الرئيسية » مقالات » قراءة في الجزء (النظري) من كتاب (نحو ثقافة تأصيلية)

قراءة في الجزء (النظري) من كتاب (نحو ثقافة تأصيلية)

حضرت ندوة عقدت في برلين قدم فيها الأخ والصديق الدكتور حامد فضل الله قراءة نقدية لكتاب السيد محمد محمود شاويش الموسوم “نحو ثقافة تأصيلية , البيان التأصيلي” الصادر عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع في دمشق في العام2007. وقد كانت الدراسة النقدية التي قدمها الدكتور فضل الله قيمة حقاً في رؤيتها لنقاط الضعف والخلل الجوهرية الواردة في الكتاب , سواء أكان ذلك في ما يمس الجوانب النظرية أم الجوانب التطبيقية من القضايا المطروحة. وقد نشر المقال في موقع الكلمة الإلكتروني. كما قُدمت ملاحظات نقدية جوهرية من جانب الأخ الدكتور نبيل بوشناق , وخاصة في ما يخص قضايا الاستبداد وحقوق الإنسان التي أغفلها الكاتب كلية في كتابه المليء بالحنين للماضي الذي لن يعود , إضافة إلى ملاحظات كثيرة أخرى من بعض الحاضرين الآخرين. وبما أني لم أكن قد قرأت الكتاب , ولم يتسن لي إبداء كل الملاحظات التي تكونت لدي عن مضمون الكتاب أثناء القراءة النقدية له , فقد قررت استعارة الكتاب والبدء بمطالعته والكتابة عنه بصورة أكثر دقة وتدقيقاً. وقرأته فعلاً بإمعان وتكونت لدي الملاحظات التالية التي يمكن أن تفتح نقاشاً حول أفكار الكاتب ونقاده.
الكتاب عبارة عن مجموعة مقالات نشرت في فترات متباينة في الصحافة العربية تم جمعها من قبل الكاتب ثم كتب لها مقدمة عامة بما يساعد على منحها خيطاً واحداً يشدها في فكر ديني شديد المحافظة والحنين , حيث يبدو أن الكاتب يعيش الماضي في الحاضر ويسعى إلى استعارة فكر الماضي واستعادة الماضي بحذافيره الذي فات ولن يعود , فهو لا يسبح في كتابه هذا ضد تيار حركة التاريخ , بل ضد الحقائق القائمة على الأرض , وهي صخور صلدة تحطم رأس من يصطدم بها , كما يقول المثل الإنجليزي.
وزع الكاتب السيد محمد محمود شاويش جهده على قسم عام سماه “البيان التأصيلي” والذي يتكون من تسع موضوعات موزعة على سبع صفحات تقريباً , وعلى قسم تطبيقي احتل 97 % من حجم الكتاب عدا المقدمة التي كتبت من أخيه السيد الدكتور حسين شاويش . سأقتصر في مناقشتي لأفكار الكاتب على المقدمة العامة من الكتاب , التي اعتبرها الكاتب القاعدة النظرية لتحليلاته اللاحقة , إذ أن الأخ الدكتور حامد فضل الله منح القسم التطبيقي جل اهتمامه وأوفى , رغم كل الجهد الذي بذله , إذ كان قد ارتدى الزميل قفازاً حريرياً حين سجل ملاحظاته كي لا يثير الكاتب , كما عبر عن ذلك أحد قارئي الكتاب. ورغم جدية النقد بقى الكثير من الأفكار , التي تعود لعصور سالفة , الذي يفترض نقده , إذ أن أفكار هذا الكاتب الفاضل تشكل , كما أرى , خطراً على أذهان الشبيبة وسعيها لبناء حياة جديدة متقدمة وسعيدة. لا شك في أن لكل كاتب الحق والحرية الكاملة في التعبير عن وجهات نظره , ومن حقنا الكامل ممارسة النقد لها. واحترام هذه الحرية المشتركة وهذا الحق المتبادل واجبنا جميعاً , إذ بدون ذلك لا يمكن أن نتقدم خطوة جادة نحو الأمام لصالح الثقافة والتقدم الثقافي والاجتماعي في عالمينا العربي والإسلامي وفي عصر العولمة والثورة المعلوماتية.
