الرئيسية » مقالات » رؤية البعث والرئيس الراحل حافظ الأسد في المسالة الكردستانية ( ح 3 )

رؤية البعث والرئيس الراحل حافظ الأسد في المسالة الكردستانية ( ح 3 )

يدعي ز.س بأن الأكراد مختلفون في صفاتهم العرقية والسلالية والانتروبولوجية حيث هناك تباين فيما بينهم في لون الشعر والبشرة وشكل ولون العين والرأس والقامة , عجيب هل للصفات والانتروبولوجية لأبناء الأمم الأخرى مقاسات واحدة حتى يطالب الأكراد بأن يكونوا على معيار عضوي واحد وكأنهم قوالب دمى وليسوا بشرا إحياء لا يمكن لغير الله التحكم في الصفات الجسمانية لهم , هل العربي السوداني و الخليجي و السوري والمراكشي لهم ألوان وأشكال متطابقة بالنسبة للبشرة والعين والقامة والرأس , لم يبقى أمام الكاتب سوى الطعن في حقيقة القومية الكردية لأن أبنائها لا يحملون زمرة دم واحدة , من أين سنأتي بهذه الشروط التي لم تخطر حتى بذهن عمنا هتلر لنضع بين يديه 50 م/ ن قياسات جماجمهم متساوية بالمليمتر .
بهذه الشروط يخالف ز.س نظرة البعث إلى الأمة ( العروبة ) التي تقول بأن العربي ليس من كان عرقه عربيا بل من آمن بالعروبة أي الأفراد والجماعات من الاثنيات الكثيرة التي ذابت في بوتقة العروبة وقبلت الانتماء إليها كحضارة , هذه إشارة واضحة على إن العرب نتاج تمازج أعراق شتى , لقد نسي الكاتب ذلك طبعا بالنسبة للآخرين يجوز لهم إن يؤسسوا أمما من أخلاط متعددة ,ولكن هذا لا يجوز للأكراد فقط فحتى في المسائل العلمية الصرفة يتم خرق الحقائق والقوانين الطبيعية والالتفاف عليها طالما ذلك يقود إلى الإساءة للأكراد , يحق للعرب إن يكونوا امة واحدة مهما اختلفت لغاتهم وصفاتهم وألوانهم وطرائق تفكيرهم ومقاسات عظامهم وأحجام أسنانهم ولكن لن يكون الأكراد امة ما لم يستوفوا الشروط اللازمة بما فيها تطابق أطوال أعضاء الذكورة عند 25مليون رجل كردي .
يشكك ز.س بوجود دولة كردية قديمة ولن نناقش هذه المسالة ولكن ليخبرنا إن كانت ثمة دولة عربية قديمة غير بضعة إمارات قبلية ظهرت قبيل الإسلام على تخوم الصحراء دون إن يكون لها مسمى يدل على العروبة , لقد بدأ الوجود الفعلي للدولة العربية مع الإسلام وهذا ليس تاريخا قديما بما فيه الكفاية , على كل حال إن المسالة القومية في العصر الحديث لا تقيم وزنا للأصل العرقي أو التاريخ أو الدين فهذه مجرد عوامل معنوية – عاطفية ليس لها دور حيوي في بناء الأمم أمام العوامل الرئيسية التي ركزت عليها النظريات الحديثة التي تعالج المسألة القومية كاللغة الواحدة والمشيئة والمصالح المشتركة ومسألة الإرادة والاختيار , فإذا افترضنا وهذا افتراض خاطئ إن الأكراد ليس لهم جذر تاريخي فهل يعني ذلك أنهم اليوم ليسوا امة أو قومية , أم الأمر متعلق بخلق أية ذرائع حتى يستمروا في ابتلاع الحق الكردي , كيف يمكن محاسبة امة على واقع عاشته قبل مليون سنة ولا نحاسبها على واقعها الراهن الذي يثبت أنها امة بكل معنى الكلمة حتى ز.س في موضع آخر من كتابه يعترف بهذه الحقيقة قائلا إن الأكراد يمتلكون كافة مقومات الأمة , شعب له وزنه وحجمه الجغرافي والبشري والسياسي بما يكفي إن يوفر له مكانة عظيمة لا تسمح للآخرين ابتلاع حقيقته القومية وقد ثبت بالتجربة طوال القرن الماضي إن الجبابرة من خصوم الشعب الكردي استعانوا بالقوى العظمى في الغرب والشرق واعتمدوا على قدراتهم العسكرية والسياسية والاقتصادية والبشرية لشن أشنع وأقذر أنواع الحروب على الأمة الكردية بغية إنهائها والقضاء عليها ولكنهم فشلوا, فإذا الطغاة عجزوا عن إنهاء الحقيقة الكردية فهل شرذمة من الصعاليك والأشقياء قادرون على خدش هذه الحقيقة بأقلامهم المريضة العاجزة عن تفسير حركة التاريخ في الوقت الذي تزداد فيه شمس الكرد سطوعا ما يكفي لمساعدة هؤلاء التعساء على رؤية المسألة الكردستانية بوضوح وجلاء كواقع معاش بدلا من إن يذهبوا إلى غياهب التاريخ ومتاهاته بحجة البحث عن جذور هذه الحقيقة وهم في الواقع يدسون رؤوسهم في غبار التاريخ هربا من سطوع شمس الحق التي لا يطيقون النظر إليها أو الاعتراف بنورها .
