الرئيسية » مقالات » جزيرة المحبة

جزيرة المحبة

في مكان بعيد تميز بجماله وهوائه العليل وبسماءٍ زرقاء صافية وجبال عالية ، كأنها أسواراً وحصوناً منيعة تحيط به من كل الجهات أما عن أرضه فهي خضراء زاهية تزينها ضحكات الأزهار الحمراء والصفراء والبيضاء والوردية ، كان يسكنها البشر والعديد من الحيوانات لكن علاقتهم لم تكن ودية ، وكان يعيش هناك عالم ذكي اسمه يوليان ، و هو يفقه الكثير من الأشياء ، يكتشف الأمراض ويعرف أسبابها ويكتشف الأدوية المناسبة لها ، كان عالما حقيقياً لا تستطيع الأمراض المستعصية أن تقف أمامه.
وفي يوم من الأيام أتى لهذا العالم خبر ، وهوان هناك مرض خطير مجهول يقتحم البيوت ويقتل الناس وقد عجز الكثير من العلماء إيقافه حتى أن احدهم تعرض للأصابة ولم يعش طويلاً ، وقد أسمى العلماء هذا المرض الخطير بالوحش المفترس.
رغب هذا العالم رغبة شديدة بالقضاء على هذا المرض ، وفجأةً ضعفت عزيمته واكتئب اكتئاباً شديداً بسبب موت اعز أصدقائه بهذا المرض اللعين الذي قضى على عشرات الأشخاص و الأسوء من ذلك انه لم يعرف كيفية إجتنابه ، انتشر هذا المرض انتشاراً كبيراً.
وفي يوم من الأيام كان العالم ينظر من النافذة يتأمل الطبيعة فرأى عشاً فيه عصفورة وصغارها ، كان الصغار جياعاً و تزقزق بصوت عالي أشبه بالصراخ ، فتركت الأم الصغار وذهبت لتبحث عن الطعام ، رأت قطعةًًًًًََُ من الخبز متوسطة الحجم ، حطت على الأرض لكي تأخذها لكن القطعة كانت كبيرة جداً على منقارها ، أصرت هذه العصفورة على حمل الخبزة ، وظلت تحاول وتحاول ولم تيئس وفي هذه الأثناء غفى العالم وعندها راوده هذا الحلم :
رأى العصفورة ما زالت تحاول رفع الخبزة بمنقارها .
فقال لها: أيتها العصفورة أليس من الأفضل لك أن تذهبي لتبحثي لنفسك عن غيرها.
فقالت العصفورة: ولماذا أنهزم بسرعة فقد انجح .
فقال لها: لكنك تدركين بأنك لا تستطيعين ومع هذا تحاولين ولا تجزعين ، فلم هذا الإصرار؟
فأجابته: لأنه يجب على المرء ألا يفقد الأمل ولو بقيت لحظة واحدة من عمره .
فقال العالم: لكنني أظن أن الصغار قد يموتوا جوعاً ولا وقت عندكي كي تضيعيه فاذهبي وخذي غيرها .
فأجابته: أريد هذه القطعة من الخبز فقد لا أجد قطعة غيرها ، فلكل منا هدف فحتى النملة الصغيرة عندما تجد حبة القمح تظل تحاول وتحاول دون كلل أو ملل حتى تأخذها .
فقال العالم: كل ما تقولينه صحيح و أنا مخطئ بكثير من الأشياء وأحسدك أنت أيتها العصفورة الطيبة لأنك تمتلكين إرادة صلبة وعزيمة
قوية أما أنا فلا امتلك شيئاً من هذا أفلا تريني فقدت الأمل ، وركضت وراء عاطفتي تاركاً واجبي الإنساني أضعت وقتي بأحزاني ويأسي سوف أتعلم منك.
فقالت له: اجل هذا هوالصحيح ، وأرجو أن تعود لصبرك وطموحك ، أرجو للأمل أن يعود اليك من جديد لكي تعود أرضنا خضراء حلوة ينعم فيها الناس بالعافية والسرور .
فأجابها:معك حق أيتها الطيبةا يجب على المرء أن لاييئس من الأمور كبيرها وصغيرها ، بل عليه أن يحاول ويحاول حتى ينجح.
