الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل – مشاهدات عيانيه عن الحقبه الصدامي ه – القسم الخامس

حرب وسجن ورحيل – مشاهدات عيانيه عن الحقبه الصدامي ه – القسم الخامس

بعد انتهاء تلك الأعمال التي أوكلها لنا ( نجم الشاوي ) بحدود عشر ساعات في اليوم من عملية تفتيش السيارات نرجع ألى مقرنا ويبدا بتوجيه الأسئله ألينا ماذا وجدتم ؟ هل وجدتم أشخاص يحملون أسلحه ؟ هل وجدتم سيارات لاتحمل أرقاما ؟ ماهو شعور الناس تجاه قادسية صدام المجيده ؟ وهل رفض أحدهم أن تفتش سيارته ؟وغيرها من الأسئله الكثيره وكان يقول هناك جواسيس لأيران توغلوا بين الناس ولدينا أسماءهم وسنعطي لكل مجموعه قائمه من هذه الأسماء ولابد من ألقاء القبض عليهم في أقرب وقت .

كان يجري علينا التعداد يوميا ويسجل أسماءنا كل صباح وكان العديد من المسؤولين البعثيين يأتون ألى نجم الشاوي هذا ويجتمعون به في غرفته الخاصه ويذهبون وقد تم بعد ذلك تغييب العديد منا بحجة أنهم متعاطفين مع أيران ولم يستطع أحد أن يسأل عن مصيرهم وقد عرفت فيما بعد أنهم أعتقلوا في السجون بحجة أنهم من ( التبعيه الأيرانيه

في أحدى الصباحات أمرنا نجم الشاوي أن نتجمع قبل الوقت المخصص لنا بساعه وقال ستتوزعون على المراكز المهمه في المدينه وهناك مضادات للطائرات سيكون واجبكم حمايتها ليلا .

كان نصيبي مع أثني عشر شخصا لحراسة أحدى الدوشكات في منطقة ( الكارضيه ) وهي تقع خارج المدينه بعدة كيلو مترات وكنا نحشر في كل مساء من منطقه معينه في زيل عسكري قديم للذهاب ألى تلك الرباعيه وحمايتها في الليل بعد رجوع الطاقم المسؤول عنها في النهار وكنا نقضي الليل لحماية هذه القطعه الحديديه ونحن غير مدربين عليها مطلقا وبقينا على هذه الحاله طيلة شهر تشرين الأول وتشرين الثاني وكانون الأول . كانت هذه الرباعيه المضاده للطائرات تقع على تله ترابيه في وسط الأشجار وقريبه من نهر دجله وتقع تحت التله خيمه ممزقه ويتناوب على حراستها أثنان لمدة ساعتين والبقيه يبقون داخل الخيمه ثم ننتظر حتى العاشره صباحا ألى أن يأتي الزيل العسكري بالطاقم النهاري ويرجعنا ألى بيوتنا ونحن في حاله من التعب والأعياء الشديدين لأن فينا العديد من المرضى وكبار السن والحرمان من النوم في تلك الليله وأغلبنا من المعلمين والموظفين نذهب ألى دوائرنا متأخرين وقد أرسل الحزب كتابا ألى دوائرنا يسمح لنا بنصف دوام وكان هناك شخص يسجل الغائبين عن حراسة الدوشكه وهؤلاء كانوا يسجنون في غرف خاصه داخل القياده العامه للجيش الشعبي وفي ظروف سيئه لمده يقررها قائد الجيش الشعبي في المنطقه وبأمر من قائد الجيش الشعبي النائب ضابط ( طه ياسين رمضان ) . ومن الطريف أن أذكر أحدى الحوادث التي حصلت لنا أثناء حراستنا لتلك الرباعيه ففي أحدى الليالي البارده جدا دخلت خيمتنا الممزقه كلبه ومعها ثلاثة جراء صغيره حيث اندفعت بسرعه وقبعت في أحدى زوايا الغرفه مع جرائها وقد حاولنا أخراجها في بداية الأمر لكنها رفضت وأخذت تنظر ألينا نظرات كلها استجداء وطلب العطف وتخرج أصواتا ضعيفه من شدة الجوع والبرد والله يشهد أني لمحت في عينيها دموعا تترقرق فبادرت بالقول لأصدقائي أنها طلبت حمايتكم فاتركوها وتركناها حتى طلوع الشمس وهي تحضن جراءها وقدمنا لها بعض الطعام الذي كنا نجلبه معنا وخرجت طواعيه مع جرائها بعد شروق الشمس متجهة نحو النهر .

بعد هذه المهمه التي طالت ثلاثة أشهر أدرك النظام العراقي أن الحرب سيطول أمدها وأن الأيرانيين يراهنون على عامل الزمن بعد أعادة تنظيم صفوفهم وأخذوا يرددون بالفارسيه في وسائلهم الأعلاميه ( جنك جنك تو بيروزي ) أي حرب حرب حتى النصر

بعد هذه المهمه التي دامت حوالي الثلاثة أشهر جاءنا أمر آخر بالتهيؤ والأستعداد لمهمه جديده ولم يسلم من تلك الأوامر موظف أو كبير السن أو متقاعد وقد أخذ المصريون والسودانيون والأردنيون يأتون بأعداد هائله ليحلوا محل هؤلاء الموظفين الذين تم تحويلهم ألى عسكر مابين عشية وضحاها والذي يرفض فالتهمه جاهزه أنه ( متخاذل وجبان ) وعدو للحزب والقائد وهو وعائلته سيسجل في القائمه السوداء والعراقيون جميعا يعرفون مامعنى القائمه السوداء في زمن صدام والسجون تحت الأرض وفوق الأرض تشهد على ذلك .

