الرئيسية » بيستون » حرب وسجن ورحيل – مشاهدات عيانيه عن الحقبه الصدامي ه – الجزء الرابع

حرب وسجن ورحيل – مشاهدات عيانيه عن الحقبه الصدامي ه – الجزء الرابع

شنت الحرب من قبل النظام العراقي على أيران في الثاني والعشرين من شهر أيلول 1980حوالي الساعه العاشره صباحا حيث سمعنا هدير الطائرات الحربيه في الأجواء ولم يدم الأنتظار حتى أذيع البيان رقم واحد من دار الأذاعه والتلفزيون يخبر فيه المذيع مقداد مراد بأن قادسية صدام قد بدات وأن الرد سيكون مزلزلا على رؤوس ا(الفرس المجوس ) الذين استباحوا أرضنا ومياهنا حسب زعم البيان وأن على الشعب العراقي أن يكون على أتم الأستعداد للذود عن حياض الوطن وأن قادسية صدام هي قادسية العرب جميعا وكل عربي يشترك فيها تكون شرفا له ووسا ما يعلقه على صدره وأنها الخطوه الأولى لتحرير فلسطين

ثم أخذت البيانات تترى وبرقيات التأييد من الداخل والخارج تذاع على مدار الساعه .

كنت يومئذ معلما في مدرسه أسمها الخليج العربي في الكوت حيث جاء أحد المسؤولين الحزبيين وأمر مدير المدرسه بصرف التلاميذ والألتحاق هو وملاكه التعليمي بالفرقه الحزبيه التي كانت تبعد عن المدرسه مئات الأمتار وقد تم تسجيل أسماءنا ومناطق سكنانا ووضع المسؤول الحزبي الورقه في جيبه وبعد صرف التلاميذ ذهبنا ألى الفرقه الحزبيه مشيا وكنا ستة عشر معلما مع المدير ورأيت هنك مجموعات من الموظفين والعمال والمعلمين واقفين ينتظرون ماالذي سيحدث وبعد حوالي الساعه تم تقسيمنا ألى عدة أقسام وكان القسم الذي كنت فيه يتكون من حوالي 150 شخصا وجاءت شاحنتان قديمتان لنقلنا حيث نقلت وجبتنا ألى مقر نادي الطلبه الواقع في منطقة 14 تموز وهناك افترشنا الأرض لمدة يومين تحت رقابة بعض البعثيين الذين تم تعينهم لمراقبتنا وتنظيمنا . وكان المسؤول الأول والأعلى شخص أسمه ( نجم الشاوي ) وقد بدأ التذمر على وجوه بعض الأشخاص لآفتراشهم الأرض وكان فينا بعض كبار السن الذين أخذوا يشعرون بآلام مبرحه في أجسامهم وعندما طلبنا من نجم الشاوي أن يتدارك الأمر ويجلب لنا شيئ من الطعام قال لايوجد هنا طعام أو فراش نحن ننتظر التعليمات من قيادة الحزب .

وفي اليوم الثالث طلب من كل واحد أن يجلب فراشا من بيته وأخذت تصلنا بعض الوجبات الغذائيه .

لقد انكشفت بعض الأسرار الحربيه عن الهجوم العراقي حيث قامت أسراب من الطائرات الحربيه العراقيه تقدر ب200 طائره بالهجوم على كافة المطارات الأيرانيه التي بدأت البيانات العسكريه تذكرها وكان القصد من الهجوم شل الطيران الأيراني وتدميره على الأرض مثلما دمر الطيران الحربي الأسرائيلي القوه الجويه المصريه في الخامس من حزيران عام 1967.

