الرئيسية » مقالات » العراق بين المطرقة الإيرانية والسندان الأمريكي

العراق بين المطرقة الإيرانية والسندان الأمريكي

-1-


تعالت مطالبات الساسة الإيرانيين لنوري المالكي أثناء زيارته الأخيرة لإيران، بوجوب عدم توقيع الاتفاقية الإستراتيجية العراقية – الأمريكية في نهاية يوليو/تموز القادم، كما هو مقرر. وحجة إيران في ذلك أن هذه الاتفاقية سوف تهدد المصالح العراقية – الإيرانية، وتثبّت قدم القوات الأمريكية في المنطقة، في حين أن معظم بلدان العالم العربي فيها قواعد عسكرية أمريكية مباشرة وغير مباشرة، معلنة ومخفية، وإيران لا تحرك ساكناً تجاه هذه القواعد، التي تمثل مدى النفوذ الأمريكي في العالم العربي.

-2-


نفهم أن تتخوف إيران وتقلق من وجود قواعد عسكرية أمريكية على حدودها في العراق، خاصة في هذه المرحلة بالذات، التي تقف فيها إيران وحيدة في مواجهة الشرعية الدولية، وقرارات الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والتهديد والوعيد الأمريكي – الأوروبي لها، بسبب ملفها النووي، الذي تسير به قُدماً إلى الأمام غير عابئة ولا مكترثة لكل التهديدات والعقوبات التي تنزل عليها بين فترة وأخرى.

ولكن الشيء الذي لم نفهمه من الموقف الإيراني تجاه الاتفاقية الاستراتيجية العراقية – الأمريكية، هو خشية إيران على استقلال وسيادة العراق من هذه الاتفاقية. وكان لنا أن نفهم هذا السبب من قِبل إيران، لو أن إيران حقاً هي التي لم تحتل أراضٍ عراقية، ولم تطفيء قناديل العرس العراقي بتخلصه من الديكتاتورية السابقة، من خلال دعمها للمليشيات الدينية المسلحة في العراق، التي نشرت الموت والدمار، وأحالت عرس العراق إلى سرادق عزاء دائم، يتشح بالسواد الدائم، كما تتشح المرأة الإيرانية بالشادور.


-3-

كان على رئيس وزراء العراق السيد نوري المالكي، وهو يستمع كأي تلميذ نجيب إلى “المعلم” علي خامئني، بعد أن قلع ربطة عنقه، ليُبدي الندم وكسر القلم، أن يذكّر المرشد العام لإيران، باحتلال إيران عام 1925 لمنطقة الأحواز العراقية العربية (الأحواز معناها التملّك والحيازة) التي يطلق عليها الإيرانيون “عربستان” أو “خوزستان”، والتي تنتج 90% من البترول الإيراني، فبلغ إنتاجها في عام 2007، 54 بليون دولار، ووصل احتياطي النفط فيها إلى 133 بليون برميل، واحتلتها إيران بمساحة 65 ألف كم مربع، وضمتها إلى أراضيها رسمياً في عهد “رضا شاه بهلوي” وبمساعدة بريطانيا، والتي سقطت الآن من الذاكرة العربية والذاكرة العراقية كذلك. فلم يعد أحد من فرسان التعليقات السياسية العربية، وخاصة المدافعين عن السياسة الإيرانية في العراق والشرق الأوسط عموماً، ذكرها، أو تذكير القارئ العربي بها، علماً بأن 95% من سكانها كانوا عرباً بزعامة الشيخ المناضل مزعل بن جابر بن مرداو، وتمَّ تهجير جزء كبير منهم، وإحلال مواطنين إيرانيين بدلاً منهم، وهذا ما فعلته وما تفعله إيران كذلك في الجزر العربية الثلاث التابعة للأمارات العربية المتحدة، والتي احتلتها إيران كذلك عام 1971، في عهد الشاه السابق، إشارة منها إلى أن الأحواز العراقية والجزر الأماراتية لن تعود عربية إلى أصحابها. وبالمقابل، فإن أمريكا في الشرق الأوسط، وفي الخليج وفي العراق، لم تفعل فعل إيران في ضمِّ أراض عربية إليها في تحدٍ واضح ومباشر للعرب، وفي غيبة من القوة العسكرية العربية الرادعة، وكأن العالم العربي بالنسبة لإيران أصبح (وكالة بلا بواب) تقتطع منه إيران ما تشاء، ومتى تشاء، دون وازع أو رادع، في الوقت الذي تستنكر على العراق توقيع معاهدة استراتيجية عراقية – أمريكية تحفظ العراق من مزيد من الاقتطاع من أراضية كما فعلت إيران عام 1925، وعام 2004.

-4-


ولم تكتفِ إيران بالأحواز، الجوهرة الثمينة، التي ضمتها إلى إيران عنوة، وإنما انتهزت فرصة غياب الدولة العراقية عام 2004 وانشغال العراقيين بالتحرر من الديكتاتورية البائدة، وقامت باحتلال المزيد من الأراضي العراقية.

