الرئيسية » مقالات » حين يصبح المرء وحشاَ كاسرأ

حين يصبح المرء وحشاَ كاسرأ

الأثم لا يولد مع الأنسان ، ولا يشكل جزءأ من طبيعته ، وإنما لأسباب تتعلق بظروفه .


أصابتني الدهشة والحزن حين قرأت في موقع صوت العراق الخبر الآتي :

” ألقى أحد منتسبي افواج شرطة طواريء محافظة كركوك ، ويدعى علي شكر ، بأطفاله الثلاثة في النهر في قرية البشير ، إنتقاما من زوجته، التي يريد تطليقها . ” وحسب ما ورد في الخبر ” ان عددا من أهالي قرية البشير توجهوا الى مخفر الشرطة وطالبوا بإتخاذ إجراءات ضد زوجة علي بسبب تصرفاتها ” غير الأخلاقية ” حسب زعمهم مما أثار غضب الزوج .

وحين سُئل الزوج عن سبب إلقائه لأبنائه ، الذين تتراوح أعمارهم بين ثمانية أشهر وثلاث سنوات ، في النهر أجاب الأب المتهم قائلأ : ” لا اعرف ماذا فعلت ، كل ما في الأمر ، إنني أردت أن انتقم من زوجتي … ”

كنت اعرف ومنذ أن غادرت العراق في سبعينيات القرن الماضي ، أن الزوج يقدم على قتل زوجته عند اكتشافه خيانتها له غسلا للعار،( أما حين يخونها هو فلا ضرر في ذلك وعليها أن تتحمل وتصمت خوفا من إنهيار عائلتها خاصة إذا كان لديها أطفال ) .لكن لم اسمع بأن قام أب أو أم بقتل الأبناء بسبب خيانة أحدهما . انا لا أظن ان الظروف التي يمر بها العراق والموت الذي خيّم على سماءه منذ أكثر من خمس سنوات في منأى عن ذلك .ففي الوقت الذي تُطلق فيه أصوات المثقفين والمخلصين من أبناء العراق لحماية الطفل وإحترام حقوقه وتقديم المساعدات المادية والمعنوية له ، يُقدم أب بقتل أطفاله الثلاثة إنتقاما من زوجته ( الخائنة ) . ألا يكفي العنف الذي يتعرض اليه الطفل العراقي على أيدي العصابات المجرمة ، ليتعرض الى قسوة الأهل لتصل حد القتل ؟ و كيف يُقدم الآباء أو الأمهات على قتل فلذات الأكباد لذنب لم يقترفوه ؟ وما ذنب الأطفال حين يخطيء آباءهم ؟

ذكّرتني هذه الحادثة البشعة بمسرحية للكاتب اليوناني يوربيدس بعنوان ” ميديا “. فالمسرحية تحكي قصة إمرأة تكتشف خيانة زوجها وعلاقته بإمرأة اخرى بعد عشر سنوات من الزواج . و ردا على القهر والخيانة التي لاقتها من زوجها ، تقوم بقتل أعز ما لديها وهم أطفالها .

أظن إن معظم الرجال يدركون ما يفعلونه بقلب الزوجة والأم عندما يقدمون على الزواج من غيرها ، أو على إقامة علاقة مع إمرأة اخرى .. بينما تحيا هي في عالمها المحدود بلا طموح ولا حياة خارج نطاق الأسرة والزواج ، لكن ذلك لا يعطي مبررا ليقوم المرء بقتل فلذة كبده .والجريمة التي ارتكبها علي بشر بحق اطفاله ما هي إلا من إفرازات الإرهاب والجوع والجهل الذي يُنشر في العراق منذ اكثر من خمس سنوات .

فلترتفع أصواتنا جميعا من أجل حماية أطفال العراق وتحسين مستواهم من خلال تقديم المساعدات للعوائل الفقيرة وتحسين الخدمات . واكرر ما ذكره الأخ كريم هداد حين قال : ” وطن يكابر الظمأ رغم الفراتين … والجوع وهو ارض السواد…والبرد والظلام وهو العائم على بحور النفط ..والأمية وهو مهدي البشرية الحرف الأول … والجريمة وهو مبدع مسلة القوانين . ”