الرئيسية » مقالات » الإتفاقية الأمريكية – العراقية..!*

الإتفاقية الأمريكية – العراقية..!*

السهل الممتنع

عندما كنا أطفالاً، دأبت أمهاتناعلى ترويضنا للإستجابة الى النوم ليلاً، عن طريق عملية إيحائية نفسية، تجبرنا من خلالها الى الهدوء وترك العبث وأخيراً الخلود الى النوم، حتى وإن تحقق ذلك بغمض الأعين شكليا. والكثير من الذين في أعمارنا اليوم، يستذكرون قصص الخرافات الليلية التي كانت تلجأ لها الأمهات بإخافة الأطفال من قدوم (الطنطل أوالسعلوة)، أو “جاك الواوي، جاك الذيب”، وغيرها من المسميات التي كنا نجهل صورها، فنخف مسرعين لدس رؤوسنا تحت الوسادة ونستسلم للنوم.

كانت قصص الخرافة يومذاك لا تتعدى تصورات أمهاتنا البدائية، وما تنسجه عقولهن الفطرية أو ما إستورثنه من حكايات الجدات أو الجيران والمشعوذين. أما اليوم فإن قصص الخرافة أكثر دهاء وتنسجها عقول أكثر معرفة، وأبعد نظراً، وأعمق أهدافاً وأكثر إنسجاماً مع عصر التكنلوجيا والعولمة الجديدة.

ولعل يقظة العراقيين وتواصلهم في “العبث السياسي”، وتدخلهم المتواصل بشؤون السياسة العليا، كما هو الأمر في عقد الإتفاقيات/المعاهدات؛ خاصة وإنهم بطبعهم مرهفوا الإحساس وشكاكون، ويصعب إقناعهم بسهولة، إذا كان الأمر من قبيل ذلك، فلا سبيل إذن، غير اللجوء الى حكمة وطريقة الأم الحنون السيكولوجية، كي ينصاعوا الى السكون ويلبوا رغبة الأم الرؤوم في القبول بالإتفاقية/المعاهدة، ويخلدوا الى النوم قبل أن يروها..!

التخويف ب(البعبع)، وهو في هذه الحالة “دول الجوار” وبالذات الجارة (إيران)، كفيل بأن يلقي الرعب في نفوس العراقيين، فالعراقيون اليوم عرضة ، للإبتلاع من قبل “البعبع” الكبير الناهض، أو أمثاله الأخر؛ وهم في حالة من الضعف لاتسمح لهم بالدفاع عن أنفسهم، وبالنهاية سيجدون أنفسهم في أمس الحاجة للإرتماء في أحضان من يفتح ذراعيه لحمايتهم من خطر البعبع الداخل في جزئيات حياتهم، فياله من إيحاء تنويمي فعال..!

فحينما يجري الحديث فقط، عن تهويل خطر تدخل الجوار في الشأن العراقي، وهو تدخل موجود بشكل ملموس ولا غبار عليه، ثم ربط أمره بالإتفاقية/المعاهدة، بإعتبارها البديل المنقذ من هذا الخطر، حتى مع التلميح أحياناً، الى ضرورة “عدالة” الإتفاقية، إنما هو جانب من الحلول السايكولوجية، غير المباشرة للإقناع بالقبول بالإتفاقية/المعاهدة، حتى دون التدقيق في بنودها أومعرفة تفاصيلها وآثارها وتداعياتها المستقبلية، وذلك تحت مقولة درء الضرر الأكبر بالضرر الأصغر، أو أهون الشرين، أو على حد القول الشعبي : “اراويه الموت حتى يرضى بالصخونة”..!

فالإيحاء السيكولوجي من خلال التهويل بخطر التدخل الإيراني من جهة، وهذا نفسه ما ساعد عليه الموقف الإيراني في تدخله السافر بدعوته وعلى لسان رئيس الدولة السيد خامنئي، الحكومةَ العراقية والشعبَ العراقي الى رفض الإتفاقية /المعاهدة، وتهويل الجانب الأمريكي من جهة أخرى للرفض الإيراني ؛ جميعها تشكل عوامل ضغط إيحائية على المواطن العراقي، تسلبه حرية التفكير والإختيار المستقل، وتقطع الطريق أمام أي جهد للتعريف بطبيعة الإتفاقية/المعاهدة نفسها، والأسباب التي تدفع للقبول بها أو رفضها، وما هي الفوائد التي سيجنيها العراق من وراء ذلك، وأمور أخرى كثيرة تتعلق بالأمر، بل وتحت تأثير الإيحاء المذكور، صرف أنظاره عن كل ما ينبغي التعرف عليه من مقاصد الطرف الآخر وأهدافه المستقبلية..!

