الرئيسية » مقالات » محكمة العصر – مرة أخرى

محكمة العصر – مرة أخرى

14 أيلول (سبتمبر) 2006

سبق وأن كتبنا وتطرقنا الى محاكمة طاغية العصر صدام حسين ، وذكرنا أن الشعب العراقي بملاينيه ، انتظر هذه المحاكمة لتكون “محكمة العصر” ، ولكنها وللاسف تحولت الى “مهزلة العصر”.

لم أعرف وأنا اتابع جلسات المحاكمة عبر التلفازمنذ بدأت النظر في قضية الانفال، ما الذي كان يجعلني أتذكر القاضي الأسبق رزكار أمين، كلما رأيت القاضي الحالي العامري ،رغم عدم وجود أي شبه في الشكل أو الاسلوب في أدارة المحاكمة. وأخيراً أكتشفنا السبب، فكليهما كانا يشتركان بمجاملة الطاغية وزبانيته على حساب المشتكي والشاهد، كما كانا يسمحان للمتهمين في قفص الاتهام في التمادي على الشهود الذين فقدوا أحبتهم وتحولت حياتهم الى مأساة متواصلة منذ وصل البعث الى السلطة. بينما كانوا غلاض في أسكات الشهود المساكين، الملئى بالمرارة والحزن، عندما يحاولون التعبير عن معاناتهم بفقد أحبتهم. فأذا كان عذرنا للاول هوعدم تمكنه من اللغة العربية، فما هو عذرنا للاخير؟

تهم الماثلين أمام العدالة هي قتل ملايين، عبرتصفيات وأبادة جماعيةعلى أساس عرقي وطائفي وجرائم ضد الانسانية، مستخدمين أبشع الاسلحة المحرمة دولياً ومنها الكيمياوية ،ضد سكان آمنين في قراهم، ثم حجز من تبقى منهم وبضمنهم النساء وأطفال في معتقلات وتحت ظروف لا انسانية انتهاءاً بدفنهم أحياء في مقابر جماعية. هذه هي التهم الموجهه الى هؤلاء يا سيادة القاضي ان كنت لا تعلم ، أو كنت في غيبوبة. ولو كانت لديك ذرة من الانسانية ، لما تجرأت على أسكات اهالي الضحايا بهذه النبرة الاستعلائية،الاقرب الى العدائية وبتلك الحركات المنفعلة التي تحاول أن تبريرها بتلك الكلمات أقل ما يقال عنها (سخيفة). لا تنسى أن المحاكمة يتابعها الملايين، وليس كلهم من السذج والمعتوهين الذين ما زالوا يطبلون لبطولات الطاغية الذي وجد في حفرة الجرذان منتوف الشعرهارباً من ساحة الحرب الذي ورط شعبه بها، بينما كان جنوده الابطال يهربون أمام كاميرات العالم بملابسهم الداخلية.

ذلك هو بطلكم المغوار الذي تنفتح أساريرك وانت تتحدث اليه، كأنك تستهزء بالشعب العراقي ومن ينتظرون منك أن تحكم بالعدل، على قاتل فلذات أكبادهم، ومهدم دورهم وقراهم عدا زج البلد في حروب متواصلة لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وهدر الاموال، والعودة ببلد الحضارات والثروات الى ما قبل التاريخ، وما القتل والارهاب اليومي وبدم بارد الذي يحصل اليوم الا امتدادا لتلك الجرائم البعثفاشية.

سيادة القاضي، كيف يمكن لك أن تبرئ صدام من تهمة أعترف بها بنفسه، فأذا كنت متابعاً لمجريات المحاكمة عن القضية السابقة قضية الدجيل ، فقد أعترف صدام عن مسؤوليته عن كل الاوامر والقرارات التي كانت تصدرفي فترة حكمه وانها كانت تصدر منه وبشكل مباشر ، وذكر أنه يتحمل توابعها وليس هناك أي شخص وحتى في قيادة الدولة والحزب كان يشاركه في أصدار كل هذه القرارات. هذه هي الدكتاتورية يا أستاذ ،التفرد بأتخاذ القرارات ، وعدم أستطاعة أي شخص مناقشته، انما التنفيذ كان لزاماً على الجميع، هذا اذا كنت لا تعرف تعريف الدكتاتور ولم تسمع به سابقاً. والطامة الكبرى محاولتك الصاق التهمة بالاخرين ممن كان يحيطون به، فهل تفتينا من هم من قصدتهم بعبارتك تلك “هم صنعوا الدكتاتور”، لنحملهم تباعات جرائمه، ونوفر عليك وعلى أنفسنا، الوقت والاموال المهدورة على محاكمة ،قد اصدرت حكمك فيها مسبقاً.

