الرئيسية » مقالات » حول محنة الصابئة المندائية في العراق

حول محنة الصابئة المندائية في العراق

منذ فترة غير قصيرة كتب أحد المندائيين في موقع على الانترنيت يقول:
“الصابئة المندائيون الحاليون ينتشرون على الضفاف السفلى من نهري دجلة والفرات، ويسكنون في منطقة الأهوار وشط العرب، ويكثرون في مدن العمارة والناصرية والبصرة وقلعة صالح والحلفاية والزكية وسوق الشيوخ والقرنة وهي موضع اقتران دجلة بالفرات، وهم موزعون على عدد من الألوية مثل لواء بغداد، والحلة، والديوانية والكوت وكركوك والموصل. كما يوجد أعداد مختلفة منهم في ناصرية المنتفق والشرش ونهر صالح والجبايش والسليمانية.

– كذلك ينتشرون في إيران، وتحديداً على ضفاف نهر الكارون والدز ويسكنون في مدن إيران الساحلية، كالمحمرة، وناصرية الأهواز وششتر ودزبول.
– يقدر عددهم بعشرة آلاف شخص تقريباً، معظمهم في العراق”.
فهل حافظ الصابئة المندائيون على عددهم في العراق وعلى المواقع والمدن التي كانوا يعيشون فيها منذ أكثر من ألفي عام؟ لقد عاش الصابئة المندائيون بسلام وأخوة طوال قرون في العراق. فهم أتباع دين توحيدي يدعو إلى السلام والود بين الناس واحترام الأخر, وهم من أصل هذه البلاد, إضافة إلى وجودهم السابق في كل من سوريا وفلسطين أو ما زال البعض منهم يقطن إيران حالياً.
لم يتعرض النظام السابق إلى أتباع هذه الديانة من حيث كونهم ديانة عراقية قديمة, ولكنه حارب بشراسة أولئك الذين مارسوا السياسة وعارضوا النظام وطبيعته الاستبدادية والعدوانية. ولم يكن عدد المناضلين من الصابئة المندائية قليلاً, بل شارك الكثير منهم في الحركة الوطنية العراقية على امتداد فترة الحكم الوطني الحديث في العراق وتعرضوا للاضطهاد والتعذيب والسجن واستشهد منهم الكثير من المناضلين الشجعان. إن نسبة من شارك منهم في النضال بالقياس إلى نسبتهم إلى مجموع السكان كبيرة حقاً, وهو تعبير عن حبهم لهذا الوطن وعشقهم للحرية والديمقراطية والعيش الآمن مع الجميع.
ولكن بعد سقوط نظام الاستبداد ألصدامي تعرض الصابئة المندائيون, وخلال السنوات الخمس المنصرمة, إلى حملات إرهابية ظالمة وشرسة جداً, وكانت جزءاً مما تعرض له الشعب كله. لقد تشتت شملهم ونزحوا من مواقع سكناهم العزيزة إلى نفوسهم إلى بغداد ومنها إلى الخارج, سواء أكان ذلك إلى سوريا أم الأردن أم إلى كُردستان العراق حيث وجدت جمهرة من عائلاتهم ملاذاً آمناً لهم, إضافة إلى هجرة الكثير منهم إلى دول الشتات العراقي في أوروبا وأمريكا وغيرها بأمل الخلاص من الموت, كما حصل لعدد كبير من العائلات المندائية في العراق. لقد ذبحوا في بيوتهم وعلى قارعة الطريق وأثناء هروبهم إلى سوريا أو الأردن, لقد طردوا من بيوتهم تاركين ورائهم كل ما يملكون, سلبت محلاتهم, وهم من خيرة صاغة الذهب والفضة في العراق. لم يبق من ذلك العدد المذكور سوى جمهرة لا يزيد عددها في العراق عن عدة ألاف لا غير, وهم يسعون إلى حماية ما تبقى منهم والحفاظ على تراثهم الإنساني البديع والخالد وعلى تقاليدهم ودينهم ومعابدهم وطقوسهم وقربهم من نهري دجلة والفرات.
لقد تعرض الصابئة المندائيون لهجوم شرس من قوى ظلامية في المقدمة منها قوى القاعدة , ثم قوى ميليشيات إسلامية سياسية متطرفة بهدف فرض الهجرة على هذه الطائفة الدينية من العراق, هذه الجمهرة الخيرة من البشر العراقي الأصيل الذي ساهم مع بقية بنات وأبناء الشعب من أتباع القوميات والأديان والمذاهب الأخرى في بناء مجد العراق وحضارته وتقدمه. كما شاركت عصابات الجريمة المنظمة, بسبب فلتان الأمن في العراق خلال السنوات المنصرمة, بالهجوم على الأقليات الدينية والمذهبية الصغيرة والضعيفة دون أن تستطيع الحكومة الدفاع عنهم ولا قوات الاحتلال التي كانت من ضمن مسئوليتها الأولى حماية أمن المواطنات والمواطنين في البلد الذي تم احتلاله.

