الرئيسية » مقالات » إيران والعراق والاتفاقية العراقية-الأمريكية الحلقة الأولى

إيران والعراق والاتفاقية العراقية-الأمريكية الحلقة الأولى

أهداف إيران في العراق والمنطقة
يعيش الوسط العراقي في أجواء تتسم بالتوتر في طرح وجهات النظر والحوار وكذلك توجيه سيل من الاتهامات المتبادلة حول الموقف من إيران ومن الاتفاقية العراقية – الأمريكية التي يجري العمل لعقدها خلال الفترة الجارية. وزاد في حدة هذا الجو العراقي الساخن بروز نوع من التباين في وجهات نظر قوى التحالف الحاكم, رغم ما يبذل أطراف هذا التحالف من جهد لتخفيف الرؤية المتباينة. ولا شك في أن الإعلام العربي والإقليمي المستند إلى مواقف حكومية وقوى مختلفة تعارض عقد أي اتفاقية مع الولايات المتحدة, نلاحظ وجود أصوات قليلة تساند ذلك. والصراع الفعلي يدور حالياً حول مسألتين:
الأولى: دور إيران المستمر والتصميمي في التدخل الفظ في الشأن العراقي وعثور فعلي متواصل على مخابئ أسلحة إيرانية مصدرة إلى العراق في أيدي ميليشيات عراقية إرهابية مسلحة واكتشاف خلايا إيرانية – عراقية مشتركة في دور القيلولة وقوى مساندة لها في مختلف المجالات تمتلكها إيران, وانسياب متواصل لأموال من إيران تستخدمها في العراق لأغراض إشاعة الفوضى والخراب والموت وإعاقة مهمات الحكومة.
الثانية: طبيعة ومضامين الاتفاقية التي يراد عقدها وسبل إنجازها وأسباب عدم شفافية عرضها على الشارع العراقي أو طرح تفاصيل عن موقف الحكومة العراقية وما هي المصالح التي تحققها الاتفاقية للعراق.
تشير كل المؤشرات التي تحت تصرفنا إلى أن إيران تكافح بكل الأسلحة التي تمتلكها من أجل فرض دورها ومكانتها في الشرق الأوسط والخليج العربي على نحو خاص, باعتبارها دولة كبرى في المنطقة وتريد أن تلعب دوراً رئيسياً فيها وتشارك مع اللاعبين الكبار في تحديد مسيرة المنطقة. إلا أن هذا الدور الذي تريد إيران ممارسته مرتبط بسعيها الدءوب لتحقيق خمسة أهداف مثيرة للمشكلات والجدل في المنطقة وعلى الصعيد العالمي, وهي:
* إنها تريد الهيمنة على المنطقة باعتبارها قوة سياسية واقتصادية وعسكرية كبرى, وتأمل في ابتلاع مناطق أخرى من العراق والخليج, كما حصل في اتفاقية العام 1975 مع الدكتاتور صدام حسين أو غزوها واحتلالها للجزر العربية الثلاث في فترة حكم الشاه والتي لا تزال ترفض حكومة أحمد نجاد إعادتها للإمارات العربية المتحدة, وهي جزر تابعة جغرافياً وتاريخياً ودولياً لدولة الإمارات العربية المتحدة , وأعني بها, الطمب الكبرى والطمب الصغرى وأبو موسى.
* إنها تريد فرض المذهب الشيعي الجعفري بسماته السياسية الصفوية, أي الخروج من الجانب المذهبي الجعفري (نسبة إلى الإمام جعفر الصادق) إلى الطابع الطائفي السياسي الشيعي والتمسك بولاية الفقيه, على شعوب المنطقة لا من خلال الإقناع بذلك, بل بكل السبل المشروعة وغير المشروعة.
* محاربة بقية الأديان والمذاهب الدينية في العراق والمنطقة بأسرها, رغم ما تدعيه دعايتها بخلاف ذلك. ومن يتابع الوضع في إيران خلال العقود الثلاثة الأخيرة, وكذلك ما جري ويجري في العراق خلال السنوات المنصرمة حيث كان لإيران دور كبير في الوضع الدموي في العراق, ما يؤكد موقف إيران التمييزي ضد الأديان والمذاهب الدينية بوجهة سياسية طائفية, إذ قامت القوى الإيرانية وأتباعها من ميلشيات مسلحة وقوى تكفيرية أخرى عراقية بقتل أو تشريد أو تهجير أو طرد نسبة عالية من سكان البلاد الأصليين كالصابئة المندائية والإيزيدية أو المسيحيين من مناطق سكناهم ومن العراق كلية. وقد تماثلوا في ذلك مع قوى تنظيم القاعدة وبقية التكفيريين في هذا النهج العدواني والدموي. كما نشَّطوا الصراع والنزاع والقتل المتبادل وعلى الهوية بين القوى السياسية الشيعة والسنة في آن واحد, وكان ضحيتها الناس الأبرياء من أتباع المذهبين.
* السعي إلى إثارة الصراع الشديد ومنع الوصول إلى حل عقلاني مع إسرائيل بالنسبة إلى القضية الفلسطينية, وهي سياسة تصب في طاحونة القوى اليمينية واليمينية المتطرفة الأكثر تشدداً في إسرائيل. وهذا ما نشهده في موقف القوى المؤيد لإيران مثل حزب الله في لبنان وحماس في غزة والضفة الغربية.