فقالت: صدقت، وأنت أيضا عليك أن لا تيئس واعلم أن لكل شيء أوان ولا بد أن ياتي اليوم الذي تجد من يخبرك ما تريد أن تعلمه لكن اعلم انه عليك أن تعمل لغيرك لتجد ماتريد لنفسك .
فذهبت العصفورة وصار ينادي عودي أرجوك لكنها لم تعد وعندها استيقظ العالم فرأى العصفورة وهي تحمل الخبزة بساقيها اللطيفتين
فأخذتها لصغارها وبدأت تقطعها بمنقارها إلى قطع صغيرة وتطعمها للاولاده ا، فنظر العالم إلى الأرض وقال :عصفورة صغيرة حققت ما تريد فلماذا لا أحقق أنا ما أريد وأنا إنسان يمتلك عقلاً ومعرفة ، فان لم استطع أن افعل شيئاً لأساعد به هؤلاء الناس فلماذا اسمي نفسي بعالم يدعي المعرفة ومن ذلك اليوم بدأ العالم بحثه عن هذا الدواء الذي سيقضي على هذا المرض القاتل الذي يسري بسرعة في أجساد الناس يسبب لهم آللاماً لا يستطيع حتى الاقوياء أن يتغلبوا عليها.
وذات يوم نهض يوليان باكراً وذهب إلى الغابة ليتنزه قليلاً وجد غزالاً مصاب بساقه وممداً على الأرض فأسرع إليه وبدأ بعلاجه وعندما استيقظ الغزال لم يحس بالألم فشكر الطبيب وقال له : في الحقيقة أنت كنت كريماً وطيبا جداً معي ولا اعرف ماذا افعل لأجلك لكني كنت قد سمعت بمرض خطير اسماه العلماء الوحش المفترس ولم يجد احد الدواء له لذلك أحب أن أساعدك فنحن الغزلان نزرع شجرة اسمها الدواء الشافي فهي تشفي من كل الأمراض ، فسوف أعطيك بعض ثمارها وعليك أن تضعها في قدر كبير تملؤه بالماء وتحضر زهرة المحبة وتخلطهابالمزيج ، ثم أوقد نارا وضع القدر فوقه ودعه يغلي و عندما يبرد اعطي كل مريض ملعقة واحدة وبإذن الله بعد يوم سوف يشفى الجميع.
فذهب العالم ونفذ كلام الغزال بدقة ، واخبر الجميع بهذا النبأ السار ، دهش الناس بما قاله العالم ، وفي اليوم التالي ذهب الناس إلى العالم يوليان وصاروا يقولون شكراً يوليان شكراً يوليان شعر يوليان بالسعادة ، وروى لهم كل ما حدث وطلب منهم أن لا يؤذوا أي حيوان حتى الأفعى ذات السم القاتل لأنها لا تؤذي أحدا ما لم يؤذها هي أو صغارها .
فما كان لأحد أن يشفى لو أن يوليان لم يساعد الغزال ، فوفاء الغزال وتقديره لمساعدة العالم يوليان له كان السبب في أعطاءه وصفة العلاج فاخبر الجميع أن لا يؤذوا حيواناً بعد الآن ، وسوف يقدموا المساعدة اللازمة لكل الحيوانات وأن يأكلوا النباتات فقط .
ومن ذلك اليوم أصبح ذاك المكان مكان المحبة والصفاء يسكنه الإنسان والحيوان يتقاسمون فيه لقمة العيش كل منهم يساعد الأخر ويقدم له ما يحتاج دون مقابل ، وقد سمي ذالك المكان موطن المحبة و تذكر يوليان كلام العصفورة عندما قالت:
لكل شيء أوان ولابد أن يأتي اليوم الذي تجد من يخبرك ما تريد ، لكن اعلم انه عليك أن تعمل الخير لغيرك لتجده لنفسك ، فصار هذا العالم و الغزال أفضل الأصدقاء ولا يقدم احدهما على أي أمر دون استشارة الأخر ، وبمساعدته اصبح بارعاً في اختصاصه لا يعرف الخطأ في تشخيص المرض ووصف الدواء المناسب له.
وقد كان يوليان يقول دائما : على العلاقة بين الإنسان والحيوان أن تكون هكذا فلن يجد الإنسان أفضل من الحيوان صديقاً وفياً له وهاهو موطن المحبة يزدهر من جديد.