أمرنا أن نذهب ألى ملعب مدينة الكوت وبقينا عدة ساعات واقفين خطوطا كالأسرى وحضرت قيادة الحزب والجيش الشعبي في المدينه وتم تطويق الملعب وجاء نجم الشاوي ووقف أمامنا وبيده السجل الذي فيه أسماءنا وتم تسجيل بعض الأشخاص الغائبين وأرسل نجم الشاوي عدة أشخاص ألى دورهم لتبليغهم أن الأمر خطير أذا لم يحضروا وبعد الأخذ والرد والمشاورات بين القياده الحزبيه وقيادة الجيش الشعبي أخذ مسؤول الحزب يتكلم عن ( قادسية صدام ) واهميتها للعراق والأمه العربيه وأن كل من يشترك فيها سيعلق وسام شرف على صدره وأخذ يسب ويشتم الأمام الخميني والقياده الأيرانيه ثم قال ( لقد اختارتكم القياده للأشتراك في قادسية صدام المجيده كمقاتلين في الجيش الشعبي ضد العدو الفارسي المتغطرس الذي صم آذانه عن وقف الحرب

والذي لايرغب في القتال يرفع يده ) ولم يرفع أحد يده لأنه كان يعرف أن نهايته محتومه .

تم تسجيل أسماءنا وأمرنا أن نأتي ألى المكان غدا الساعه السادسه صباحا .

تجمعنا في اليوم الثاني وكان عددنا كبيرا يربو على الألف وكانت السيارات العسكريه جاهزه وبعد أن قرا كل مسؤول أسماء جماعته حشرنا في سيارات زيل عسكريه توجهت بنا نحو ناحية الحسينيه التابعه لمدينة الكوت حيث أعدت مئات الخيام المتلاصقه مع بعضها .

كانت المنطقه واسعه مليئه بالأحراش والعاقول والجو في غاية البروده في بداية شهر كانون الثاني وو صل العدد ألى أكثر من ألفي شخص من كافة محافظة واسط وطلب من كل عشرة أشخاص الدخول ألى خيمه وكانت الخيم صغيره لاتسع لعشرة أشخاص ولكن الأمر كان صارما تحت شعار كبير ( نفذ فورا وبلا نقاش ) لقد كان اسم المعسكر ( معسكر النصر ) تحيط به حوالي 60 صوره كبيره لبطل القادسيه صدام حسين وشعارات بعثيه كثيره كتبت على لافتات وقائد المعسكر يقرأ التعليمات بالميكرفون وقد أختار له خيمه كبيره مع عدد من الخيام لمساعديه وأمرنا بأن نستعد ليوم غد حيث يبدأ التدريب

دقت الصافرات الساعه السادسه صباحا ايذانا ببدأ التدريب وأمرنا أن نقف بالملابس الداخليه وكل مسؤول يتسلم 60 رأسا من المتطوعين كما أسمونا وهؤلاء الستون شخصا يخصص عريف لتدريبهم وبعد ساعه بدأ التدريب بالركض نحو الأمام لمدة ساعه دون توقف والعريف يركض وراءنا ويهتف بحياة صدام حسين وكان علينا ترديد مايقوله أثناء الركض والذي يتوقف يضرب من قبل العريف بقسوه وكان يردد دائما( هذه أوامر عسكريه ماكو مدرس طبيب مهندس آني أعرفكم مقاتلين خريج مريج كله بالبريج واللي مايصرفله هذا الحجي يضرب راسه بالحايط ).

كان الركض قاسيا وطويلا ولا يتناسب مع بعض الأعمار المتقدمه في السن وكان البعض يسقط على الأرض ويسمع أقذع الألفاظ فوق مصيبته وغالبا ماكان هؤ لاء يتهمون بالتحايل والهروب من التدريب ولم أجد طبيبا يفحص هؤلاء المساكين ويعاد تدريبهم في اليوم الثاني ويسقطون مرة أخرى ويستمعون ألى كلمات الزجر والأحتقار وهكذا وكان قائد المعسكر شخص عسكري برتبة مقدم أسمه ( علي ) سيئ الخلق وبذيئ الكلام يطل علينا أثناء التجمع وينظر ألينا نظرة احتقار واستصغار ويردد أن العراقيين صناديد لايمرضون وعزيمتهم من عزيمة القائد المنصور صدام حسين والمتحايل سنحيله ألى محكمه عسكريه لينال جزاءه وقد قال له أحد الأشخاص أنني مصاب بجلطه في القلب وأحمل تقارير طبيه وآخر اشتكي من مرض آخر فأجابهم بكل برود عندما يأتي الطبيب نكشف الصادق من الكاذب ولم يأت ذلك الطبيب الموعود طيلة فترة المعسكر التي دامت أسبوعين .وكان التدريب على استعمال البندقيه والركض واستعمال الرمانات اليدويه والألغام وغيرها وبعد انتهاء فترة المعسكر منحنا أجازه لمدة يومين وأمرنا أن نأتي في اليوم الثالث وفي ساعه محدده ألى ملعب المدينه للتوجه من هناك ألى جبهات القتال .