الرئيسية » مقالات » إنها في السياسة أيضا، يا صديقي!

إنها في السياسة أيضا، يا صديقي!

كنت أمام الشاشة أشاهد وأسمع بشغف وانبهار حفلات عيد الموسيقي الدولي في باريس، والذي كانت فرنسا أول من دشنه عام 1982، ثم تحول لعيد دولي تحتفل به كثرة من دول العالم. كانت كل آلات الموسيقى تعزف مساء، وفي كل مكان، والشبان يرقصون منطلقين، وحتى الطباخون شكلوا فرقة صغيرة تدق بانتظام على القدور والصحون.
فجأة رن الهاتف، وكان على الخط صديق قديم يسأل عن صحتي بعد انتكاستها، ثم قال فجأة ضاحكا: “الحمد لله الذي أرجعك إلينا.”
دهشت وطلبت التوضيح، فقال “عدت لعالم السياسة بمقالك الآخر بعد تتالي تداعياتك الأدبية.” لم أشأ مناقشته وبدلت الموضوع ، ثم تبادلنا التحية والتمنيات.
لقد كان بودي أن أذكره بمقدمة الصديق عبد الخالق حسين، الذي أودعته القطع الأدبية منذ شهور لينشرها حين يرى ذلك مناسبا، والقطع كما ورد في مقدمتي كتبت على مدى سنوات طوال لاسيما في التسعينات، ولم تكتب هذه الأيام.
كان بودي أن أطلب منه العودة للعديد من تلك القطع ليدرك أنها في السياسة أيضا، مباشرة أو غير مباشرة، فالسياسة، إن صح القول، لا مهرب منها حتى ونحن نتجاوب مع أنغام الموسيقى.
الحقيقة أنني كلما أشاهد تلفزيونيا حفلة غناء وموسيقى هنا، والمئات سعداء، تهجم عليَّ أحيانا وفجأة فكرة مروِّعة: أن تفجر إرهابية إسلامية سافلة، أو إرهابي إسلامي حقير، هذا الحفل بحزام المتفجرات لتقع مئات الشابات والشبان ضحايا بريئة من قتيل وجريح. كما أنه في كل مرة تأخذني الموسيقى فجأة للعراق، حيث هيمنة رجال الدين والأحزاب الإسلامية، التي تحرم الموسيقى والفنون، فلا تبقى في الساحة غير مراسيم اللطم والتطبير! ومن حسن الحظ أن إقليم كردستان سلم لحد اليوم من هذه الوافدة الظلامية، أن الفرق الموسيقية الكردستانية، والرقصات الفولكرولية، أحيت هذه السنة عيد الموسيقى الدولي، ولكن! هاهم رجال الدين في الإقليم مهتاجون اليوم، مطالبين بكبح الصحافة والأقلام، وتطويعها لتتماشى مع أفكارهم الشديدة التخلف والتزمت.
إن معظم رجال الدين المسلمين، والأحزاب الإسلامية تعتبر حرية الرأي، والتعبير، والضمير، عدوا لابد من قهره، وهذا بصرف النظر عما يقوله البعض جهارا، وما يخفونه باطنا لأسباب تكتيكية.
إن الأخبار المتتابعة هذه الأيام القليلة تنقلني من خاطرة لأخرى لتلتقي كل الخواطر في إدراك مخاطر التطرف والإرهاب الإسلاميين بكل مدارسهما، وجنسياتهما، وهاهي مصر تصادر فيها المراجع الدينية والفكر الإخواني الطاغي في المجتمع وفي مناهج التعليم حريات الرأي والتعبير. ترى من يصدق أنه في بلد أحمد لطفي السيد، وعلي عبد الرازق، وسلامة موسى، ومنصور فهمي، وشبلي شميل، وطه حسين، ونجيب محفوظ، ألخ.، ألخ.، يصادر فيه كتاب جمال البنا، المفكر المتفتح، بقرار من مجلس البحوث الإسلامية؟! من يتصور أن تقدم مكتبة مدبولي الشهيرة منذ يومين على إعدام كتابين لنوال السعداوي بعد طبعهما، وذلك خوفا من المراجع الإسلامية؟! ثم ألا يلتقي هذا مع مواصلة اضطهاد الأقباط المصريين، والعدوان على ديارهم، وخطف رهبانهم، وهو اضطهاد مستمر تحت وضح النهار ولم تتخذ الحكومة المصرية أية إجراءات فعلية وحازمة لوقفه، وهذا ما ينقلنا أيضا للعراق، حيث تقترن محاربة الموسيقى والفنون بمطاردة المسيحيين، والصابئة المندائيين، وغيرهم من غير المسلمين.