يطرح ز.س مشاريع أراء و حلول حول المسالة الكردستانية ويبدي ما يعتبره موقفا مرنا أو لينا من الحق الكردي ولكن البحث عن الحل لا يكون في إثبات أو نفي عراقة الشعب الكردي بل امتلاك الشجاعة الكافية على الاعتراف بالحق الكردي في حاضرنا الراهن وفتح ملفاته لدى سلطات بغداد ودمشق وعدم القفز من فوقها , ليسأل الكاتب نفسه هل هو فعلا مقتنع بالحق الكردي فان كان كذلك لا حاجة إن يدوخ نفسه ويدوخنا معه في طرح مسائل غير عملية متعلقة بالتاريخ الغابر والتاريخ خاصة القديم منه ما هو غير استنتاجات غير منطقية في معظمها أما الوسيط منه والمعاصر فهو محض أكاذيب , ليس هناك من كتب التاريخ بنزاهة سوى الندرة النادرة فليكن الكاتب عمليا ويطرح وقائع المسألة الكردية التي نعايشها ونشاهدها أما تاريخ الأكراد فليتركه للتاريخ المهم أنهم امة حية قائمة في الوجود حتى أسلحة الإبادة الشاملة لا تنفع من يفكر بالقضاء عليها لذلك التعقل والواقعية هو البحث عن حل لهذه المسالة كما هو عليه واقع الأمة الكردية اليوم وليس كما كان واقع أسلاف الأكراد قبل ميلاد المسيح .
أمريكا امة بلا جذور بلا تاريخ أعراق شديدة التباين فهل هناك كائن عاقل ينكر حقيقة هذه الأمة العظيمة بل من هو الغبي الذي ينكر إن عظمة أمريكا جاءت من تحررها من أوهام التاريخ وانصرافها عن حكاية الأصل والعراقة , إن الأمم المتشرنقة في ماضيها التليد والنائمة في أنسابها القبلية تعيش الانهيار والانحطاط فلماذا لا يسعفها دمها النقي وينقذها من الانحدار والخزي , إن فكرة الطعن في أصل الأكراد ليست ذي قيمة علمية أو عملية أو سياسية والكاتب يدرك ذلك ولكنه بطرحه هذه المسالة أراد إن يتكرم على القومية الكردية ليهديها أصلا ونسبا كثر الله خيره , لقد نفى إن يكون للأكراد نسب قديم وادعى أنهم ليسوا عرق واحد وعارض إن يكونوا آريين ليقول بأن الإسلام هو أصل الأكراد وفصلهم .
