الرئيسية » مقالات » رؤية البعث والرئيس الراحل حافظ الأسد في المسالة الكردستانية ( ح 2 )

رؤية البعث والرئيس الراحل حافظ الأسد في المسالة الكردستانية ( ح 2 )

كمعظم الكتاب من الطرف الآخر يتناول ز. س ملف القضية الكردستانية من المحور التقليدي وهو النبش ؟ في منشأ الأكراد فلا يضيف جديدا بل يلخص الدراسات السابقة ويفسرها على أهوائه ويجهد نفسه في الخروج باستنتاجات لا ينصف فيها القومية الكردية وذلك بسرده جملة من الخرافات والأساطير والروايات الغير موثقة علميا لينتهي إلى الطعن بأصول وجذور القومية الكردية , يقول المؤلف إن المثقفين الأكراد يبحثون عن جذور لقوميتهم في الأساطير أو في تنسيب حضارات قديمة إليها .
طيب لنسأل ز . س هل يحتاج الأكراد إلى البحث عن جذورهم طالما الجذر موجود أصلا وقد تمت معالجة هذه المسألة كمادة علمية على يد العلامة محمد أمين زكي الذي قدم نظرية متكاملة حول أصل الأكراد بعد مزيد من البحث والدراسة والتحقيق حتى استطاع الحصول المعلومات المتناثرة في بطون أمهات الكتب القديمة والإسلامية والحديثة ومقارنتها بأبحاث العلماء والمستشرقين والمؤرخين لينتهي إلى جمع مادة علمية أعاد ترتيبها وتنسيقها وتنقيحها وتحليلها ليستخرج منها نظرية بطريقة منهجية ومحاكمة عقلية مرتبة منطقيا لتحديد اسلاف الأكراد القدماء , ومن أراد الاستزادة ليرجع إلى كتابه تاريخ الكرد وكردستان , هذه النظرية هي الاصوب والأدق في تفسير أصل الأكراد إلى إن تأتي الأبحاث التاريخية والمكتشفات الأثرية بدلائل جديدة تعزز هذه النظرية أو تطعن في صحتها , بالنسبة للقومية الكردية مسالة الأصل لا تشكل لها مشكلة كون هذا الأصل موجود ويمتد في التاريخ رمحا طويلا في قلوب الحاقدين , شعب تعداده 50 م / ن ويحتل قلب العالم واستطاع الاستمرار في الوجود رغم الحروب التي تعرض لها باستمرار منذ آلاف السنين لا بد إن يكون عريقا وإلا كان قد تعرض للانقراض كغيره , المشكلة موجودة لدى الأطراف الأخرى حين يثيرون مسألة أصل الأكراد لدوافع سياسية تتعلق برفض الحق الكردي , يشكك ز. س بأصل الأكراد انطلاقا من فكرة شديدة التخلف والعشائرية فيقول لا يوجد جد قديم ينتسب إليه الأكراد وكأن الأكراد قبيلة بدوية لا شغل لأبنائها سوى حفظ أسماء الأجداد والآباء والافتخار بهم , انا شخصيا بالكاد أتذكر اسم أبي وجدي وغير ذلك لا يلزمني فهل أكون بدون أصل , لا يوجد إنسان على وجه الأرض بدون أصل ولكن وفق قيم وأفكار كل مجتمع بعضهم يحب حفظ الأنساب والبعض لايقيم وزنا لهذه العادات البائدة , إن عدم توفر اسم جد قديم لشعب ما لايعني إن هذا الشعب بلا أصل , على ما يبدوا إن الكاتب صدق رواية علماء الأنساب حول قحطان وعدنان كأجداد خرج من صلبهم العرب , إذا ليقدم لنا دليل علمي واحد على إن الزنجي الصومالي تدور في عروقه دماء قحطانية أو عدنانية , إن مسألة نزوع الأمم إلى ربط جذورها بالأسطورة والخرافة حالة عاطفية – معنوية لأن الإنسان ينجذب إلى ما هو بطولي وخارق للطبيعة البشرية , إن بعض الأمم تنسب أصلها إلى الدببة أو الذئاب أو الأرانب وبعضهم إلى الكلاب وحتى الحمير حيث ما زالت جماعات هندية تؤمن بأن جدها الأول فأر محترم وعريق , إذا كان ز.س يجد الخرافة صحيحة في تفسير أصل الأكراد عليه إن يقبل بذلك في تفسير أصول الأقوام الأخرى ويبتعد عن سياسة الكيل بمكيالين ويقر بان أشقائه الأتراك من نسل ذئبة رمادية , هل يمكن إن تكون الخرافة دليل منطقي مقبول في تحديد أصل امة ما , من جهة ثانية كثيرا ما تقوم بعض الشعوب المنحطة حضاريا بتصنيع جذر تاريخي لها حتى تخبأ عيوبها في شرنقة تاريخها المزيف اعتقادا منها إن الأصل العريق سوف يغطي على جهلها وتخلفها وضعفها , إن التركيز المكثف للكاتب على مسألة أصل الأكراد واكتفاءه بذكر الأساطير وإغفاله للآراء العلمية المنصفة أو ذكر نصفها الذي يخدم مآربه يهدف إلى :
*الحط من شان الأمة الكردية واستفزاز أبنائها اعتقادا منه إن الأصالة تكمن في معرفة اسم جد أو جدين
* الإيحاء بان الأكراد أقوام لا تجمعهم جامعة فهم ليسوا شعب واحد حتى تكون لهم قضية قومية وحقوق
* إنكار حقيقة الأصل الآري للأكراد تمهيدا لطرح نظريته العجيبة حول أصل الأكراد وسوف نذكرها لاحقا لخطورتها وتجنيها على الحقائق العلمية .
