الرئيسية » شخصيات كوردية » التعبيرية في لوحات الفنان التشكيلي فهمي بالاى

التعبيرية في لوحات الفنان التشكيلي فهمي بالاى

الفنان التشكيلي فهمي بالاي لم يتحدد فنه بمدرسة واحدة، فمن مدرسة البورتريه (لوحة الخيول) إلى التعبيرية، وتكاد التعبيرية تظلل لوحاته كلها، كتب فرانز مارك عن التعبيرية (نحن اليوم نسعى إلى ما وراء قناع المظاهر الذي تتستر وراءه الأشياء في الطبيعة إذ تبدو لنا أنها أهم من اكتشافات الانطباعيين) وفق تعريف فضفاض كهذا سينضوي جميع الفنانين تحت لواء التعبيرية. وهناك من يعرف التعبيرية على أنها(اتجاه فني يعتمد فيه الفنان على شخصيته وأسلوبه مع سيطرة الانفعالات الإنسانية فيعبر الفنان عن مشاعره الذاتية دون اللجوء إلى محاكاة الواقع). التعبيرية امتداد لروح الفنان ونفسيته، الفنان هو المركز، والكون متمركز حوله، فإذا كانت التعبيرية ذاتية فإن مدرستي الانطباعية والبورتريه موضوعيتان، لكن الموضوعية انحسرت لصالح الذاتية.. المرأة التي تنتظر رحمة السماء، الخلاص في بصيص الضوء، الفنان يبحث عن حلول أو على الأقل يقدم لنا الإشكاليات من منظور آخر، عندما يعبر تعبيرا صادقا عن أحاسيسه ومشاعره الذاتية سواء أ كانت كرد فعل لاضطرابات العالم الخارجي أم لعالم الأحلام والرؤى، ويعتبر فنانو التعبيرية مصوري الآلة الفوتوغرافية بأنَّهم عميان، لأن عيونهم لا تعمل كأعضاء بشرية بل كتوابع لما يحملونه من آلات وعلى الفنان أن يبتعد عن رتابة الأسلوب لصالح نضارة وحيوية التعبير الإنساني، لأنَّ العوالم المحيطة بنا ليست دائما مرئية، إنما تحتاج إلى قوة حدس خاصة تمكنه من كشف الحجاب عن العالم غير المرئي وهو عالم النفس الداخلي الذي يؤدي إلى اكتشاف حقيقة العوالم. قال هنري ماتيس(1869-1954) في نصه المعنون(ملحوظات رسام) ونشر في باريس عام 1908، وترجم فوراً إلى لغات عديدة: (إن من أهدافه عدم الفصل بين الإحساس الذي يكنه للحياة وبين طريقته في التعبير وفق طراز تفكيري لا يتضمن العاطفة المرتسمة على وجه الإنسان)… وتزداد التعبيرية ظهورا في أوقات الأزمات والقلق الروحي وقد وجدت التعبيرية أرضا خصبة بين الفنانين الشباب في هذا العصر المضطرب، وخاصةً المغتربين، والفنان التشكيلي غالباً ما يجذبه الاغتراب، ومنهم الفنان بالايي، ولذلك فإنَّ الفن في هذا الاتجاه هو تفريغ شحنة سالبة من أعصاب الفنان متولدة عن مقاومته الانصهار والذوبان في المجتمع. فلسفة الخيول الجامحة: ذُكِرَتْ الخيل صراحة ثلاث مرات في القرآن الكريم، آل عمران:14، الأنفال: 60، النحل: 8، وذكرت بلفظ الصافنات الجياد، يؤكد إغراءات الخيل، حيث شغلت نبي الله سليمان عن الصلاة، سورة ص:32، وسمَّى المسلمون سورةً باسم الخيل(سورة العاديات)لمَّا رأوا أنَّ الله أقسم بها، وقوله:( فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ) هي حوافر الخيل (توري/تقدح) ناراً من شدة جريها وقوة اصطدام حوافرها بالأرض، وقيل (توري/ تشعل)النار بين الأعداء، والنقع هو التراب. وازدادت أهمية الخيل في العصر الحديث، في الفن التشكيلي والنحت، والرواية، والقصة، والمسرح، والسينما، ، وقصة حلم راسكولنيكوف بالحصان الذي ينوء بحمله ويتعرض للضرب حتى الموت(الجريمة