الرئيسية » مقالات » إيران والعراق والاتفاقية العراقية-الأمريكية الحلقة الثانية

إيران والعراق والاتفاقية العراقية-الأمريكية الحلقة الثانية

العراق والولايات المتحدة الأمريكية
من الخطأ الفادح الذي يرتكبه بعض الكتاب والسياسيين العرب أو غير العرب من أتباع اللبرالية الجديدة والأكثر تمسكاً بها والأكثر تطرفاً في الدعاية لها حين لا يريدون ملاحظة أهداف الاستراتيجية الأمريكية في العراق والمنطقة وعلى الصعيد العالمي في ظل عالم معولمٍ اقتصادياً وسياسياً وثقافياً وعسكرياً وأمنياً وبيئياً ومعرفياً وتقنياً ويتسم بالصراع المتفاقم في ما بين الدول السبع الكبار +1 أولاً, وفي ما بين الدول الرأسمالية المتقدمة والدول النامية ثانياً, رغم العيش المشترك للعالم المنقسم عملياً إلى عالمين في قرية واحدة بيوتها (قاراتها وأقاليمها ومناطقها ودولها وشعوبها) متلاصقة, ولكن ما يميز بينها هو التقدم والتطور والعلم والتقنيات والاتصالات الحديثة والصناعة والغنى من جهة, والتخلف والجهل والفقر والمرض, رغم الموارد الأولية في أغلبها, من جهة أخرى. كما أن من الخطأ الفادح أن ننسى بأن لكل دولة في العالم والمنطقة استراتيجيتها الخاصة وسياساتها الخاصة التي يمكن أن تختلف عن بعضها الآخر, وبالتالي لا بد للعراق أيضاً أن تكون له استراتيجيته وسياساته التي لا شك أنها سوف تختلف عن السياسات التي تمارسها الولايات المتحدة في العالم والمنطقة وفي العراق. كما لا شك في أنها تختلف عن استراتيجية إيران وأهدافها ومشاريعها في المنطقة وفي العراق أيضاً, وكذا الحال مع كل من تركيا أو سوريا أو السعودية أو دول الخليج. ولا يجوز لنا أن نعتبر أن كل ما مارسته الولايات المتحدة في العراق خلال الأعوام العشرين المنصرمة, وخاصة في أعقاب سقوط النظام عبر الحرب الخارجية, لم يكن سوى أخطاء سياسية فادحة, وليست نتيجة تفاعل بين استراتيجية ذات أهداف محددة, وبين أهداف تكتيكية كثيرة ومتشعبة ومتداخلة. وفي إطار هذه التكتيكات ارتكبت الكثير من الأخطاء القاتلة, بما فيها ما تمارسه شركات عملاقة مثل هاليبرتون أو ما تمارسه شركة بلاك وتر في العراق التي تعتمد على جمهرة كبيرة من المرتزقة المتوحشين العاملين في العراق, أو ما مارسه پاول بريمر باسم جورج دبليو بوش في العراق خلال سنوات استبداده المريرة على الشعب العراقي. ولا بد لنا أن نميز بوضوح بين ما هو هدف أو أسلوب تكتيكي وبين ما هو خطأ ارتكبته الإدارة الأمريكية أو منفذو تلك السياسة في العراق, إذ أن الخلط بينهما يظهرنا كأناس سذج وغير واعين وجهلة بالسياسة والمصالح المتصارعة ولا يساعدنا على رسم سياساتنا الواضحة والمستقلة في العراق والمنطقة ومع الدول الأخرى, بما في ذلك الدول الكبرى أو الولايات المتحدة. وهو ما يبدو على بعض السياسيين العراقيين الذين أصبحوا عرّابين أوفياء للسياسة الأمريكية في العراق وليسوا عرّابين للسياسة العراقية لدى الولايات المتحدة الأمريكية. إن هذه المعرفة والتحليل والتشخيص تساعد الحكومة العراقية على تطوير الثقة بالنفس والتصرف باستقلالية عالية رغم كل التعقيدات التي تحيط بالعراق وتؤجج الصراع الداخلي.
ويبدو لي بوضوح بأن أصبح من المستحيل علينا وعلى شعوب دول العالم الأخرى, وخاصة الدول النامية, ومنها العراق, أن نفكر بالاستقلال الناجز والتام الذي كنا نتحدث عنه في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. فقد ولى هذا التعبير وترك مكانه لاستقلال وسيادة وطنية نسبيتين في إطار العالم المعولم الجديد. ومضمون هذا الاستقلال والسيادة النسبيتين تكمنان في مدى القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية مع الأخذ بالاعتبار العلاقات المتشابكة دولياً وعدم نسيان مصالح الدول الأخرى. وهذه النسبية في الاستقلالية لا ضير فيها وهي مقبولة ما دامت تمارس بالارتباط مع الواقع القائم وموازين القوى وتحافظ على المصالح الأساسية للعراق.
