في الاستخبارات العراقية.

قبل قراره بقطع العلاقة مع السفارة ، كان له رغبة في أعادة زوجته لعصمته، لذا كان يجب أن يتزوجها مجدداً وبشكل رسمي، وكانت السفارة السوفيتية قد طلبت منه رسالة تأييد من السفارة العراقية، كونه من أحد مواطنيها ، وحتى يتم له ما يريد. فتقدم بطلب للسفارة حول ذلك ، ولم يتم أستجابة لطلبه وانما كانوا يماطلون فيه بحجة يجب أن تأتي الموافقة من بغداد ؟؟؟!!!.

في ذلك المساء من الاسبوع الاول من حزيران 1979، كمنوا له وهم يعرفون كل خطواته، كان قد خرج ليقوم بجولته في المشي فقرروا انتظاره بالقرب من العمارة التي يسكن فيها.

كان للبروفسور رشدي شخصية حذرة جداً ، وكان لا يفتح باب شقته حتى يتأكد من الطارق . لذا فضلوا ان ينتظروه عند المنعطف الى بيته. كان الظلام لم يحل بالكامل بعد. عندما وصل فنزل أحدهم من السيارة ليكلمه ويخبره أن الموافقة على طلبه قد وصلت منذ فترة وهم أتصلوا به مراراً ولكنه لم يجدوه، وطلبوا توقيعه على ورقة معينة. عندها قال انه لا يستطيع قراءة الورقة بسبب الظلام وانه لا يستطيع ان يوقع عليها دون أن يعرف محتواها، اقترحوا عليه أن يدخل السيارة ويستطيع ان يقرأها على ضوء الموجود داخلها، ولكنه رفض وعندها حاولوا ادخاله بالقوة وأشهروا عليه مسدس. لكنه لقوته تمكن من الافلات منهم، و صار يصرخ ” السفارة العراقية تريد قتلي” في تلك اللحظة افرغوا رصاص مسدسهم فيه وصعدوا السيارة وولوا هاربين على الطريق البحري ليصلوا الى مبنى السفارة العراقية ويختبأوا فيها.

ولكي لا تموت الجريمة، كان هناك شاهد عيان شاهد وسمع كل شئ ، هي فتاة يمنية كانت واقفة في شرفة منزلها ولم يلحظها القتلة. فاتصلت بالشرطة واخبرتهم بكل شئ.

في الوقت ذاته كانت الميليشيا الشعبية في منطقة خورمكسر بعدن قد لاحظت سيارة مسرعة ، مطفئة الانوار تدخل المنطقة، ولم تتوقف لدى الاشارة اليها بذلك. مما اضطرهم الى متابعتها، حتى دخلت مبنى السفارة العراقية. فأعلموا السلطات العليا بذلك.

نزل خبر أغتيال البروفسور توفيق رشدي، والذي عثر عليه غارقاً في دمه، وقد فارق الحياة على بعد خطوات من بيته، كوقوع الصاعقة.

استنفرت الدولة كل قواتها، واصيب الجميع بالذهول، كانت اول جريمة من هذا النوع تقع في هذا البلد المسالم البعيد. والذي كان يعج بأعضاء من كل حركات التحرر العربية. مما اوجب على الحكومة أن تأخذ موقفاً حازماً. حتى لا يفكر اي طرف آخر للجوء الى هذا التصرف ضد خصومها السياسين، كما كانوا يشعرون بأهانة كبيرة وبجرح في كرامتهم.

واجه الامن اليمني مشكلة في فهم اللهجة العراقية، لذا كانوا مضطرين للاستعانة بالعراقيين الوافدين حديثاُ بالتنصت على مكالمات الدبلوماسيين العراقيين والعاملين في السفارة. الغريب في الامر رغم أن بعض المنظمات الفلسطينية كانت تعرب عن سخطها لهذا العمل الجبان وتعلن دعمها الصريح للحزب الشيوعي العراقي. كانت تتصل بأعضاء السفارة العراقية وعائلاتهم لتعرب عكس ذلك.

كان القرار قد اتخذ “ان لا تمر الجريمة بدون عقاب”. ويجب جلب الجناة الى المحاكمة. وبما ان القتلة من الدبلوماسيين وأتخذوا من السفارة ملجاً لهم، لذا تم دعوة كافة أعضاء السلك الدبلوماسي الموجود في عدن وبضمنهم السفير العراقي الى الخارجية اليمنية.

في هذا الوفت حاصرت القوات اليمنية مبنى السفارة العراقية ولما امتنع الجنات عن الخروج من مبنى السفارة ، اطلقت دبابة اطلاقة واحدة نحو السفارة مما اضطر المطلوبون الى الخروج ورفع رايات بيضاء معلنين عن تسليم انفسهم.