والعقاب/فص5/ص100). وعقدَ أورهان باموك فصلاً من روايته بعنوان(أنا حصان/ فص35)جاء في مستهله(لا تأبهوا لوقوفي الآن هادئاً ساكناً، وفي الحقيقة أنا أعدو منذ قرون، أنا أخبُّ عابراً السهول، اخوض الحروب، واحمل بنات السلاطين لتزويجهن،انتقل من الحكايات إلى التاريخ، ومن التاريخ إلى الأساطير، ومن كتاب إلى كتاب، صفحةً صفحة، ومن المؤكد إني رُسمْتُ كثيراً جداً جداً، لأنني اتخذت مكاناً في كثير من الحكايات والكتب والحروب، ورافقتُ الأبطال اللامهزومين، والعشاق الأسطوريين، والجيوش الخارجة من الأحلام، وركضتُ أيضاً من نفيرٍ إلى نفير مع السلاطين المظفَّرين) . وجعل باموك من كيفية وأسلوب رسم الحصان مفتاحاً لكشف الفنان القاتل من بين أساتذة الرسم الثلاثة. الفنان فهمي بالاي رسم لوحة الخيول الجامحة المنطلقة المسرعة، أربعة أحصنة تنطلق في أرض ربيعية مزهرة، الأبيضان(الأشهبان) في الوسط، ومن الجانبين: حصانان(كُمَيْتَاْنْ) باللون البني الداكن، الأقرب البني الداكن قد رفع قائمته الأمامية من الجهة اليسرى، وهي الوضعية الأشهر، واعتمد بالايي أربعة ألوان متقاربة لخيوله، ولكل لونٍ اسمٌ وعنوان: الأدهم: هو الأسود الخالص السواد، الأشهب: وهو الأبيض اذا خالطه سواد، ورد: هو الأحمر الخالص، كميت: إذا كانت حمرته في سواد، الأبلق: لاشيء ولا وضوح فيه غير مرغوب كثير الحرن، الأجرد: قليل الشعر، الغرة: له بياض في الجبين، ولأصواته أسماء أيضاً، أجش: أكثر صهيله من منخريه، الحمحمة: صوته إذا طلب العلف أو رأى صاحبه، الضبح: صوت نفسه إذا عدا وركض، القبع: صوت يردده من منخره إلى حلقه إذا نفر من شيء. الأشهبان شامخان يرنوان للأفق البعيد، والكميتان مصغيان بخجل، ولا أدري لماذا رأس الحصان الأول منَّكِّسََ إلى الأسفل؟ مما ضيع الكثير من جمالية اللوحة، ولو أنَّه كان مرفوع الرأس كالأشهب الثالث، والكميت الرابع. إنَّ كل حصان من الأربعة، يُظْهِرْ لنا شكلاً مختلفاً، والأشكال الأربعة تتوحد في شكل كلي لجياد منطلقة كما رأتها عين إنسان في لحظةٍ ما، وترتبط ببعضها بواسطة الإيقاع التراتبي لتتجذَّر كتباين لا تمحي من الذاكرة بسهولة، : الحصانان الأول والثاني، بدَتْ قوائمهما، الأول قد رفعَ ساقه اليسرى الأمامية، واليمنى الخلفية، وارتكز على اليمنى الأمامية واليسرى الخلفية، وليس ثمة حصان يركض مادا قائمتيه الأماميتين والخلفيتين معاً، وليس ثمة حصان يركض مادا قائمتيه الأماميتين ومرتكزاً على الخلفيتين، إنما تجري عملية العدو والجري بالتعاقب، إذا كانت واحدة من القائمتين الأماميتين ممدودة إلى الأمام ملامسةً الأرض، فلا بدَّ أن تكون الأخرى الأمامية إلى الخلف دون أن تلامس الأرض، وكذلك الوضع في القائمتين الخلفيتين وهناك ثوانٍ قليلة قد تمر بسرعة تكون قوائم الحصان كلها في الهواء خاصةً عند الجري السريع، والوثب السريع قد تستعصي على الرسَّام وقد حاول ليوناردو دافنشي(1452- 1519) أن يرسم هذه الحالة فرسم وجه الفارس بوجهين غير متكاملين نتيجة الحركة، هما فم مفتوح للأعلى والثاني نحو الأسفل. 