في أوائل شهر حزيران/يونيو من هذا العام (2008) تشرفت بزيارة مندى بغداد للصابئة المندائية والتقيت برئيس وعدد من أعضاء مجلس الشئون العام ومجلس العموم وهيئة تحرير المجلة الناطقة باسم المندائيين في بغداد. ثم تشرفت بلقاء فضيلة الكنزا برا الشيخ ستار جبار حلو رئيس طائفة الصابئة المندائية. وجرى الحديث مع الأخوة في المجلس ورئيس الطائفة عن أحوال الطائفة ومعاناتها خلال السنوات المنصرمة والعدد الكبير جداً من العلماء والمفكرين والفنانين والشعراء والأدباء والمهنيين الممتازين والعائلات المندائية الذين أجبروا جميعاً على ترك العراق وهم يعيشون اليوم في أوضاع مزرية في دول الجوار العربية وفي مناطق أخرى من الشتات العراقي, إضافة إلى قلة الدعم الذي يحظى به الصابئة المندائيون من جانب الدولة والحكومة, رغم ظروفهم الصعبة وحالة العسر التي يمرون بها. ولم ينس الكنزا برا فضيلة الشيخ ستار جبار حلو من الإشارة إلى أن غالبية أتباع الأديان والمذاهب في العراق قد واجهوا ذات المصائب والمصاعب خلال السنوات المنصرمة, فالهم العراقي واحد ولدى الجميع.
وفي الوقت الذي وافق النظام العراقي ألصدامي الاستبدادي قد وافق على صرف رواتب لعدد من شيوخ الطائفة في ضوء قرار صادر في 2/11/1981 عن وزارة الأوقاف, انقطعت هذه الرواتب بعد سقوط النظام حتى الآن, في وقت هم بأمس الحاجة لها. وفي الوقت الذي أصدر البنك المركزي العراقي بتاريخ 19/3/2003 صكاً برقم 0411858 لصالح نادي التعارف الصابئي المندائي بمبلغ قدره 16119200 ديناراً, باعتباره تعويضاً عن المباني والمنشآت المقامة على أرض نادي الزوراء بعد الاستيلاء عليه لأغراض أمنية, لم يدفع هذا المبلغ رغم صدور قرار جديد من مكتب السيد رئيس الوزراء نوري المالكي وموقع من مدير مكتبه السيد الدكتور طارق نجم عبد الله بتاريخ 27/9/2006 وبعدد م.ر.ن/س/586 بصرف الصك المشار إليه باعتباره تعويضاً وليس منحة أو هبة من الدكتاتور ونظامه, إلا أن الصك لم يصرف حتى الآن رغم كثرة المراجعات ومحاولات استحصاله حتى يوم لقائي بهم.
إن الإشكالية الكبيرة تبرز في واقع الأمر في الفوضى السائدة في دوائر الدولة ورفض الموظفين تنفيذ قرارات الحكومة وغياب أي نظام للمتابعة والمراقبة لمعرفة كيفية تنفيذ قرارات الحكومة واحتمال وجود من يحاول عرقلة تنفيذ تلك القرارات لإشاعة التذمر المتعمد في صفوف المجتمع.
أتمنى على أعضاء الأمانة العامة لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق الانتباه إلى أهمية دعم أتباع هذه الديانات والمذاهب المحرومة من كل مساعدة حكومية, في حين توجه المساعدات والأموال بسخاء بالغ إلى مؤسسات دينية أخرى وإلى أتباع ديانات ومذاهب أخرى في العراق وإلى الحسينيات والجوامع, في حين يحرم منها أتباع الدين الصابئي المندائي وأتباع الأديان الأخرى التي تشكل أقليات دينية في العراق, ولكنها من أقدم الديانات التوحيدية في البلاد.
لقد حظيت بهدية كبيرة وقيمة من الأخوة في المندى هي كتاب الكنزا برا المترجم إلى العربية وبطباعة أنيقة سأحتفظ به مع بقية الكتب السماوية والكتب الدينية الوضعية التي تغتني بها مكتبتي الشخصية.
أتمنى على المسئولين إعارة الانتباه إلى هذه الطائفة الدينية التي أغنى أفرادها بجمهرة كبيرة من خيرة مواطني من علماء وأدباء وشعراء وفنانين ومهنيين بمعالجة مشكلاتهم ومنحهم ما يستحقونه, إضافة إلى العمل من أجل عودة اللاجئين منهم إلى العراق وتعويضهم بما فقدوه بسبب العمليات الإرهابية وعمليات السلب والنهب التي تعرضوا لها خلال الفترة المنصرمة.

24/6/2008 كاظم حبيب