كما إن الإسراف في الإستخفاف بقدرة المواطن العراقي من جهة، وإظهاره في حالة من الضعف والإستكانة، والتقليل من شأن أمورٍ تعتبر من المقدسات بالنسبة لأي شعبٍ من الشعوب، كالكرامة الوطنية والسيادة والإستقلال من جهة أخرى، جميعها لا تساعد على توليد قناعات ذاتية وموضوعية لديه، للقبول بالإتفاقية/المعاهدة، أكثر مما تعزز عنده حالةَ الرفض الإستنفارية، المقرونة والمعززة بالتجربة العراقية والتي لا زالت طرية في الذاكرة، حول حقيقة المعاهدات التي حاولت القوى الكبرى (بريطانيا، أمريكا) فرضها عليه، كإتفاقية 1930, ومعاهدة 1948، وحلف بغداد 1954 CENTO، ولا غرو أن نشير الى أن الأخيرة منها، كان يروج لها عن طريق التهويل بالخطر الشيوعي يومذاك على لسان نوري السعيد،(مراسيم عام/ 1954 /16و17و18و19 )، أما اليوم، فالتهويل بالخطر الإيراني أقرب للعين من الحاجب..!

مما لا شك فيه، أن التدخل الإيراني و التركي و دول الجوار الأخرى في الشأن العراقي، قد وصل حدوداً فاقت المعقول لإنتهاك السيادة العراقية ، ويتحمل مسؤوليتها مبدئياً، الجانب الأمريكي ومتعددة الجنسيات بالذات، وبعضاً منها الجانب العراقي، ورغم عدم التقليل من مخاطرها الجسيمة على العراق، فإن كل هذا، لا يبرر وضع هذا التدخل، كأساس للقبول بالإتفاقية/المعاهدة، وذلك لأمر بسيط:

فوجود هذا الكم الكبير من تعداد القوات المسلحة لمتعددة الجنسيات بقيادة أمريكا، وحده كافياً لدرء أي خطر على العراق وفق أبعاد المنظور المطروح من قبل المتمسكين بمقولة درء الخطر، بل هو من أولى واجبات هذه القوات؛ إذ كان الأولى بها أن تثبت مصداقيتها على أرض الواقع بإهتمامها بالأمر. فكيف والحال، أن تجري كل هذه الإنتهاكات للسيادة العراقية من قبل إيران وتركيا، أمام أنظار قوات متعددة الجنسيات وبعلمها، حتى دون تحريك إصبع واحد بالإستنكار والرفض، وهي ملزمة وفقاً لقرارات مجلس الأمن، بتأمين سلامة العراق وتراثه وحمايته من كل خطر يهدده، طالما هو تحت ولاية الشرعية الدولية ..!

فكيف يفسر المرء كل ذلك.؟

أليس من المنطقي القول، وبعيداً عن كل تأويل وتهويل؛ بأن ما يجري من إنتهاكات سيادية، وتدخل في الشؤون الداخلية العراقية، من قبل دول الجوار وبالذات إيران وتركيا، وتحت أنظار وبعلم قوات متعددة الجنسيات بقيادة أمريكا، إنما يصب في خدمة الترويج للإتفاقية/المعاهدة.؟ وإلا فهل من العبث بمكان، ربط القبول بالإتفاقية/المعاهدة، تحت تأثير مفعول الإيحاء بجدية الخطر المذكور، وتهويله والترويج له من قبل أمريكا نفسها.؟! ولماذا تلزم الحكومة العراقية نفسها، الصمت أزاء كل ذلك..؟!