والاتفاقية التي يراد عقدها مع الولايات المتحدة هي واحدة من المسائل التي أصبح الاختلاف بشأنها يشكل منطلقاً لبعض القوى لإثارة صراعات جديدة في العراق والمنطقة وتنشيط قوى الإرهاب أيضاً وخاصة من جانب بعض دول الجوار.
علينا أن نعرف ونتصرف بعناية إزاء مسألتين حين نعمل من أجل عقد اتفاقية استراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية أو مع أي دولة في العالم, ومنها إيران أيضاً: ماذا يريد العراق من هذه الاتفاقية, وماذا تريد الدولة الأخرى؟ ونعالج هنا وضعنا وعلاقتنا مع الولايات المتحدة؟
ماذا يريد العراق؟
أرى بوضوح كبير أن العراق بحاجة إلى اتفاقية مع الولايات المتحدة الأمريكية في المرحلة الراهنة ولسنوات خمس قادمة, وهي لا ترتبط بأي موقف فكري أو سياسي مناهض للولايات المتحدة بل المنطلق الأساس في ذلك هو المصلحة العراقية أولاً وقبل كل شيء, وهي مسالة يمكن أن يختلف بشأنها بين الناس, ولكني أطرحها هنا كما أراها من زاوية رؤيتي للأمور الجارية في العراق والمنطقة وعل الصعيد الدولي:
** لا بد للعراق أن يتحرر من الفصل السابع من قرارات الأمم المتحدة ليكون حراً في سياساته وبعيداً عن أن يكون مهدِداً للأمن والسلم في المنطقة والعالم أو أن يكون دولة إرهابية كما كان عليه نظام صدام حسين نحو الداخل والخارج. وهذا التحرر من هذا الفصل يستوجب موافقة الولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي وبدون ذلك سيبقى العراق خاضعاً لهذا البند.
** كان العراق ولا يزال, بكل شفافية وصراحة, مُهدداً من إيران بغزو سياسي واقتصادي وثقافي وديني وطائفي مقيت واحتلال غير مباشر اشد مرارة من أي احتلال آخر في العالم, فهو يجمع بين القومية الشوفينية والطائفية المقيتة والرغبة الصارخة في الهيمنة والاستغلال والانتقام والظلامية القاتلة.
** كما أن العراق مُهدد من قوى بعثية وقومية شوفينية من بقايا وأتباع النظام السابق التي لا تحمل في رأسهاً فكراً قومياً شوفينياً وعنصرياً حسب, بل وفكراً طائفياً مقيتاً لا يختلف عن فكر الطائفيين السياسيين الشيعة وذهنية وممارسة استبداديتين مماثلتين لاستبداد صدام حسين.
** وأن العراق مُهدد من قوى إسلامية سياسية ظلامية وتكفيرية, سواء أكانت من هوية وهابية أم إخوان مسلمين أم من هوية بعض القوى الشيعية الظلامية والإرهابية الذي لا يزال العراق يعاني منه ومن سياساته. وليست الحملات الأخيرة في العراق ضد الخارجين عن وعلى القانون سوى بعض تلك المليشيات التي عاثت في العراق فساداً وقتلاً وتخريباً.
** وعلينا أن ندرك تماماً بأن العراق, وخاصة إقليم كُردستان, مُهدد أيضاً بالتدخل المستمر من قبل الدولة التركية وحكومتها الإسلامية السياسية التي ترى في الفيدرالية خطراً عليها, بسبب نضال الشعب الكردي في كُردستان تركيا من أجل حقوقهم المماثلة لحقوق الشعب الكردي في كُردستان العراق, ويصعب على العراق والعرب حماية العراق من هذه الدولة التي لا تزال تحت هيمنة العسكر من جهة والإسلام السياسي من جهة أخرى وذات أطماع في العراق وخاصة إزاء الموصل وكركوك. وعلينا ألن نتابع كذلك القصف الإيراني المستمر لمناطق من كُردستان العراق لأسباب عديدة بما في ذلك فرض وجهات نظرها على القيادة الكردستانية.
** لا شك في أن الدولة العراقية لا تزال ضعيفة في قواتها المسلحة , كما لا شك في أن هذه القوات لا تزال وستبقى لفترة غير قصيرة تعاني من الطائفية السياسية التي تفشت في الكثير من قواها عبر سياسات الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية, وهي كلها طائفية شاءوا ذلك أم أبوا بحكم تشكيلاتهم الحزبية الطائفية السياسية بالأساس. وهذا يعني احتمال انفجار صراع ونزاع دموي بين الأحزاب الإسلامية الشيعية والسنية, وهي لا تزال مسلحة حتى الأسنان, رغم كل ما عثر عليه من أسلحة ومتفجرات في العراق حتى الآن كما أن السوق الأسود مفتوح على مصراعيه أمام العراق وكذا المساعدات العدوانية من دول الجوار. كما أن احتمال الصراع والنزاع الدموي في إطار كل من القوى والأحزاب الإسلامية الشيعية أو السنية وارد أيضاً وفي كل لحظة. نحن أمام حالة استثنائية فريدة في العرق وفي دول الجوار وعلى العراق أن ينتبه لهذه الحقيقة الشاخصة أمامنا.
