الرئيسية » مقالات » اللوموند ديبلوماتيك-هل ارادت فعلا تبرير -انفلة- الشعب الكوردي؟

اللوموند ديبلوماتيك-هل ارادت فعلا تبرير -انفلة- الشعب الكوردي؟

تعتبر صحيفة اللوموند ديبلوماتيك الفرنسية من المصادر الاعلامية المهمة التي عرف عنها بانها تعتمد الموضوعية في نشر مواضيعها، والتي عادة تدور حول قضايا ستراتيجية عالمية او اوروبية او فرنسية، وبالتأكيد هذا لا ينفي نشرها لآراء واجتهادات متنوعة حول المواضيع التي تنشرها وذلك من باب حرية التعبير التي يعتز بها الفرنسيون ربما اكثر من اي شعب اخر.
وثمة ملاحق لها تصدر بالعديد من اللغات العالمية ولها اصدارات باللغة العربية في ( السعودية، البحرين، مصر، الإمارات العربية المتحدة، الكويت، قطر) وكذلك في إيران. والصحيفة تصدر ملحقا خاصا بفلسطين منشور على الرابط: :http://www.mondiploar
.com/palestine.php3
وهي وحسب اعلان للصحيفة تصدر الملحق: (في هذه الظروف الصعبة للمعركة ضد الاحتلال ومن أجل الاستقلال. المطلوب هو 20 ألف يورو كي ترى الطبعة الفلسطينية النور وللمساهمة في نفقات الطباعة والتوزيع للعام الأول. يرجى من الراغبين في مساعدتنا على جمع هذا المبلغ إرسال شيك أو تحويل باسم: Le Monde diplomatique Editions arabes” وكتب جوست ر. هيلتيرمان مؤخرا في الصحيفة المذكورة مقالا بعنوان “مستقبل الاكراد في العراق” على الرابط: http://www.mondiploar
.com/article2061.html
تضمن المقال ، والحق يقال ، بعض التحليلات التي يمكن اخضاعها للنقاش خصوصا في الواقع الصعب للجيوبوليتيكا التي تقع فيها كوردستان ، كما طرح رأيا يمكن مناقشته مليا لكونه جديرا بالدراسة عند التفكير في المستقبل الكوردي وهو ما اوجزه بقوله في نهاية المقال بما يأتي:
” في النهاية، سيكون على الأكراد الاختيار بين النزاعات اللا متناهيّة وبين التوافق الذي يمكن أن يؤمن لهم السلام لجيلٍ أو أكثر ” . مع التحفظ على تعلقه كثيرا بنوعية مسألة التوافق الذي يوحيه بين ثنايا مقاله.
ومن المعلوم ان جوست ر. هيلتيرمان هو مدير مساعد لبرنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية. وهو خبير في شؤون المنطقة ، ولكن يبدو من مقاله الانف الذكر بأن خبرته في الشأن الكوردي مبني بدرجة كبيرة على معطيات تعتمد المنافع الدولية بغض النظر عن مصالح الشعوب وحقائق الامور على الارض. مقال السيد هيلتيرمان يتضمن كذلك مغالطات واضحة (مثل تفصيله في…حماية المكتسبات أم هجمة لتحقيق المزيد؟) وقراءة تاريخية متحيزة لعقليات خصوم الكورد ( محاولة تبريره عمليات الانفال) ، وعناوين استفزازية ( جعل العراق كورديا مثلا..) ، وافكار غير موضوعية ما كان لرجل مثله ان يتقرب منها (حديثه عن المعجزة او ما سماها بالتدخل – الالهي ” – ) حيث يمكن ان يعتبر تحليله الى حد ما استهانة بتضحيات الشعب الكوردي التي قدمها في سبيل تحقيق مطامحه القومية الطبيعية واشاعة الديمقراطية في العراق.