إن ما يدعم هذا الإفتراض أو الرأي، التساؤل المشروع، والذي يطرحه المواطن العراقي وهو: إن كانت كل هذه القوات المسلحة لمتعددة الجنسيات بقيادة أمريكا ومعها القوات المسلحة العراقية حديثة التكوين، عاجزة عن منع التدخل الإيراني والتركي وغيره، بكل ما تمتلكه من جبروت عسكري وإقتصادي، مدعوم بالشرعية الدولية، فكيف والحال، سيتسنى للقوات الأمريكية وحدها بعد “الإتفاق” على الإتفاقية/ المعاهدة، درء الخطر المحتمل عن العراق وحماية أمنه مستقبلاً.؟ ولماذا يجري الحديث فقط عن الخطر القادم، بعيداً عن طبيعة الصراع الأمريكي – الإيراني والمصالح المشتركة للطرفين في العراق وفي المنطقة، وحالة الصراع الدولي حول مناطق النفوذ ومصادر الطاقة..؟!

وكيف يمكن تفسير الضغوط التي تمارسها الإدارة الأمريكية على العراق في تحديد مصادر تسليح قواته المسلحة وقصرها على أمريكا. أليس في هذا إخلال بالسيادة العراقية..؟(1)

أليس في التناغم بين الرفض الإيراني والتهويل الأمريكي لهذا الرفض، مايثير الريبة والشك في الدوافع الأمريكية التي تقف وراء الدفع بالإستعجال بتوقيع الإتفاقية/المعاهدة، في وقت لا زال فيه العراق، منقوص السيادة..؟، وفي وقت يجري فيه من الجانب الآخر، تناسي قصف المدفعية التركية للأراضي العراقية وتوغل قواتها العسكرية في العمق العراقي، وإستباحة طيرانها العسكري للأجواء العراقية..؟

أليس من المنطقي والمعقول، الدخول في علاقات حوار جدية مع دول الجوار، مبنية على قواعد الشرعية الدولية وبرعاية من قبل الأمم المتحدة ، ومدعومة بموقف تضامني عربي وإجماع وطني، لحل المشاكل العالقة بين العراق ودول الجوار ومنها تركيا وإيران بالذات، والتوصل معها الى علاقات تُبنى على الإحترام المتبادل وعدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول، خيراً من التلويح المستمر بالخطر الإيراني وغيره من دول الجوار، وإعتباره الطريق الحتمي والسبب الرئيس للقبول بالإتفاقية..؟!

فهل فكر المفاوض العراقي والدافعون الى التعجيل بالقبول بالإتفاقية ، وخاصة جانبها (الأمني)، بتداعيات ذلك لاحقاً على مستقبل العراق، في ظل أوضاع هي بالأساس في حالة من التوتر وعدم الثقة بين الجيران، وهل أخذوا بجدية، ردود الفعل المحتملة من جانب الطرف الأيراني، المحاصر دولياً، بسبب ملفه النووي، بعد توقيع الإتفاقية..؟! وهل حقيقة، أن من مصلحة العراق وإيران أن يستمرا في العيش متجاوران، تحت كابوس من الشد والتوتر وعدم الثقة، إستمراراً لتداعيات حرب ضروس دامت ثمان سنوات، وقد إحترق فيها الأخضر واليابس..؟!

وهل في حكم المنطق أن يُعَرِضَ العراق نفسَه الى خطرٍ جدي نتيجة التحالف الأمني مع دولة تبتعد آلاف الأميال من حدوده، على حساب علاقاته مع جيرانه الملاصقين له جغرافياً وتأريخياً وإجتماعياً منذ أقدم العصور وله معها مشتركات غير قليلة على كافة الأصعدة، في وقت يُمْكِنُ فيه للعراق، وعن طريق الشرعية الدولية وبطلب مساعدتها ومباديء القانون الدولي والتضامن العربي والمصالحة الوطنية والإجماع الوطني، بناء علاقات جيدة من حسن الجوار مع أولئك الجيران..؟!