سيادة القاضي، عبارتك التي صدرت منك ما هي الا تعبر عن تفكيرك البعثي الصرف ولا يمكن أن يكون غيره ولم يعد ينفع محاولتك أخفاء مشاعرك الحقيقية خلف وجه جامد خالي من التعابيروالمشاعر،ذلك القناع الذي كنت تحاول الاختباء خلفه منذ توليك هذه القضية، وكل تبريراتك وتبريرات غيرك لا تنفع . ولا نعتقد انه هناك مصداقية لاي محاكمة انت تديرها بعد اليوم.

أما في محاولة صدام بالدفاع عن نفسه، انه كيف يمكن للمشتكي، أن يثق بأنه سيقابله ، وهو من يوصف بالدكتاتور، والذي أزاد القاضي المحترم من عنده، ( خلال ثلاث أيام )، التي فات الدكتاتور ان يذكرها.

أن تلك الحادثة تؤيد تهمة الدكتاتورية ولم تنفيها. فمن المعروف لدى العراقيين والذين عاشوا في العراق في فترة السبعينات، بأنه كان هناك خطا تلفونياً مباشراً، يمكن التحدث من خلاله الى صدام حسين وهو كان يلقب بالسيد النائب، والجميع في العراق كان يعرف أنه الامر الناهي في الدولة انذاك. أي بمعنى آخر عندما كانت العوائل تفقد أحبتها دون أثر ، أو يحتجزون لاسباب مجهولة، وعند عجزهم من الحصول على جواب رغم طرقهم جميع الأبواب. كان يتطوع (أبن حلال) من العراقيين، (مثل شخصية ألآمر) الذي تحدث عنه المشتكي اليوم في المحاكمة، ويخبره أن أوامر الاعتقال صادرة من صدام حسين، وليس هناك من سبيل لحل قضيتك الا عنده. وهذا بالضبط ما حدث معنا، لدى أعتقال أخوتي والذي كان أحدهم لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره، وأخذ من بوابة مدرسته وهو الذي ذهب ليعرف نتيجة السعي السنوي الذي يؤهله لدخول أمتحان المتوسطة في ذلك العام 1977. ولدى مراجعاتنا لكل دوائر الدولة من الشرطة والامن والاستخبارات والاستخبارات العسكرية وحتى وزير الدفاع. كان الرد دوماً “غير موجودين عندنا”، ولما رأى احدهم والدتي وهي في هذه الحالة التي يرثى لها، ، اخبرها أن كانت تستطيع أن تصل الى صدام حسين، لانهم محتجزون بأمر مباشر منه؟!

لا اريد أسرد تفاصيل الاتصالات وبالاشخاص والمسؤولين والرشاوي التي دفعت لزبانية الدكتاتورية، ولكن في النهاية أدت الى حصول والدي على موافقة بلقاء صدام حسين ، وسوف لا أتطرق الى المحادثة التي حدثت بينهما، والتي تمنح أي شخص الجرئة لمواجهة الدكتاتور كما ذكره المشتكي بالامس، فمنها عندما ذكر والدي ،”انهم صغار في السن ولم يقترفوا ذنباً، ونرجو ان يحالوا الى المحكمة لينالوا جزاءهم” ان كانوا مذنبين، لم يجد الدكتاتورما يقوله سوى ، “يكفيهم انهم أكراد”، مع وعد بأطلاق سراحهم في العيد؟؟!! بعد أن ذكٌرَ والدي بالشيم العربية، عندما يستجير أحد بهم؟؟؟!!! أوفى صدام بعهده ، وأطلق سراحهم ، بعد أن صدرت أوامره لزبانيته بتنفذ جريمتهم . أعادوهم لاهلهم بعد أن تأكدوا أن السم الذي وضع في طعامهم قد بدأ مفعوله، وليس لهم من الحياة وقت طويل. وفعلا بعد اطلاق سراحهم بثلاثة ايام اصابهم الشلل وقد انتقلوا الى رحمة الله في اليوم الخامس.

هذا ما يؤكد أن الطاغية، كان يعلم بكل ما يجري في البلد، و كل شئ يسير حسب أوامره. وما كانت تلك اللقاءات والمكالمات الهاتفية سوى مصدر آخر، ليتأكد أن أوامره تنفذ، وأن ليس هناك من يفعل شيئاً مغاير لما يريد. فهذه تثبت تهمة الدكتاتورية ومسؤوليته عن كل تلك الجرائم وليس العكس.

وآخر مهزلة كانت أن يطلب صدام السماح لاهالي الجنود الذي كانت السلطة تزجهم في حروبها ضد أخوتهم الكورد برفع دعاوي، متناسياً، أن الكورد كانوا آمنين في مدنهم وقراهم وعلى ارض أجدادهم ، يطالبون بحقوقهم المشروعة، ولم تسجل لهم أي عملية خارج مناطقهم، ولم يستخدموا لا السيارات المفخخة ولا المفخخات البشرية في الاسواق والمساجد والحسينيات ومواكب الاعراس او المآتم، ولا اختطاف الابرياء وذبحهم كما تفعل مقاومتكم ( الشريفة جداً) من التحالف البعثسلفي الساقط، ومن تتلمذوا على يد الطاغية.