هذه فكرة خبيثة وماكرة وقد تأخذ العاطفة الإسلامية بالبعض فيأخذون بها ويصدقونها ولكنها ليست فكرة بريئة بل هي مقولة بالغة الخطورة حيث لم نسمع من قال بها غير الحركة الصهيونية التي حولت اليهودية من ديانة إلى حركة قومية , فكيف لعربي قومي بعثي يطرح نفس الفكرة الصهيونية , المسألة بسيطة طالما الأمر فيه تجني على الأكراد فلا بأس إن يستعينوا بالفكر الصهيوني أو يناقضوا أطروحاتهم الإيديولوجية , حسب ما ورد في أدبيات البعث حول القومية والدين على الصعيد النظري على الأقل , يجد البعث نفسه حزب قومي علماني يرفض رفضا قاطعا ربط الدين بالقومية لاعتقاده إن ذلك يناقض فكرة القومية العربية فالعرب ليسوا كلهم مسلمون وليس من المنطق إبقاء العرب من أتباع الديانات الأخرى خارج الدائرة بناءا على منبتهم الديني فالأمة من منظور البعث لها أسس قومية وإذا كان البعث لا يجد الإسلام أصلا للعرب فعلى ز.س إن يكون أكثر موضوعيا ليجد إن الإسلام لايصلح إن يكون أصلا للكرد حيث هناك الكردي الايزيدي والزرادشتي والمسيحي فماذا نفعل بهم هل نفصلهم عن قوميتهم الكردية من اجل دينهم , إن الأكراد بحكم واقع تاريخي قبلوا بالإسلام دينا ولكنهم لن يقبلوه بديلا لقوميتهم وإذا كان ثمة دين قومي للأكراد فهو الزرادشتية وليس الإسلام ويجب العودة إليه , أما نوايا الذين يحاولون فرض الإسلام على الأكراد فهي نفس النوايا العنصرية والشوفينية :
• تقزيم مسألة القومية الكردية
• الإيحاء بأن مشكلة الأكراد يمكن معالجتها عن طريق الدين
• صرف أنظار الأكراد عن قضيتهم القومية وإشغالهم بالدين
• الإسلام أداة قوية وخفية تمارس التعريب على الأكراد دون إن يشعروا بذلك
• طرح فكرة الرابطة الإسلامية كمشروع حل ناقص للمسالة الكردية بديلا عن الحل السياسي لتذويب القومية الكردية في البوتقة العروبية والفارسية والتركية
ليس هناك مفهوم حقيقي لمعنى الأمة الإسلامية أو المسيحية أكثر من كونها مفهوم رمزي – معنوي يدل على أقوام تشترك في ديانة واحدة , ومع ذلك ليضمن ز.س إن السلطات الحاكمة مستعدة للاعتراف رسميا بالمسألة الكردية ومستعدة على حل هذه المسألة حلا عادلا عندها لا يكون لدى الأكراد مانعا في الانتساب إلى الإسلام أو إلى جهنم الحمراء ما دامت حقوقهم القومية والسياسية والإنسانية ستعود إليهم ليعترف ز.س بحقي ككردي ويدفع الآخرين إلى الاعتراف بي طبعا اعترافا يتبعه رد هذه الحقوق وإزالة آثار كل الممارسات الرهيبة التي تطبق بحق الأكراد ولسوف أعلن إسلامي فورا , أما إن يقوم المسلم الأخر قتلا وإبادة وقهرا في الأكراد فان هكذا إسلام لا يشرف الأكراد ليكون أصلا لهم , إن المسألة الكردستانية مسألة اضطهاد قومي يمارس على الأكراد وليست مسالة اضطهاد ديني فعلى من يضحك الكاتب .
بعد ذلك يأتي ز.س ويشهر باللغة الكردية من حيث تعدد لهجاتها وتنوع الأبجديات التي تكتب بها , هذه حال كل لغات الشعوب الحية لا تعرف ثباتا ومن طبيعة العمران البشري في كل بقعة إن تظهر لهجة محلية حتى على مستوى العشيرة والواحدة , هل يعرف كم لهجة للعربية موجودة في سوريا وحدها , هل يعرف كم لهجة للانكليزية في ولاية أمريكية واحدة أنهم في أمريكا يسمون الانكليزية اللغة المجنونة نظرا لسرعة تبدل مفرداتها أو طريقة استخدام هذه المفردات أو تباينها بين ولاية وأخرى هذا بالنسبة للغات حظيت بالرعاية والعناية في ظل دول تسهر على سلامتها وحمايتها وتطويرها ونشرها أما بالنسبة للغة الكردية فالظروف التي مرت بها وما زالت تعاني منها فهي ظروف استثنائية قاهرة ولو أنها واجهت لغة أخرى ربما كانت تعرضت للانقراض منذ زمن بعيد فاللغة الكردية تعاني الاضطهاد تماما مثل