** يستغرق بناء الاقتصاد العراقي سنوات عشر قادمة على اقل تقدير. وفي مقدور الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول أن تساهم في التنمية الاقتصادية والبشرية وفق برنامج عراقي للخروج من المحنة الراهنة, رغم التلكؤ الذي شهده العراق خلال السنوات الخمس المنصرمة. ويمكن لها الآن أن تساهم, كما ساهمت في دول الخليج, إلى تنشيط دخول الاستثمارات الأجنبية إلى الاقتصاد العراقي, والعراق بحاجة ماسة إلى ذلك الآن وخلال العشرية القادمة.
** ورغم معرفتنا الفعلية بالفساد المستشري في أوساط الشركات الرأسمالية الاحتكارية المتعددة الجنسية والأمريكية الكبرى والصغرى, فأن العراق بحاجة إلى نشاطها ونشاط غيرها, وما عليه إلا أن يمارس رقابته على نشاط تلك الشركات. إن الخطورة في هذه المسألة تكمن في كون الفساد المالي والإداري منتشر وسائد في أجهزة الدولة والمجتمع في العراق وفي كل المستويات أيضاً, إذ أنه يساهم في استنزاف موارد مالية كبيرة لا تصل للمشاريع العراقية ولا للإنسان العراقي, وهو ما يفترض الحذر منه ومن عواقبه الوخيمة على الاقتصاد والمجتمع والإنسان في البلاد. الناس في بلادي يتحدثون بهذه القضية علناً, والبعض الكثير منه يمارسه ويتحدث وكأن غيره يمارسه فقط وليس هو أيضاً!
** إن من مهمات العراق العاجلة وضع برنامج اقتصادي – اجتماعي ملموس يستند إلى حاجة العراق للتصنيع وتحديث الزراعة والتشغيل للعاطلين وبعيداً عن السياسة والموقف الراهنين اللذين لا يريدان بناء اقتصاد عراقي متماسك, بل يريدان إغراق العراق بالسلع والخدمات المستوردة, وهي الوجهة غير السليمة التي يفترض الانتباه إليها في أي اتفاقية اقتصادية يراد عقدها مع الولايات المتحدة أو مع الدول الأخرى. وكذا الحال بالنسبة لاقتصاد النفط العراقي الذي لا بد له أن يبقى بيد الدولة العراقية وقطاعها الاقتصادي, ولا ضير بل أن هناك ضرورة ملحة في التعاون مع القطاع الخاص في إقامة مشاريع مختلفة ترتبط بالنفط الخام وتكريره وتصنيعه محلياً.
** يفترض في الاتفاقية الجديدة, التي يفترض أن توفر الحماية للعراق من التدخل الخارجي, سواء أكان إيرانياً أم تركياً أم عربياً من سوريا أو من غيرها, كما يفترض بدورها أن ترفض أي تدخل في الشئون الإيرانية أو العربية من الأراضي العراقية أو بسبب وجود ونشاط القوات الأجنبية التي يمكن أن تبقى لفترة في العراق.
** وعلى العراق أن يتخلص بإجراءات مناسبة من وجود مجاهدي خلق على الأرض العراقية, إذ أنهم كانوا أداة بيد صدام حسين من جهة, كما أنهم يشكلون نقطة احتكاك وشكوى من جانب إيران ووجودهم في العراق يلحق إضرارا لا معنى لها بالبلاد. وإذ أختلف كلية مع ما طالب به الدكتور صالح المطلگ أثناء مناقشة هذا الموضوع في مجلس النواب العراقي الذي اعتبر وجودها ورقة رابحة بيد العراق ضد إيران, وهي نسخة ثانية من طريقة تفكير الدكتاتور صدام حسين وعموم البعثيين من طراز صدام حسين. كما لا أرى أي ضير حين ينسجم هذا الموقف مع مطالبة الطرف الإيراني أو الجماعات المؤيدة لإيران في مجلس النواب بإخراج هؤلاء من العراق, إذ يفترض أن لا يتأثر موقفنا بما يتخذه الآخرون ونتحرى عن مصالح العراق أولاً وقبل كل شيء.
** كما لا بد من اتفاق القوى السياسية العراقية على الاتفاقية القادمة مع الولايات المتحدة بحيث لا تؤثر على القرارات الاقتصادية والأمنية العراقية ولا تخلق انقساماً في الصف العراقي الشعبي أو الوطني العام.
لا شك في أن هناك بعض النقاط المهمة التي لا أرى ضرورة تكرارها في هذا المقال, إذ قد أشرت إليها في مقال سابق حول الاتفاقية العراقية – الأمريكية نشر في ثلاث حلقات.
يتبع الحلقة الثالثة

24/6/2008