الرئيسية » شخصيات كوردية » د. كامل حسن البصير علم بارز … طواه النسيان !

د. كامل حسن البصير علم بارز … طواه النسيان !

شفق /
يشكل الكورد الفيليون في بغداد مكوناً أساسياً من مكونات المجتمع البغدادي ولهم دور فاعل في مختلف ميادين الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، وعطاؤهم لا ينضب على الرغم من الكم الهائل من الظلم والحيف الذي صبته عليهم مختلف الحكومات المتعاقبة على حكم العراق من تهجير وتسفير وحرمان من حقوق المواطنة العراقية، فبالإضافة الى الدور الاقتصادي الكبير الذي لعبه أبناء هذه الشريحة في بغداد نتيجة النشاط التجاري الحيوي الذي اضطلع به أبناؤها من تجار و صنائعيين وكسبة، كان لها دور فاعل أيضاً في الميدان الثقافي والعلمي والفني، فهذا العلامة الكبير مصطفى جواد وآثاره الغزيرة وذلك الفنان رضا علي وألحانه المتميزة وغيرهم المئات من المبدعين في مختلف ميادين الحياة ولكن هل تم انصاف هذه الشريحة وسجل لها دورها المشرف في سفر التاريخ المعاصر للمجتمع؟
جواباً على هذا التساؤل نقول انه من الممكن وبنظرة بسيطة الى واقع حال الكورد الفيليين أن نستشف مدى الحرمان والتهميش الذي مازال يشمل هذه الشريحة الأصيلة من مكونات المجتمع العراقي، فما زالت الحقوق مغتصبة والبيوت مصادرة والأموال محتجزة ومصير الأبناء مجهولا والمعاناة في مخيمات الغربة مستمرة، فلا عجب أن يشمل التهميش والنسيان العلماء الأجلاء الذين أثروا الحياة الثقافية والعلمية في العراق .
الدكتور كامل حسن البصير أنموذج من العلماء الذين أفنوا زهرة حياتهم في البحث والتأليف والتدريس وخدمة الثقافة، لقد أثرى هذا العلم البارز الثقافتين العربية والكوردية بمختلف المؤلفات الرصينة التي احتلت حيزاً كبيراً من كلتا المكتبتين ، ولم يمنعه كف بصره من القيام بما لم يقم به أقرانه المبصرون، فمن هو كامل البصير؟ …