أليس من الحكمة بمكان، أن ينبري الطرف الأمريكي لإثبات “حسن نيته”، إن وجدت، إتجاه الشعب العراقي ، بأن يعلن إستعداده بتثبيت جدول زمني لسحب قواته المسلحة ومن معها وخلال فترة محدودة، ، وأن يقف الى جانب العراق عند طلبه من مجلس الأمن، إصدار قرار جديد يلغي بموجبه سريان مفعول بنود الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة على العراق، إعتباراً من بداية العام القادم، حيث تنتهي ولاية قوات متعددة الجنسيات قانوناً، بهدف إشعار العراقيين بإستكمال السيادة المنقوصة لبلادهم، وخلاصهم من وطأة الإحتلال الفعلي، وبالتالي إتاحة الفرصة للعراقيين أن يقرروا بأنفسهم بعد ذلك، إن كان من المفيد لهم الدخول في مفاوضات مع أي دولة أخرى بما فيها أمريكا وبما يفيد مصالح العراق، وإلا لماذا هذا التهالك على تمرير القبول بالإتفاقية اليوم قبل غدا..!(2)

مما لا شك فيه، فإن إيران بموقفها المتشنج وتدخلها المتواصل بالشأن العراقي، إنما تدفع سلباً بالإتجاه المعاكس، الذي لا يخدم مصلحة الشعبين الإيراني والعراقي، في بناء علاقات جيدة من حسن الجوار والتعاون المثمر على أسس من التوازن والإحترام المتبادل وعدم التدخل. وبأن تصرفها(إيران) هذا، يدفع الى ترجيح كفة القبول بالإتفاقية، التي تعلن تحفظها عليها، تحت وطأة الضغط الذي تمارسه من خلال تدخلها السافر والمستمر في الشؤون الداخلية العراقية، والذي بات يشكل خطراً محسوساً، يعيق تطلعات الشعب العراقي في إستكمال سيادة العراق المنقوصة، وإنهاء تواجد القوات الأجنبية على أراضيه، إن لم يزد في أمد بقائها، ويعكس حالة متفاقمة من الصراع الأمريكي – الإيراني، يجري توظيفها في الساحة العراقية لمقاصد لم تعد خافية على العراقيين..؟!(3)

الأسئلة مطروحة على من يرى في الإتفاقية/المعاهدة؛ بأنها ستؤمن “الحماية” المطلوبة للعراق من أية مخاطر تهدده من دول الجوار أو من غيرها، وكذلك على دول الجوار الضالعة في لعبة خلط الأوراق، دون أن تأخذ بالحسبان المصالح المتبادلة لبلدان المنطقة، بعيداً عن روح الهيمنة والإستئثار، وإستغلال أوضاع العراق ومناطق أخرى في المنطقة ، مثل لبنان وفلسطين، كورقة في عملية الصراع مع أمريكا..؟!


إن تدخل دول الجوار وبالذات الإيراني حالة قائمة، أما ربطه بضرورة القبول بالإتفاقية، فلا يمكن تفسيره إلا بكونه، أحد الوسائل السيكولوجية التي يشيعها من يريد تمرير الإتفاقية على علاتها، من خلال خلق جو من الرعب والذعر في نفوس العراقيين من الخطر القائم القادم. لصرف النظر عن أية حلول أخرى، يمكن للطرف العراقي إعتمادها في إستعادة السيادة وفي إنهاء تواجد القوات الأجنبية على أراضيه، وهي تدفع بإتجاه تضييق دائرة المناورة للمفاوض العراقي، من خلال إضعاف التأثير الشعبي المراقب لسير المفاوضات، والتسليم بقبول الإتفاقية للسبب المذكور كبديل من أجل “النجاة”..!


ومع كل ذلك ، ومن منطلق فن الممكنات في السياسة، فعلى المراقب أن لا يغيب عن باله، المتغيرات المحتملة في السياسة، وربما يمكن للغزل الأمريكي – الإيراني ، أن يأتي بالنتائج المطلوبة لأطراف النزاع، إذا ما تحقق التوقيع على الإتفاقية، وحينها ستستتب الأمور ويسود الأمن وتتنفس إيران الصعداء، وتُنسى مقولة البعبع الإيراني وخطر الملف النووي الإيراني..!!!؟
____________________________________________________
(*) للمزيد من المعلومات حول الموقف من الإتفاقية راجع الرابط – http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=138301
(1) http://www.elaph.com/
ElaphWeb/AkhbarKhasa/2008/6/342360.htm
(2) http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/middle
_east_news/newsid_7472000/7472552.stm
(3) http://www.aswataliraq.info/look/article.tpl?IdLanguage=17&IdPublication
=4&NrArticle=83649&NrIssue=1&NrSection=1