الرئيسية » مقالات » المَشروعُ الوَطني .. لَعلّ الحُلمَ عراقيٌّ ؟

المَشروعُ الوَطني .. لَعلّ الحُلمَ عراقيٌّ ؟


لو حلمنا ، وانا لا انفي ، أن هناك وطنا عراقيا ، أي انه كائن برغم محاولات نفيه او الغائه او تزويره او انكاره او جعله خرافة من قبل بعض العراقيين .. لو افترضنا ، وجوده ، وهو موجود برغم كل العاديات والمعادين .. وبرغم كل الطارئين والمشعوذين الذين كانوا وما زالوا يعتبرونه عبئا عليهم .. نعم ، عبئا لا يتحملونه .. فثمة من ساقه الى المقصلة دون ان تهتز شعرة واحدة منه  ، او اولئك الذين سحقوا اي ” مشروع وطني” وجعلوه في ظل طاغية ، او هؤلاء الذين استبدلوا اي مشروع وطني بعملية سياسية !!.. انه ليس من الصواب بمكان أبدا ، ان تهرب الى اي ” انتماء” بمعزل عن اولوية العراق ، وليس من العقل ان تجد نفسك العراق وتتملكه باسمك وحدك دون الاخرين وانت تكره هذا او ذاك من العراقيين .. وليس من الاخلاق ان تحتكر وحدك العراق ، وكأنه خلق على مقاسك واعرافك سواء كنت عملاقا من العمالقة ام كنت قزما من الاقزام . 


اذا اسقطنا كل هذه العلل من عند العراقيين ، سنجدهم مؤهلين لأي مشروع وطني جديد ، لا يمت بأية صلة لمصادر الجهالة والامراض والانحرافات ومنابع الكراهية والتهتك والنكبات .. مشروع لا علاقة له بالماضي القريب ، ولا صلة له بالشعارات الجديدة التي توهم الناس بما ليس له اي سبيل الى حقائق الاشياء. ان العراقيين ، بمعزل عن اي مشروع وطني حقيقي سوف لن يحققوا شيئا ، ولن يعالجوا مرضا ، ولن يوئدوا فتنة ، ولن يصلحوا خرابا ابدا . ان اي مشروع وطني جديد يلتف كل العراقيين من حوله ، وبمعزل عن كل المفاهيم الرائجة واصحابها .. سيخلق معادلات جديدة على الساحة العراقية ، وسيسقط كل النفايات من الشعارات ، وسيخلق بدائل من نوع آخر يؤسس لها عراقيون جدد يؤمنون باهداف ” المشروع ” ، ويعملون على تكريس مبادئه .. ويطورون مستلزماته الحضارية المعاصرة .


يبدو ان العراقيين لا يتعلمون من تجارب التاريخ شيئا ، ولا من نكبات الحاضر شيئا ، ولا من المأزق التاريخي الذي يجدون انفسهم فيه كل يوم .. انهم ابعد ما يكونوا عن اي مشروع وطني لا يمت بصلة الى اي طرف من الاطراف الخارجية ، ولا الى اي نزعة غير النزعة العراقية ، ولا الى اي انتماء اولوي غير العراق. ان المشروع الوطني العراقي هو الجامع الاساسي لكل العراقيين مهما بلغت التباينات في ما بينهم : دينية او عرقية او دينية او جهوية او ثقافية او اجتماعية او طبقية .. الخ 


ان من اولويات ” المشروع ” ابعاد اية اسقاطات تثير الانقسام والفتنة والصراع .. وانه يقبل الجميع دون استثناء ، ولكنه يفصل بعض المستويات عن بعضها الاخر ، اي بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون .. ان خراب العراق قد اكتمل على عهد الامريكيين ، ولكن سبق وان عانى من  المخبولين والمتآمرين والشقاة والمأجورين والطغاة والانقلابيين والطائفيين والشوفينيين والظالمين والنرجسيين واللوتية والحرامية والمختلسين والمخابراتيين والعابثين والارهابيين .. وصولا الى المتمردين والدجالين والمصفقين والمنافقين والمداهنين والمرتزقة والمتقلبين وجحفل من الشعراء الشعبيين.. ازاء سحق العلماء والشرفاء والنزهاء من المثقفين ، وتهميش المختصين وكل الرجال الصامتين وكل الناس الطيبين العاملين المستقلين وصولا حتى الى استلاب الاطفال الضائعين ..