في بغداد كان قد قطع الماء والكهرباء وسبل الاتصال عن سفارة اليمن الجنوبية وبشكل كامل منذ اليوم الاول للاحداث.ثم امطرت بوابل من النيران.

أعلن عن يوم التشييع وفي منطقة سكن البروفسور الشهيد،كنت ترى الحشود وهي تقبل على المنطقة من كافة ابناء الشعب اليمني من نساء واطفال وشيوخ وشباب ،طلبة المدارس والكليات، موظفين و عمال.وكذلك كافة القيادات الحكومية والحزبية ومنظمات العاملة في عدن والسلك الدبلوماسي الاجنبي والعربي وجميع الجاليات، كانت عدن قد خرجت على بكرة أبيها في حالة لم تشهد لها في حياتها فالجميع مفجوع بما حدث.

سارت الجموع وتتقدمهم القيادة اليمنية، تشيع الجثمان الى مثواه الاخير في مقبرة الشيخ عثمان، مروراً بالاحياء والاسواق التي كانت تقفل ابوابها لتلتحق بالموكب وهي تهتف “يا بغداد ثوري ثوري خلي البعث يلحق نوري”. فوصلتها مع الغروب، وكانت شمس المغيب تصبغ السماء بحمرتها والحشود تغني ” سنمضي سنمضي الى ما نريد وطن حر وشعب سعيد” . والدموع تنهمر من عيون الرجال والنساء على السواء. ولا أعتقد ان تلك اللحظات المهيبة ستنسى من ذاكرة من شهدها.

بدأت مجريات المحاكمة العلنية والتي كانت تبث من قاعة المحكمة على الهواء مباشرتاً، وشخوصها البارزة على ما اتذكرهم القنصل العراقي عبد الرضا سعيد وكان من أهالي بعقوبة، و سمير بشير من أهالي الموصل ولا أذكر بالضبط ان كان مستشاراً او ملحقاً في السفارة وحارس السفارة الذي لم أعد أتذكر أسمه ولكنه كان أكثر المتهمين ، أجادة للهجة اليمنية؟؟!!.

اتضح من التحقيق ، ان الورقة التي كانوا يريدون أجبار البروفسور الشهيد على التوقيع عليها ، هي رسالة موجهة الى الشخصية السياسية المعروفة محمود عثمان، على أساس انه (أي البروفسور رشدي) يزكي الشخص حامل الرسالة وانه مرسل من طرفه. في محاولة يائسة من السلطة الفاشية بزج جواسيس في الحركة التحررية الكوردية.

كما أظهرت تلك المحاكمة بجلاء خسة ودناءة الحكم في بغداد الذي استغل الظروف الصعبة لبعض أعضاء هيئته الدبلوماسية ( مرض زوجة عبد الرضا سعيد وحاجتها للعلاج) ليزجهم في عملية الاغتيال الجبانة. وكشف عن دور السلك الدبلوماسي العراقي وارتباطه باجهزة الامن والمخابرات، والاغرب أن الاوامر كانت تأتيهم من حارس السفارة لانه كان أعلى منهم رتبة في الاستخبارات والحزب؟؟؟!!!

تلك كانت محاكمة حقيقية لازلام السلطة الفاشية في بغداد ، وفضح حقيقى ومبكر لشخوصها. في وقت كان العالم بأسره يقف الى جانبها. أ

علنت المحكمة بعد أن كشفت كل شئ ، ان القضية ليست من صلاحياتها. وتم تسليم المتهمين الى الحكومة العراقية ، ونقلا عن أقاربهم فيما بعد، قيل انهم تعرضوا الى تعذيب وحشي في اجهزة المخابرات والامن في بغداد بسبب أعترافاتهم تلك. ثم رموا بهم عاجزين بشكل كامل، عند ابواب منازلهم في أحدى الليالي، كعادة عرفت بها السلطة في تلك الايام، قبل أن تتحول هذه العادة الى وضع جثث مشوهه لاشخاص أعتقلوا سابقاً من قبل الزمرة الفاشية، في أكياس بعد تصفيتهم وتركهم عند أبواب دورهم في أحسن الاحوال*.

في النهاية ، ليس لنا سوى أن نذكر بأجلال أعضاء حكومة اليمن الديمقراطية الشعبية الميتين والاحياء منهم ، الذين رفضوا المساومة على كرامتهم ومبادئهم ،رغم أن حكومة العراق كانت تمنحهم معونة مادية سخية قطعتها على أثر ذلك الموقف الشجاع، وهم كانوا بأمس الحاجة لها.

الف تحية أجلال للشعب اليمني في الجنوب الذي وقف مع العراقيين في محنتهم.

والمجد والخلود للشهيد البطل البروفسور توفيق رشدي

والخزي والعار لقتلة الشعب العراقي


* قارن بين هذه الممارسة وما يحدث في الوطن الجريح هذه الايام ، لتعرف من هم فاعلي هذه الجرائم.