وكان الطيران الأيراني منهكا أساسا ويحتاج ألى قطع غيار وتم ترحيل معظم الطيارين بعد قيام الثوره وصاحب الهجوم الجوي دخول عشر فرق عسكريه عراقيه داخل العمق الأيراني حيث لم تجد أدنى مقاومه وكانت الحدود مفتوحه على مصراعيها حتى أن بعض الضباط والجنود لم يصدقوا أعينهم عندما توغلوا لمئات الكيلو مترات وأصبحوا على مشارف بعض المدن الرئيسيه بعدما احتلوا الكثير من المدن الصغيره والقصبات أثناء أندفاعهم .

لم تنجح تلك الضربه الجويه بالقضاء على القوه الجويه الأيرانيه وبدأت الطائرات الحربيه الأيرانيه تقوم بهجمات معاكسه حيث تم قصف بعض المناطق القريبه من تواجدنا وكنا نقف ونرى الطائرات الأيرانيه بهياكلها التامه لشدة انخفاضها وكان معظمنا يجهل الأمور الحربيه لعدم خدمتنا في الجيش ولم توجد ملاجئ تحمينا فقصف مقر القسم الداخلي للطلبه بعدة صواريخ وبيت أحد الأطباء وأسمه شريف حماده وهو لبناني مقيم في العراق حيث علق بالقول بعد القصف ( أنا وين وخميني وين والله عجيب مين اللي دله على بيتي أكيد الشيطان هو اللي دله ). وقصفت كذلك بعض المناطق الفقيره في الكريميه وهي من ضواحي الكوت وسقط وقسم من القنابل في نهر دجله دون أن تسبب ضررا .وكان الطيارون الأيرانيون مرعوبين وغالبا لايقصفون مناطق عسكريه مهمه وقد تم أسقاط أحدى الطائرات في الأيام الأولى للحرب ووضع الطيار في سياره مكشوفه وطافوا به في المدينه بأمر من القائد العسكري أو المحافظ أو أمين مايسمى بحزب البعث لقد كان الطيار مغبر الرأس وفي أشد حالات الأذلال

في اليوم الرابع للحرب جاء نجم الشاوي وأمرنا بالتجمع في ساحة البنايه وأخذ يسمعنا كلمات تنم عن تهديد ووعيد حيث قال ( أن أسماءكم رفعت لقيادة الجيش الشعبي والحزب وأنتم من اليوم مقاتلون في قادسية صدام المجيده وتطبق بحقكم القوانين العسكريه وعليكم أن تكونوا رهن أشارة الحزب والقياده ولا يلوم المقصر الا نفسه )

كنا مجموعه من الأشخاص نختلف في طبائعنا وخلفياتنا الثقافيه فينا الأمي والمعلم والموظف ومنا الثرثار والأنتهازي وقليل الكلام لكن يجمعنا شيئ واحد هو الخوف من بعضنا البعض والخوف من المجهول وكان عددنا حوالي المئه وخمسين شخصا وقد طلبنا بأن نكون كلنا من المعلمين لكن طلبنا رفض .

تم توزيعنا على شكل مجموعات لمسك مفترق الطرق والجسور والأماكن المهمه من المدينه وكان نصيبي مع مجموعه مكونه من ستة أشخاص لمسك الطريق العام بين بغداد والناصريه وكانت هذه أول مهمه شبه عسكريه في حياتي ولم يدر بخلدي أبدا أنني سأصبح شرطيا أفتش السيارات بعد هذه السنين الطويله التي قضيتها في مهنة التعليم حيث الصف والسبوره والمنهج الدراسي والطالب وأدركت بأن أصعب شيئ يمر على الأنسان في حياته هو مصادرة حريته وأرادته وتسخيره رغم أرادته لخدمة أهداف

هؤلاء المجرمين الذين لايقيمون وزنا لأنسانية الأنسان ويدوسونه كما تداس الحشره ويسخرونه كالعبد لتنفيذ أغراضهم الجهنميه . كان هذا الشعور يلازمني وأنا أوقف السيارات مرغما . وأحدث نفسي قائلا لماذا يصبح الناس المساكين حطبا لشهوات هذا الطاغيه ؟ وماذا سيجني الشعب العراقي من هذه الحرب ؟ لقد كان لي خمسة أبناء وزوجه وكنت أفكر بهم كثيرا وأعرف أن هذا النظام المتوحش سيقضي علي وعلى عائلتي أذا تركت هذا العمل المشين الذي لاأطيقه ولم أقم به في يوم من الأيام . لابل أستهجنه تمام الأستهجان .