يتلاعب الكاتب ببعض الأساطير بما يخدم فكرته تلك فينسب إلى البدليسي حكاية فرار أقوام شتى من الملك الظالم الضحاك إلى الجبال وحين اجتمعوا هناك سموا أكرادا , ربما تكون الرواية صحيحة حول فرار الناس من الملك ولكن هؤلاء الفارين لم يكونوا أجناس شتى بل أكراد أي أنهم كانوا موجودين قبل هذه الحادثة , على ما يبدوا إن ز.س لا يشبع من الطعن في نسب الأكراد فيقوم بسرد خرافة ميثولوجية حول نكاح الملك سليمان للجن والشياطين والإماء المنافقات لينجبن منه الأكراد , لا يخفى إن الكاتب يدرك عدم واقعية هذه الخرافة ولكنه يوردها إمعانا منه في تشويه تاريخ الشعب الكردي أو بهدف تحريض القوميات الغالبة على القومية الكردية المغلوبة حيث سكان المنطقة بثقافتهم الدينية المتخلفة يؤمنون بمثل هذه الخزعبلات ولن يسرهم القبول بالأكراد بين ظهرانيهم ما داموا من نسل الشياطين والجن الأشرار يا ستار.
يدعي الكاتب بأن ليس هناك شعب قديم حمل اسم الأكراد وهذا رأي يخالف منطق التاريخ وتطور الأمم والشعوب إذ كثيرا ما تتبدل أسماء الأشياء وحتى الأقوام ربما لم يكن إسلاف الأكراد في التاريخ السحيق يحملون اسم كردي ولكن هذا لا ينفي حقيقة أنهم كانوا موجودين تحت مسمى آخر ولحسن الحظ فان ز.س يفند راية حين يذكر أسماء أقوام كانت لها صلة وثيقة بأكراد الحاضر الكوتو والكاشو و اللولو والكورديان والكاردوخي … نعم هولاء كلهم إسلاف الأكراد وكانت لهم دول وحضارات لم تسمى في زمنها باسم الأكراد ولكنها حملت اسم جزء من القومية الكردية وسميت دولها باسم ذلك الجزء الذي قد يكون نسبة إلى قبيلة أو إقليم من أقاليم كردستان , وهذا هو حال الأقوام الأخرى التي لم تحمل اسم قومي شامل يدل على كافة مجموعاتها إلا في العصور المتأخرة حين تحول الشعور القومي إلى حركة سياسية قومية وأخذت الشعوب تبحث عن هوية تميزها عن البقية فصار لكل شعب اسمه القومي , لم يكن هناك مصطلح باسم الأمة العربية قديما بل هذه التسمية ظهرت مع ظهور الدولة الإسلامية وقبل ذلك كانت العرب تسمى بأسماء قبائلها فهل هذا يعني إن العرب لم يكونوا موجودين في الجاهلية طالما لم يكن لهم اسم جامع يدل عليهم , لماذا يحاول ز.س جعل هذه الظاهرة الاجتماعية الاعتيادية في حياة الأمم نقيصة بالنسبة للشعب الكردي , طبعا الآخرون نالوا دول فما عادت هناك حاجة إلى الطعن في أصولهم حتى لو كانوا قردة أما الأكراد فلم ينالوا عناية الله فقد أصبحت جذورهم مشكلة عويصة .
إذا كان الأكراد وجود طارئ في تاريخ المنطقة فماذا نقول عن الأتراك حيث التاريخ الموثق الذي لا لبس فيه ولا غموض يؤكد بأنهم حتى العصر الإسلامي الوسيط لم يكونوا أكثر من مجموعات قبلية تركمانية متناثرة في آسيا الوسطى ولم يسجل لهم وجود في المنطقة إلا في العصر العباسي الثاني والأتراك أنفسهم ينسبون أصلهم إلى ذئبة لا أكثر ولا اقل أما أتراك اليوم فان دولتهم مقامة على الأراضي الكردية والارمنية والعربية والبلقانية والقوقازية والأمة التركية هي نتاج عملية تتريك طويلة الأمد طالت البلقانيين وغيرهم وبناءا عليه فان النسب الكردي أنقى من النسب التركي ,على الأقل أسلاف الكرد تمازجوا بطريقة طبيعية سلمية لتنبثق منهم الشخصية الكردية أما الأتراك فقد فعلوا ذلك عبر عمليات الصهر القومي التي ما زالت مستمرة بحق أهالي البلاد الأصليين من الكرد والعرب والبلقان وغيرهم , هناك التركي ذي الملامح المغولية والقوقازية والبلغارية … فلماذا لا يجرا الكاتب على الطعن في أصل الأتراك أو الفرس الذين هم أيضا نتاج تلاقح أقوام الهضبة الإيرانية وليس صحيحا ما يشاع بان الأكراد فرع من الفرس بل العكس هو الصحيح ولكن لأن الفرس نجحوا مبكرا في القيام بانقلابهم العسكري الذي أدى إلى اغتصاب الدولة والحضارة من الأكراد فصارت لهم دولة وتم تسجيل المنجزات الحضارية والعراقة باسمهم فمن يجرا على التشكيك بأصلهم وهم أصحاب دولة بينما الأكراد يتامى العالم هدف سهل للجميع ولو كانت لهم دولة ما كنا نسمع هذه التخرسات من الآخرين وهم يطعنون في جذور الأكراد .