الناطقين بها ولكن الكاتب يغفل كليا ذكر الأسباب السياسية التي أدت إلى منع ظهور لغة كردية على المستوى القومي تصلح للتداول في عموم كردستان لأن هذه الأسباب ناتجة بالدرجة الأولى عن السيطرة الأجنبية على المجتمع الكردي وما ينتج عن ذلك من عمليات تمزيق للشعب الكردي وتكرار تقسيم موطنه وفرض الحصار عليه وعزل مناطقه عن بعضها بعضا ومنع التواصل بين أبنائه كل ذلك لم يساعد على تطور اللهجات المحلية لتبقى متعددة ومتنوعة ومن جهة ثانية إن القوى المسيطرة على كردستان تحارب اللغة الكردية منهجيا حربا لا هوادة فيها حيث منعت من الاستخدام في التعليم وفي الآداب وفي وسائل الإعلام وفي مؤسسات الدولة وحتى في الشارع وفي الفنون المختلفة هذا غير الإهمال المتعمد لها وفرض لغة القوميات الغالبة على حساب لغة القومية الكردية المغلوبة , لقد بقيت الكردية يتيمة الأب والأم دون رعاية لا مؤسسات ولا مجامع لغوية ومع ذلك فان الشعب الكردي حافظ على لغته وبفضل الرواد الأكراد وجدت هذه اللغة طريقها ثانية إلى الحياة نطقا وكتابة رغم انف الطغاة , أليست العربية مثل الكردية حيث لكل قبيلة لهجة ولكل بلد عشرات اللهجات حيث يصعب التفاهم بين الموريتاني واللبناني ولكن العربية وجدت فرصتها في الإسلام فصارت لغة الدين والدولة وكتب لها إن تتطور بفضل القران وفي وقتنا الراهن فان أكثر من 20 دولة تتولاها بالرعاية والحماية فلم تعاني الظروف الرهيبة التي تعانيها الكردية وهي تقصف برا وبحرا وجوا منذ قرون عديدة ما زالت هناك قرارات رسمية تمنع تداول الكردية حتى ولو شفويا في دوائر الدولة ومن لا يمتثل يرتكب مخالفة يعاقب عليها قانونيا وسياسيا , إن مسالة تعدد اللهجات هي ثراء للغة الكردية حيث يمكن معالجتها فيما لو تخلص الأكراد من ظروف الاضطهاد القومي وأعطيت لهم فرصة للاهتمام بلغتهم والتعلم والتعليم بها واستخدامها في مختلف أنشطة الحياة اليومية , ففي الوقت الراهن لمجرد تواجد بضعة فضائيات كردية حدث تواصل وتفاعل عفوي بين أبناء كردستان مما ساعد على التقريب بين اللهجات الكردية مع العلم إن هذه الفضائيات لا تخصص برامج لغوية لهذا الشأن بل المشاهد من خلال متابعة البرامج الاعتيادية تعلم لهجات كردية أخرى في غضون أيام لأن الفوارق بينها بسيطة وليس كما يصورها الكاتب , أما بخصوص تنوع الأبجديات المستخدمة في كتابة اللغة الكردية في الأصل كانت هناك أبجدية كردية مسمارية دمرها الغزاة وفيما بعد فان ظروف السيطرة الأجنبية وتعدد قوى السيطرة فرضت على الأكراد استخدام أكثر من أبجدية في كتابة لغتهم ولم يكن ذلك بمحض إرادتهم بل كما يقال مجبر أخاك لا بطل , ولكن اللاتينية هي الأنسب لكتابة الكردية كونها لغة آرية وليس هناك ما يعيب في ذلك هناك عديدة من لغات آسيا الوسطى تستخدم الحرف العربي وهناك عديد اكبر حول العالم تبنى الانكليزية أو الفرنسية لغة وكتابة مع أنها ابعد ما تكون عن القومية الانكليزية أو الفرنسية يعني إن هذه الدول لم تضيع أبجديتها الأصلية فحسب بل كذلك لغتها القومية ولكنها كقومية ما زالت باقية ومستمرة وهذا يدل على إن شروط قيام القومية تختلف حسب ظروف كل امة وكل منطقة وفي الحالة الإفريقية لم تعد اللغة شرطا مهما لبناء القومية بل كانت الانكليزية حلا جيدا ومشتركا لأبناء الدولة الواحدة التي تضم مئات القبائل وكل قبيلة لها لهجة يصعب على القبائل الأخرى فهمها فجاءت الانكليزية حلا مشترك يتفاهم من خلالها الجميع فهل ألغت الانكليزية قومية الإفريقي طبعا لا , لقد بقيت الكردية رغم تلك الظروف أنظف وأنقى واسلم من الفارسية والتركية فلا خوف عليها وهي لا تشكل أي عائق أمام المسالة الكردية .