ففي عام 2004 أكد مصدر مسؤول في وزارة الدفاع العراقية، أن إيران استغلت الأوضاع المضطربة في العراق، واحتلت أراض يتراوح عمقها بين خمسة وعشرة كيلومترات في القاطعين الأوسط والجنوبي من الحدود المشتركة في وقت اعتبر وزير الدفاع العراقي السابق حازم الشعلان إيران، العدو الأول لبلاده.

وقال المصدر، إن القوات الإيرانية اخترقت الحدود المشتركة في منطقة ” زين القوس” بقاطع محافظة ديالى، ومنطقة “بدرة وجصان” بقاطع محافظة الكوت، إضافة إلى مناطق أخرى محاذية لمحافظة العمارة. وأشار إلى أن الإيرانيين استغلوا حل الجيش العراقي ومعه حرس الحدود عقب سقوط صدام حسين، وزحفوا إلى داخل الأراضي العراقية، وأقاموا مخافر حدودية جديدة لهم داخلها، مع جميع الخدمات اللازمة لها من مستوصفات، وأسواق، وتجهيزات ماء وكهرباء، لفرض أمر واقع على ما يبدو. وما زال الإيرانيون يحتلون هذه الأرض وربما أعلنوا غداً، بأن ما احتلوه جزء لا يتجزأ من إيران، كما فعلوا في الأحواز العراقية عام 1925، والجزر الأماراتية عام 1971.

-5-

إن العالم كله يعرف ويدرك مأساة عرب فلسطين في وطنهم المغتصب، فلا داعٍ لتكرار الكلام والحقائق المعروفة بالتفصيل عن نكبة العرب في فلسطينهم. أما نكبة العرب في أحوازهم العراقية فمن النادر أن تجد – وخاصة بين الجيل الجديد – من يعلم شيئاً عن هذا الوطن السليب، وربما يرجع ذلك إلى التعتيم من قبل الإعلام الديني على هذا الجزء من الوطن المغتصب، باعتبار أن مغتصبيه مسلمون وليسوا فرنجة. وهذا ما حدث بالنسبة للاستعمار العثماني الذي دام أربعة قرون (1517-1918) للعالم العربي، وما زال البعض يبكي عليه وعلى أيامه “المجيدة”. وهذا ما حصل كذلك بالنسبة لاستيلاء تركيا المسلمة على لواء الإسكندرون السوري منذ عام 1939، ولم يعد أحد يذكره، كما لم يعد أحد يذكر الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العربية في العراق والأمارات العربية المتحدة.


-6-

إن ما بقي من مساحة مخصصة لهذا المقال، لا تسمح بأن نقوم بوصف إقليم الأحواز وصفاً تاماً وأهميته الجغرافية والبترولية. ولكنا نملك شجاعة القول في هذا الشأن، من أن نقول إن ما فعلته إيران عام 1925 من احتلال لمنطقة الأحواز (عربستان) الغنية جداً بالنفط العربي المسروق من قبل إيران، وفورستها، وطمس هويتها العربية واستبدالها بالهوية الفارسية لا يقل عما فعلته إسرائيل في فلسطين منذ عام 1947 حتى الآن، من طمس هويتها وتهويدها وتهجير سكانها واستبدالهم بمهاجرين يهود من كل أنحاء العالم. وكما أنكر التاريخ العبري الوجود العربي الفلسطيني في فلسطين، فقد أنكر الإيرانيون الوجود العربي في الأحواز، علماً بأن الأحواز كانت منطقة قبائل عربية مشهورة ومعروفة كقبائل “بني كعب”، و “بني تميم”، و “آل كثير” وغيرهم. وكما غيّرت إسرائيل أسماء الأماكن والشوارع من العربية إلى العبرية، فقد فعلت إيران الشيء نفسه في الأحواز. وكما شطبت إسرائيل كلمة “فلسطين” من الخارطة، واستبدلتها بكلمة “إسرائيل”، فقط شطبت إيران كذلك كلمة “الأحواز” من الخارطة واستبدلتها بالكلمة الفارسية “عربستان” أو “خوزستان”. وكما فرضت إسرائيل في مدارسها اللغة العبرية، فقد أصبحت الفارسية اللغة الرسمية في الأحواز. كما قامت إيران بفرض الحكم العسكري في الأحواز، وحرمت سكان الأحواز العرب من أية حقوق سياسية ومنعت تدريس اللغة العربية في مدارسها، وانتزاع الأراضي من الأحوازيين وإقامة مستعمرات إيرانية عليها.. الخ. فكذلك فعلت إسرائيل.

وما زالت إيران تتباكي على العراق، وتطالب بقوة وتصميم على الانسحاب الأمريكي من العراق، ونسيت أنها احتلت واقتطعت جزءاً من العراق قبل أكثر من ثمانين عاماً، في حين أن أمريكا لم تعلن العراق أو جزءاً منه الولاية الحادية والخمسين، ولم تضم جزءاً من العراق إلى أراضيها. والآن يتنافس مرشحا الحزبين – الجمهوري والديمقراطي – على أيهما يستطيع الانسحاب من العراق انسحاباً مشرفاً فيما لو فاز في الانتخابات الرئاسية القادمة، بينما تظل الأحواز، خارج الذاكرة العربية، كمنطقة محتلة ومغتصبة.