أجل إن هذه الموسيقى الرائعة والرقصات البديعة إذ تملؤني بهجة وارتياحا نفسيا، ولكن في الوقت نفسه، وبالرغم عني، تنقلني لما أسمع وأقرأ من أخبار مفزعة، تنصب في مخاطر التطرف الإسلامي. وآخر الأخبار الباريسية بهذا الشأن اعتداء لفيف من المراهقين والشبان المسلمين على شاب يهودي في السابعة عشرة، وذلك في محطة مترو وهو اليوم بين الحياة والموت. أليست هذه الجريمة الشنعاء وجرائم قبلها بسبب غسل أئمة الجوامع لقول الناس، وشحنهم بكراهية غير المسلمين؟! أليس هؤلاء الأئمة، وأمثال القرضاوي، وأبو قتادة، من فقهاء الإرهاب هم شركاء بامتياز في جرائم العنف والإرهاب. الغريب المؤلم أن اليسار الغربي، والمنظمات الإنسانية، وفريقا غير فليل من القضاة الغربيين، يفكرون فيما يعتبرونه حقوق كبار فقهاء التطرف والكراهية، وحتى كبار الإرهابيين، وينسون ضحاياهم. كيف نسيت تلك المحكمة التي أطلقت سراح أبو قتادة، ممثل بن لادن في بريطانيا، تفجيرات لندن وضحاياها؟؟!! أعجب أم لا عجب؟ حتى إرهابيو غوانتينامو صاروا هم الضحايا عند هذه المنظمات، والجمعيات ورجال القانون، حيث نرى سباقا وحمية بالغين، بل وشرسين، في الدفاع عمن اعتقلوا متلبسين بجرائم التفجير وقتل الأبرياء، وقد أطلق سراح بعضهم فإذا بهم يكررون الجرائم الإرهابية في العراق وأفغانستان.

إن الإرهابي، وفقهاء الإرهاب، وكل المتطرفين الإسلاميين، لا يمكن أن يغيروا عقلياتهم العفنة المليئة بالكراهية، فما أن تسنح لهم الفرصة حتى ينفذون الجريمة من جديد، مثلهم كالمجرمين الذين يغتصبون النساء، والأطفال، حيث لا يطلق سراح أحدهم، حتى يقترف جريمة مماثلة وأكبر. إنه وباء التطرف الديني المغلق الذي لا دواء له غير مكافحته بوعي واستمرار، وعلى كل الجبهات.

فيا صديق العزيز: ألا يؤدي الاستمتاع بالحفلات الموسيقية، إلى عالم السياسة المضطرب- وبالرغم عنا!؟
إليكم أخيرا قطعة صدرت في آب 1997، تدخل في هذا السياق كله، راجيا أن لا يقول صديقي إنها لا تمس السياسة، والتطرف الإسلامي!

* قصيدة نشيد الطالبان:

أطيلوا اللحية العصماء مترا ليرضى ربنا ونفوز طرا
أطيلوها، ولا تنسوا عليها غرابا يبتغي عشا ووكرا
كمكنسة غطسناها مرارا بأنواع النفاق تزيد عدّا
ولا تدعوا النساء بلا حصار وسور، فالتحرر كان كفرا
وللأنثى أحابيل وخبث، وقد أخذت من الشيطان مكرا
أقيموا حولها طوقا، يقينا هواجس شهوة، ويصد سحرا
وفي الأنثى، ولو في المهد كانت، شرارات الفجور تنث جمرا
وإن دواء فاحشة صلاة فأموا مسجدا ليلا وفجرا
ومن لا يرعوي فله سيوف تؤدبه، وكان الدين قسرا
هم الكفار ذبحهمُ حلال لنمنح جنة، حورا، وخمرا!
23 حزيران 2008