كم هو اساسي للعراق ان ينبثق اي مشروع وطني ، يقوده اناس من الاذكياء المتحضرين ، ومن الحكماء والنزهاء الرائعين .. ومجلس تشريعي للبلاد ينتخبهم الناس باسمائهم ومعرفة سيرهم ليكونوا ممثلين حقيقيين للشعب .. ان اي مشروع وطني بحاجة الى اي عراقي متحضر ، ذكي وحكيم وحصيف بعيد الرؤية .. نظيف السيرة والسلوك السياسي ؟ كم نحن بحاجة الى حّل للاحزاب والجماعات السائدة ، واعادة تجديد مضامينها ومبادئها على ضوء مشروع وطني وحضاري في آن واحد ؟ كم نحن بحاجة الى حل كامل للمليشيات والاوليغاريات والزعامات المحلية والطائفية والعشائرية ؟ كم نحن بحاجة الى ان يكون ” المشروع العراقي ” نقطة انطلاق حقيقية نحو المستقبل ؟ كم نحن بحاجة الى ان يكون ” المشروع ” بعيدا عن اية اجندة خارجية مهما كانت طبيعتها ، الا اذا كانت تخدم مصالح العراق قبل اي شي آخر ؟  


حذار ايها العراقيون من الانقسام الذي راهن عليه الانقساميون .. حذار من ان تعمل لمصلحتك الشخصية او العائلية او العشائرية او الجهوية بعيدا عن مصالح كل العراقيين .. حذار من اي اجندة وخطط واتفاقات تعطي للاخرين اكثر من تعطي للعراق والعراقيين .. حذار من اللعب بالنار والقذف بكرة اللهب ، والا ، فإن العراق سوف يسقط ونسقط معه جميعاً ـ لا سمح الله ـ . حذار من تكفير وتجريم الاخرين من العراقيين الا من عاث فسادا ، وولغ في دم العراقيين .. حذار من ان تجعل نفسك على صواب دوما وتجعل الجميع في قفص المتهمين .. حذار من التعّصب الطائفي والعرقي والقبلي والحزبي .. ولا تنطلق الا بسيادة القانون .. حذار من احتكار مشروع العراق لك وحدك ،فهو  لكل العراقيين .. حذار من التعصب القومي او الطائفي في العراق .. حذار من الاقصاء والتهميش لهذا او ذاك من العراقيين .. فانك تقتل بلدك ، وتؤذي العراقيين .. حذار من صنع اية قرارات مصيرية دون اطلاع كل العراقيين ..


 على العراقيين ان يعترفوا باخطائهم سواء كانت في الماضي ام الحاضر ، وعليهم ان لا يستمروا على اخطائهم . ان اي مشروع وطني لا يقّر ابدا احتكار السلطة لطرف دون آخر ، ولا يقّر ابدا اية مناورة او لعبة او تزوير او اختلاس او محسوبية او منسوبية او محاصصة .. ان المشروع العراقي لابد ان ينبثق من الواقع ، ولكن لا يمكنه ان يخلو من ثوابت اساسية للوصول الى حدود دنيا من القيم الوطنية والاخلاقية والمثالية . ان اي مشروع وطني لا يبنى على ارضية خصبة من السيئات ، بل لابد من الفضائل العراقية ، فهي مفتقدة مع شديد الاسف . ان الاستهتار قد حّل في كل المرافق السلطوية والرسمية والحكومية والاعلامية ، وافتقد المجتمع العراقي رصيده الاعظم من تلك الاخلاقيات الرفيعة ، وابتلى اغلب المسؤولين بجملة هائلة من الكبائر، وهو ابتلاء خطير لا يعالجه الجهلاء والاغبياء . ان اي مشروع عراقي حضاري ينبغي ان ينتشل المجتمع قبل ان يستشري المرض في كل المفاصل ..  


ان ” المشروع ” العراقي مهما كانت منطلقاته الوطنية ، فهو الوحيد القادر على مجابهة اي مشروع آخر في العراق ، مهما كانت طبيعته دولية ام اقليمية . الكل يدرك ان العراق اليوم لا يمكنه ان يجابه التحديات مهما كان نوعها امريكية ام ايرانية من دون مشروع وطني يؤلف بين قلوب الجميع ، ويؤّمن حقوق الجميع ، ويحّدد واجبات الجميع .. والمشروع الوطني مفتقد اليوم ، ولا يمكن البدء بأي مشروع وطني موزون يأخذ بيد المجتمع الى مفاهيم جديدة  تحلّ بديلا مما يجري عليه الحال .. ولندرك ادراكا كاملا ان لا حياة للعراق من دون اي مشروع وطني يجابه التحديات .. وان لا ننتظر أي مشروع وطني قد ينبثق على ايدي الاخرين .. ان مشكلات العراق الصعبة لا يحلّها ابدا ، الا مشروع  وطني ينتظر الجميع ولادته .. هنا أسأل كل العراقيين : هل انني احلم ، ام انني اتمنى ” وما كل ما يتمنى المرء يدركه .. تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ” .. ربما هذه وربما تلك ، ولكن اجعلوا هذه الدعوة مفتوحة امام كل العراقيين لتأسيس مثل هذا ” المشروع ” ،  فهل سيجد ” الحلم ” فرصته من اجل حياة العراق والعراقيين ، فهو البديل الحقيقي من اجل المستقبل ؟ نعم ، انه سيولد ، ولكن متى ؟ ربما بعد سنة او سنتين وربما بعد مئات السنين !!


www.sayyaraljamil.com


ايلاف ، 23 يونيو / حزيران 2008