الموضوعة الأولى:
طرح السيد شاويش في موضوعته الأولى مجموعة من الأحكام المطلقة التي , وفق رأيه , لا يرقى إليها الشك ولا تقبل النقض , ضمن مجموعة من الأحكام المطلقة الأخرى التي سنتعرض لها تباعاً. فماذا تتضمن هذه الموضوعة؟ إنها تتضمن ما يلي:
1. أن الإسلام هو الخيمة الأخيرة لا للأمة العربية , إذا أرادت أن لا تندثر , بل إنه الخيمة للبشرية كلها.
2. إن البشرية جمعاء تسير بفرعنة لا مثيل لها صوب الهاوية.
3. وأن الإنسان يعبد المادة أو القوة والعمل , في حين أن عليه أن يعبد الله.
وينتهي من هذا الطرح إلى مقولة قديمة جديدة واسطوانة مشخوطة يحملها “الأخوان المسلمون” معهم دوماً ويروجون لها أبداً ومفادها أن “الإسلام هو الحل”. ولكنه لا يكتفي بما يقوله الأخوان المسلمون , بل يزيد عليه , بأن هذا الحل ليس للمسلمين فحسب , بل هو للبشرية كلها!
ماذا يعني ذلك؟
1. إنه يعني دون أدنى ريب رفض قاطع لكل الأديان الأخرى واستفزاز مباشر وإثارة متعمدة لأتباع الديانات الأخرى في العالم , وهو حكم عاجز عن الصمود أمام الواقع القائم. كما أنه مطالبة غير مباشرة إلى اعتبار الأديان الأخرى تساهم في انهيار البشرية وهلاك البشر , وأن أمام البشرية كلها قارب نجاة واحد وحيد هو الإسلام.
2. أن البشرية كلها تقف على شفا هاوية وانهيار كامل واندثار أيضاً. ولكن هل هذا التصور حقيقي أم ادعاء باطل؟ فهو لا يبذل الجهود للتدليل على ذلك , فبالنسبة له حكم مطلق لا يقبل النقض.
3. ومثل هذا الطرح يذكرنا بمقولة كامل ماركس حيث يستخدم الدين وعبادة الله كأفيون للشعوب , للكادحين , لفقراء البشرية , وليست للأغنياء من الناس , فلهؤلاء الفقراء السعادة في الجنة وللأغنياء السعادة في الحياة الدنيا.
4. إن هناك خلطاً فاضحاً بين العلم وامتلاك القوة العلمية وبين عبادة الله. فشعوب الدول الغربية التي استطاعت تطوير العلم والتقنيات الحديثة وتحقيق الثورة المعلوماتية مؤمنة , والبعض منهم مسلم أيضاً , ولكن أغلبهم يدين بدين آخر , كما هو الحال في الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا واستراليا وغيرها من الدول. وروح هؤلاء الناس غير فاسدة , بل طيبة ونقية , كما هي روح أي إنسان آخر في العالم , بل الروح الفاسدة هي في أولئك الذين يرون أن روح الناس في الغرب فاسدة أو بلا روح. المسيحي والمسلم واليهودي والصابئي المندائي والهندوسي والبوذي والكونفشيوسي والمجوسي كل منهم له دينه الذي يدين به وعلينا احترام كل تلك الأديان وغيرها , وأن لا نتهمهم بأنهم بلا روح ويدفعون البشرية إلى الاندثار لأهم غير مسلمين , بل هم يساهمون أكثر من المسلمين في الوقت الحاضر في تطوير حياة وسعادة الإنسان , رغم ما في هذا العالم أيضاً من جور وظلم وفقدان العدالة الاجتماعية , وأكثر تلك المظالم نعيشها في العالمين العربي والإسلامي. ويكفي أن نلقي نظرة على النظم العربية لنعرف ما يجري فيها!