2- ثورة الـ(م)خيال: أسلوب الرسم + طريقة النظر + اتجاه التأويل = ثورة جديدة لل(م)خيال. العالم يحمل المعنى الذي نصبغه نحن به، والصبغة وحدة متخيَّلة من إنتاج المخيال الذي لا يتفعَّل في غياب أثر فني ذي جمالية عالية، وتتوازى الوحدة المُتخيَّلة الجديدة مع تهديم الوحدات(الأشكال) السابقة، ويستند إلى المُتَخيَّل المركزي لكل ثقافة في فك رموز الألوان، فاللون الأحمر يدلُّ على الحب كما يدلُّ على الدم، والأصفر يدلُّ على الغيرة والحسد والموت والخريف …الخ. وإلى أن تظهر لحظة متخيَّلة جديدة، سيبقى المجتمع أسير متاهة استقلال لحظة متخيَّلة بذاتها وسيطرتها على المجتمع منذ لحظة استقلالها رغمَ أنَّها وهم لا أصالة فيها ولا تأصيل. كثرة الظلال الساقطة من كثرة الألوان في اللوحة الواحدة، بسبب كثرة الأنوار/ المعاني، ولكلِّ نورٍ ظل، ولكلِّ لون معنى، ولكلِّ رائ معناه الخاص الذي قام به أولاً، فهو أحقُّ بالمعنى الذي أراده، وقد يكون المَعْني بالمعنى مَعْنيِّاً وقد لا يكون، فالعلامة التي يستخلصها المخيال الفردي يكون قد منحها جزءا من ذاته دون أن يسمح لها بالابتعاد عن المخيال السائد في مجتمعه، ولهذا علاقة بالوحدة المتخيَّلَة المستقلّة، فالوحدة المتخيِّلَة(بكسر الياء المشدّدة)الجديدة، قد تكون مشتقة من الوحدة المتخيَّلَة(بفتح الياء المشددة) المستقلّة. وللمعاني علامات، والعلامة مشتقة من العالم، وكلُّ علامة تدلُّ على العالم الذي انفصلت عنه وإليه مردُّها ومرجعها سواء انفصلت أم اتصلت، وفَسِّر أكثر تفهم أكثر، وتفسير العالم تغييره، فالبياض المحاط بالألوان حدَّ الاختناق علامة ازدياد معدلات الاستغلال وبالتالي يزداد البؤس والفقر والظلم والجهل والقهر والتعذيب واتجاه التأويل يتجدد عند كل طريقة نظر لأناسٍ آخرين، وهكذا تصير كل صورة ثورةٌ لخيال المشاهد، من حيث هي مظهر أو مشهد جديد، وهي في ذات الوقت ثورة خيال يبعثها الرسام أو المصور، بانتزاعها عن (الزمكان) وتجميدها في إطار قد يدوم لقرون. يعتمد الفنان بالايي الخيال في تحريف الأشكال عن طبيعتها، كتغميض الوجه البشري للأم وطفلتها أو الأخت وشقيقتها الصغيرة. من سمات فن بالايي أيضا إجادته استعمال الألوان بكثافة تكاملية لإعادة تجسيد الصورة التي رأت عيناه واستمتعتا بها، فاختزنها العقل في الذاكرة ليعيدها من جديد، فهي إنتاج العقل لأنَّه يرسم معطيات العقل أي ما يراه العقل لحظة فعل الرسم، لا لحظة الرؤية، ولو كانت اللحظتان آنيتين، والألوان عاملاً مساعداً على تألق الفكرة في العمل الفني، مع التعبير عن بعض الانفعالات النفسية وما ينتابها من قلق وصراع، من خلال الألوان التي يوليها الفنان أهميةً كبرى وقد كتبَ أبحاثاً كثيرة في دلالات الألوان وإيحاءاتها، فتراه أحياناً يميل إلى اختيار الألوان الصارخة جدا والشديدة، والتي قد تبدو لاذعة ومحرقة، كتلك التي استخدمها في لوحة عازف الناي الكوردي: لكل شخص علاقة خاصة بالألوان، ولكلِّ حاسةٍ خيالٌ خاصٌ بها لا يشاركها فيه غيرها، فالعين تستلِّذُّ في النظر إلى ما تستحسنه، ثمَّ ترسل الصورة إلى خزائن الذاكرة، ولنفترض أنَّها صورة شخص عزيز، وعندما يريد الخيال أن يستحضر هذه الصورة ليرسمها، فهل للعين علاقة بماهية الصورة المستحضرة؟ بالتأكيد هو العقل وحده. ولكن هناك يصعب التعبير عنها بالكلمات أو بالألوان، بل ثورةُ وغليان الألوان.

Taakhi