* العمل من أجل دفع قوى إسلامية سياسية شيعية إلى أوروبا وبقية دول العالم للدعاية “الإسلامية” إلى المذهب الشيعي الصفوي والمنافسة مع السعودية في سعيها لنشر المذهب الوهابي السلفي المتشدد على الصعيد العالمي وترويج الإرهاب ومناهضة الأديان الأخرى باعتبارها أدياناً كافرة وأتباعها من الكافرين. وكتب التعليم المدرسية مليئة بهذه السخافات والإساءات لأتباع الديانات الأخرى. كما يرتبط ذلك بإثارة المشكلات ضد الدول الأخرى حين توجه النقد للدين الإسلامي أو لممارسات غير سليمة باسم الدين, في حين تمارس تلك الدول حرية الرأي وحق النشر في ما يفكر به الإنسان إزاء الآخر. فالكثير من المدارس الدينية وأتباعها في الدول العربية والإسلامية يمارسون أساليب جارحة لعقيدة الآخر, ولكنهم يرفضون حق الآخر في التعبير عن رأيه وانتقاداته.
كل هذا يتجلى في خمس ممارسات مهمة من جانب إيران في العراق والمنطقة, وهي:
السعي بكل السبل من أجل إنتاج السلاح النووي ليكون بمثابة القوة الرادعة لمن لا يقبل بالتعاون معها أو تهديدها, وبمثابة الإعلان عن كون إيران دولة نووية كبرى ينبغي أخذها بنظر الاعتبار في السياستين الإقليمية والدولية وتوزيع المصالح والنفوذ بين الدول النووية والكبرى. وهي تهديد خطير لشعوب المنطقة, غذ أن حكام إيران متطرفون حقاً.
توظيف جمهرة كبيرة من حراس الثورة وأجهزة الأمن الإيرانية وجيش القدس وإرسالهم إلى سفاراتها في دول العالم, أو على شكل شيوخ دين لممارسة الموعظة في المساجد والحسينيات والمدارس الدينية وغيرها, أو تشكيل منظمات “مجتمع مدني” إسلامية سياسية تمارس دورها في الدعاية الإيرانية المعروفة طبيعتها لنا جميعاً وتمارس مع القوى الأخرى أشكال شتى من الأعمال الإرهابية التي أصبحت مكشوفة جداً في العراق, بما فيها الاختطاف والترحيل إلى إيران أو القتل وقتل النساء والمتاجرة بالمخدرات…الخ. ولا مناص هنا من الإشارة إلى منظمة “ثار الله” على سبيل المثال لا الحصر.
منح من يعمل مع إيران في تلك الدول المزيد من الأموال والسلع العينية ليستفيد منها لكسب الناس إلى جانبه وتوظيفه لصالح مشروعات إيران في تلك الدول.
ممارسة الجزرة والعصا عبر قوى الإرهاب لفرض الفوضى والتخريب والموت في الدول الأخرى إلى أن تتسنى فرصة السيطرة على سياسة هذه الدولة أو تلك أو احتوائها. بلدان مثل العراق ولبنان وفلسطين على نحو خاص , ومن سوريا واليمن والبحرين, تقدم صوراً صارخة في هذا المجال.
عند متابعة الإعلام الإيراني الموجه إلى الشعوب الإيرانية من جهة , وإلى الشعوب العربية والعالم من جهة أخرى, سيتبين لنا طبيعة هذا الإعلام ومضمون السياسات التي تقف خلف أجهزة الإعلام الإيرانية. إنه إعلام قومي شوفيني وديني متطرف وطائفي مقيت لا يمكن تحمله ممن يعتقد بأهمية المواطن والمواطنة في إيران وفي المنطقة والعالم.
لا شك عندي في أن إيران تشكل تهديداً جدياً للعراق من الناحيتين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والمذهبية, إذ أنها تمارس شق وحدة الصف الوطني بممارستها سياسات تمييز ديني وتمييز طائفي سياسي مقيت. ولهذا لا بد من إرساء العلاقات مع إيران على أسس تستند إلى مبادئ الأمم المتحدة والعلاقات الدولية الطبيعية وليس وفق لغة طائفية خاصة تؤدي إلى عواقب وخيمة في المجتمع العراقي المتعدد القوميات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية.
إن هذا الخطر يمكن مواجهته بالوحدة الوطنية العراقية وبوجود تعاون وتنسيق عربي واسع النطاق يقوم ويستند إلى نفس الأسس التي تعتمد في الأمم المتحدة والجامعة العربية في العلاقات بين أعضائها, كما لا بد من إقامة مشروع للأمن الإقليمي يضمن من جانب الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي الحماية لجميع دول المنطقة دون استثناء ويعمل على معالجة المشكلات بطرق سلمية تفاوضية وبآليات ديمقراطية. كما يمكن ضمان ذلك من خلال اتفاقية عادلة مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد كل الذي حصل في العراق خلال السنوات الخمس المنصرمة وخضوع العراق حتى الآن للاحتلال وتحت البند السابع من نظام القرارات والعقوبات وفق لوائح مجلس الأمن الدولي.

23/6/2008 كاظم حبيب