الا ان اكثر المواضيع اثارة للتساؤل هو محاولة هيلتيرمان ، وعلى منبر اللوموند ديبلوماتيك وفي النسخة العربية منها ايجاد تبريرات سخيفة لحملات الانفال وجينوسايد الشعب الكوردي وهو الخبير الذي بالتأكيد لا بد ان اطلع على قرارات المحكمة العراقية الخاصة وقرار البرلمان العراقي باعتبار تلك العمليات اعمالا اجرامية ضد البشرية استهدفت ابادة الشعب الكوردي في جنوب كوردستان ، وقد استند الكاتب في محاولة تبريره غير المباشرة على ايراد احداث سنوات الانفالات وخصوصا القصص التي تحدثت عن (تحالفات الاحزاب الكوردية مع ايران والتي ادت بالنظام العراق انذاك الى الانتقام وارتكاب عمليات الانفال وقصف هلبجة بالغازات الكيماوية !!!) بالصيغة نفسها التي وردت في دفاعات الذين ادينوا بارتكاب تلك الافعال الاجرامية تقريبا. الا ان اكثر الاسئلة الحاحا هنا هو :
اذا افترضنا ان الاحزاب الكوردستانية فعلا كانت قد تحالفت مع ايران ضد النظام العراقي في زمن تلك الحرب اللعينة ، فهل ان هذا الموقف لتلك الاحزاب يعطي الحق للنظام العراقي بالتخطيط لافناء شعب بأكمله في عمليات ابادة شاملة ، خصوصا وان احداث قتل الكورد بالجملة وحرق قراهم ومزارعهم وثقت بشهادات مئات الشهود الكورد منهم وغير الكورد وبقرار من محكمة مختصة؟ وكيف يرضى انسان منصف خبير في شؤون المنطقة كما جاء في توصيف شخصيته ان يحلل تلك الاحداث بتلك السذاجة ، وبتلك السطحية المبتذلة ؟
وليس من المعقول ابدا ان يكون كاتب المقال الخبير بشؤون الشرق الاوسط غير مطلع على حقيقة ان الاحزاب الكوردستانية كانت تخوض ثورة مسلحة ضد نظام دكتاتوري عنصري بكل معنى الكلمة ، والاحزاب نفسها كانت في صراع مع النظام العراقي قبل الحرب العراقية الايرانية بزمن طويل جدا ، وان هذا الصراع لم يبدأ ابدا مع بدء الحرب العراقية الايرانية . بل ان عمر الصراع الكوردي مع الدولة العراقية يمتد منذ تشكيل تلك الدولة والى …. الان.
وثمة تساؤل اخر يبرز وهو : لماذا تسرعت النسخة العربية ل (اللوموند ديبلوماتيك) نشر ذلك المقال في نسختها العربية وفي هذا الوقت بالذات؟
في كل الاحوال ، هناك الكثير من الماخذ على المقال المذكور ويمكن الرد عليها سطرا بسطر ، ولكن اي قارىء منصف يمكن ان يستقرأ بين ثناياه النفس غير الموضوعية في تحليلاته المبنية على الباطل المزخرف بادعاءات الحيادية . لذلك اكتفينا بهذه الاشارات المقتضبة الى مضامين المقال.
السيد هيلتيرمان وصحيفة الـ (لوموند ديبلوماتيك) اللذين يتباكيان على النضال الفلسطيني في سياق الدعاية لاصدار نشرة لها باللغة العربية خاصة بالشؤون الفلسطينية (كما مبين في بداية هذا المقال) كان يجب ان يكونا اكثر انصافا ايضا حول قضية الشعب الكوردي ، وحين لا يمكن ان نستهين ابدا بنضال الفلسطينيين المشروع في سبيل انشاء دولتهم الحرة ، لا يمكن ان نصفق لمن يرى في النضال الفلسطيني حقا مشروعا (ضد الاحتلال ومن أجل الاستقلال) ، ولكنه في الجانب الاخر يرى في النضال الكوردي من اجل التحرروالديمقراطية حركة ضبابية تكتنفها العيوب والتناقضات وعدم العقلانية وتحقيق اهدافها ضربا من المستحيل ، كما يوحي بذلك مقال هيلتيرمان ، وهو ايحاء يقود في احسن الاحوال الى …. ان اذا اطبقت السماء على الارض فسيكون الكورد هم المسؤولون عن ذلك ، ويكونوا ايضا السبب في نهاية الكون!!.
Taakhi