ولد كامل حسن البصير من عائلة كوردية فيلية فقيرة في محلة سراج الدين /باب الشيخ/ ببغداد عام 1933 وحرم من نعمة البصر منذ أولى سني عمره اثر إصابته بمرض الجدري ،ومن حينها بدأت خطوات رحلته الشاقة مع الحياة ولكنه واجهها برباطة جأش وشجاعة فريدة عبرت عن شخصيته الفذة ونباهته وتقبل الوضع الخاص الذي كان يمر به دون أن يستسلم ويصف حالته تلك بقوله: ( أنا أرى بأناملي وعقلي ولم انتظر هبوط المعجزات أبدا ولم أحاول لا بل كرهت استغلال العطف لان أسمى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان هو تقبله حظه من الدنيا بابتهاج وقيامه بواجباته في شجاعة ومحبة وإيمان . لقد مررت بسرعة على مسالة التحرر من الانطواء على الآفة ( فقدان البصر ) والحساسية المفرطة عبر الثقة بالنفس والكفاح وعدم الإذعان لروح الهزيمة ، لا بل أن مساعدة الآخرين أصبحت احد أسمى أهدافي في هذه الحياة مؤمنا إن ذلك قد يوصلني الى نوع من الغبطة)…
أكمل البصير دراسته الابتدائية والثانوية (1953وكان الأول على مدارس العراق) والأولية الجامعية ( 1957) والماجستير ببغداد ( 1966 عن رسالته الموسومة “تحقيق رسائل الإمام علي – ع – / دراسة أدبية ” وأنهى دراسة الدكتواره في جامعة القاهرة كلية الآداب قسم اللغة العربية بجمهورية مصر العربية سنة 1975، عمل مدرساً في المدارس الثانوية ببغداد ردحاً من الزمن، ثم درس في الجامعة وتقلد عدة مناصب إدارية منها رئاسة قسم الدراسات الكوردية ورئاسة قسم اللغة الكوردية وعمادة كلية الآداب في جامعة السليمانية من سنة 1973 ولغاية سنة1980، ومن ثم عين أستاذاً لمادة النقد والبلاغة في قسم الدراسات العليا كلية الآداب الجامعة المستنصرية، وكان عضواً عاملاً في مجلس المجمع العلمي العراقي .
ومما يذكر له انه كانت له العديد من المواقف الفكرية والثقافية والوطنية والقومية وساهم في الثورة الكوردية منذ أوائل ستينيات القرن الماضي … وبادر مع مجموعة من المعلمين الوطنيين الكورد في تأسيس “اتحاد معلمي كوردستان” وانعقد مؤتمره الأول في منزله في مدينة السليمانية في 15 أيار 1962 وانتخب كأول سكرتير عام لنقابة معلمي كوردستان.أما في مجال النشر والتأليف فقد بدأ بنشر البحوث وتأليف الكتب منذ عام 1958م وصلت نتاجاته العلمية حوالي أربعين عملاً علمياً باللغتين العربية والكوردية وكانت أبرز أعماله باللغة العربية كالآتي:-
1- كامران شاعر من كوردستان عام 1960م .
2- الدعوة الى الالتزام في شعرنا المعاصر بين آراء أفلاطون ومقاييس قرآنية عام 1977م .
3- تطوير تعليم اللغة العربية في منطقة الحكم الذاتي – عوائقه والسبيل الى تذليلها عام 1977م.
4- قصائد معاصرة من الخليج العربي بين الأصالة والتقليد في الصور الفنية الى عام 1977م .
5- الترابط الفني بين العرب والأكراد في قضية الإخاء والسلام عام 1980م .
6- المنهج القرآني وصياغة المصطلحات ( قسمان )عام 1980م .
7- من قضايا المرأة بين آيات قرآنية واتجاهات شعرية عام 1980م .
8- البلاغة والتطبيق بالاشتراك مع الدكتور أحمد مطلوب عام 1981م .
9- القرآن الكريم ومنهج البحث العلمي في التراث العربي عام 1982م .
10- من مشكلات اللغة الكوردية وآدابها عام 1983م .
11- القرآن الكريم ونظرية الأدب بين الإغريق والعرب عام 1983م .
12- منهجية الأدب المقارن بين النقد الإغريقي والتراث العربي عام 1985م .
13- لغة القرآن الكريم في موضوع الجريمة والعقاب عام 1986م .
14- بناء الصورة الفنية في البيان العربي موزانة وتطبيق عام 1987م .
15- العراق في الشعر الكوردي المعاصر( لم يطبع في حياته ) .
أما في إبداعاته العلمية في مجال اللغة الكوردية فلا تقل غزارته عما نشره باللغة العربية نوردها كالآتي :-
1- اللغة الكوردية ومشكلة وضع المصطلحات الكوردية عام 1974م .
2- اللغة الكوردية للمبتدئين عام 1977م .
3- المصطلح الكوردي – دراسة وتقويم عام 1979م .
4- الشيخ نوري الشيخ صالح في( الدراسات الأدبية والنقدية ) عام 1980م .
5- أسس النقد والشعر الكوردي القديم عام 1981م .
6- الأصالة والتقليد في النقد الأدبي الكوردي عام 1981م .
7- علم المجاز من النقد الأدبي اليوناني والروماني والعربي والأوربي الى الدراسات البلاغية الكوردية عام1981م .
8- علامات الترقيم في الإملاء الكوردي عام 1982م .
9- ناقد ونظرية الشعر عام 1983م .
10- النقد الأدبي تاريخاً وتطبيقاً عام 1983م .
11- اللغة الكوردية القومية عام 1984م .
12- الشاعر فائق بي كه س في ميدان الدراسات النقدية الكوردية عام 1985م .
13- طبيعة الأدب ومنهج بحثه عام 1984م .
14- مقارنة بين اللغة الكوردية والعربية عام 1985م .
15- أداة التعريف ( تحليل وتقسيم )عام 1986م .
16- أبو ذر الغفاري عام 1986م .

الى جانب هذا الكم الغزير من النتاجات العلمية والبحوث والدراسات وتقلد عدة مناصب كانت له نشاطات كبيرة يعجز عنها الأقران فقد عمل عضواً في الهيئة الكوردية في المجمع العراقي ومقرراً للجنة قواعد اللغة العربية في المجمع العلمي العراقي، ومقرراً في لجنة المصطلحات الإنسانية في المجمع العلمي العراقي و عضواً في مجموعة السلامة اللغوية في المجمع العلمي العراقي، وعضواً في هيئة تحرير مجلة ( روشنبيرى نوى – المثقف الجديد ) التي كانت تصدر عن دار الثقافة للنشر الكوردية، وعضواً في هيئة تحرير مجلة المجمع العلمي العراقي – الهيئة الكوردية، وأشرف على الدراسات العليا في جامعتي المستنصرية والسليمانية.

اختطفته أيدي المنون مبكرا وهو في قمة عطائه العلمي في يوم الخميس 22 /10 / 1987.

مرت أكثر من إحدى وعشرين سنة على وفاة هذا العالم الجليل الذي كرس حياته لخدمة العلم والثقافة العراقية وبلغتيها الأساسيتين العربية والكوردية رغم المآسي التي جرت على أبناء جلدته الكورد الفيليين من تهجير وتسفير وتغييب ومصادرة الأموال فضلا عن كف بصره حتى لقب بطه حسين العراق،وتدرس كتبه ومؤلفاته وأبحاثه في العديد من الجامعات العربية وهي معين لا ينضب لكل الدارسين والباحثين في كلتا اللغتين العربية والكوردية ، إلا أن التهميش والنسيان الذي لف أبناء شريحته من الكورد الفيليين لم يستثنه فقد طواه النسيان ومما يؤسف له أن أبناء الجيل الحالي لا يعرفونه ولا ينهلون من مؤلفاته وجهوده التي أثرى بها المكتبة العراقية وأفنى حياته في خدمتها …
دعوة مخلصة لإحياء ذكرى هذا العملاق وإعادة طبع ونشر كتبه ومؤلفاته كجزء من الوفاء لابن بار من أبناء الشعب العراقي من شريحة الكورد الفيليين.