كان معنا شخص أسمه ( هادي ) يبلغ العقد الثالث من العمر أسمر الملامح خشن الطبع لايتورع عن التفوه بكلمات نابيه مع كل شخص يختلف معه وكان يردد القول بانه يعرف أن العديدين منا لايقومون بواجبهم كما يرام وترتأيه القياده وهو بالتالي غير مؤمن بقادسية صدام وخاصة الأكراد الفيليين وستأتي الساعه لكي نرميهم على الحدود ونتخلص منهم ومن شرورهم هكذا كان يردد ويستفزنا . كان أشبه بقاطع طريق في وضح النهار وكلما كان يرى سياره فارهه يقول هذه من حصتي فيوقفها ويبتز صاحبها ويأخذ منهم الرشاوى علنا وأكثر أولئك الأشخاص كانوا من الكويتيين أو السعوديين الذين انقطعت بهم السبل وكان يفتخر بذلك علنا ويقول ( ذوله حلال واحد ياخذ منهم لأنهم سرسريه يكرهون العراق والسيد الرئيس والحزب القائد ) وقد تبين فيما بعد أنهم يعبدون صدام ويعتبرونه عزهم وفخرهم رغم كل الذي أرتكبه بحقهم . أنطلاقا من مبدأ عدو عدوي صديقي فالطائفيه هي المعول عليها وهي فوق كل شيئ بالنسبة لهم . لقد تبين أن ذلك الشخص السيئ يتجسس علينا ويرفع التقارير ضدنا ولم يستطع أحد أن يوجه أليه أي لوم أو انتقاد خوفا من تقاريره وكان الأنسان يختفي بكلمه بسيطه أو تقرير صغير من أحد جلاوزة السلطه .

مع اشتداد الحرب بدأت الجداريات والتماثيل تظهر لصدام في كل مكان وكان المذيعان مقداد مراد ورشدي عبد الصاحب يلهبان الأجواء بأصواتهما التي كانت تتلو بيانات القياده العامه للقوات المسلحه ومعظمها كان كاذبا يخفي تسعين بالمائه من الحقائق .وكانت الندوات تعقد من قبل حزب البعث وكوادره تجمع الناس هنا وهناك حيث يذكرون العراقيين بأن كل واحد منهم يجب أن يعتبر نفسه مشروع شهاده من أجل عيون القائد وأن الخميني يبغي احتلال العراق والأعتداء على أعراض العراقيين و اللي مايدبج بهاالقادسيه مو من شعبنه ) كما قال القائد ) و( اصبح الطفل الرضيع يرضع حب القائد مع حليب أمه ) وغيرها من الكلمات التي كنا نسمعها يوميا عشرات المرات

مرت أيام ثقيله وبطيئه والطائرات العراقيه تغير على المواقع الأيرانيه عشرات المرات يوميا وأخذ الطيران الأيراني الحربي يضعف تأثيره تدريجيا .

بدأت جثث العراقيين تترى بالعشرات ثم بالمئات من الجبهات مغطاة بالعلم العراقي وكانت الصحف في بداية المعركه وخاصة صحيفة الثوره تنشر أسماء ضحايا الحرب مع صورهم ويتم تكريم ذويهم من قبل صدام حسين بقطعة أرض ومبلغ كبير من الد وبعد ازدياد الضحايا واستمرار الحرب لم تعد الثوره تدون الأسماء وأخذت المكاسب الماديه تقل شيئا فشيئا حتى تم ألغاء قطعة الأرض والأقتصار على المبلغ فقط .