ولكن السيد محمد شاويش لا يقدم لنا كيف يمكن أن يكون الإسلام هو الحل لكل مشكلات البشرية وكيف يمكن أن يعالج موضوعات الحاضر والتقدم التقني. كما لم يقدم لنا الأسباب الكامنة وراء احتمال اندثار الحضارة العربية والإسلامية وحضارة الإنسان والإنسان كله. إنه حكم لا يستند إلى قاعدة مادية يمكن أن تقبل , فهو كمن يقول لك هذا حكم الله والله موجود فلا تناقش , النقاش هنا محرم. الإسلام هو الحل , ولكن كيف؟ ولماذا لم يستطع أتباع الإسلام التغلب على الواقع الراهن حتى الآن , وهم يعيشون في عدد كبير من الدول العربية وغير العربية؟ هل يمكن أن نعزو كل ذلك للاستعمار , أم إلى التخلف الفكري والعلمي الذي يعيش فيه المسلمون وبسبب غياب التنوير في المجتمعات الإسلامية؟ ألا نلاحظ أن الفقه الإسلامي قد تخلف حتى عما كان عليه في زمن صاحب الدعوة الإسلامية محمد بن عبد الله؟ إن الإسلام هو الحل ليس سوى انغلاق حقيقي على الفكر والعلم على الصعيد العالمي , وتصدي لأي تلاقح فكري وحضاري مع الفكر والحضارة الجارية على الصعيد الدولي , وهي الدعوة التي يروج لها السيد شاويش خشية منه على نقاوة الفكر والثقافة الإسلامية والعربية , وهو أمر سيقود إلى مزيد من التخلف والجمود والشرنقة الثقافية والحضارية , وهو ما ترفضه قوانين التطور الاجتماعي التي يستهين بها وبحركتها وفعلها ونتائجها السيد شاويش.
إن الإسلام دين كبقية الأديان في هذا العالم , ومن حق من يؤمن به أن يدعو له , ولكن لا على أساس فرضه على الشعوب الأخرى وبهذه الطريقة المسيئة إلى بقية الأديان التي يدعو لها السيد شاويش.
الموضوعة الثانية:
في موضوعته الثانية يفترض السيد شاويش “جازماً” بأن البشرية كلها تسير صوب الإسلام , وهو حكم مطلق. لهذا يرى بأن على المسلمين أن يبعدوا حضارتهم وثقافتهم عن التلاقح مع حضارة الغرب باعتبار الحضارة الغربية الإنسانية الحديثة أفعى تريد التهام بقية الحضارات والثقافات وكذا الهويات الثقافية للشعوب الإسلامية , وخاصة العربية. وفي الوقت نفسه يرى أن الحضارة الغربية سائرة إلى الانهيار والزوال , ومع ذلك يخشاها ويخشى تأثيرها كما يخشى الفأر من قط متربص له. ويرى , أن أصحاب الحضارة الغربية هم الذين يقولون ذلك , لأن لا علاج لهذه الحضارة من الانهيار , حتى الماركسية باعتبارها كانت آخر علاج لها لم ينفعها ولم ينقذها من مصيرها , وبالتالي عليها أن تسير صوب الإسلام , وإلا فالموت نصيبها لا محالة. لا بد لي أن أشير هنا إلى الملاحظات التالية:
1. إن زميلنا الطيب , رغم عيشه الطويل في أوروبا , لم يع حتى الآن مفهوم الحضارة ومكوناتها واتجاهات تطورها , لم يمسك بجوانب قوتها وضعفها والأسباب الكامنة وراء تطورها المتسارع. لقد أخذت هذه الحضارة من الشرق الشيء الكثير , لقد أخذت الديانتين اليهودية والمسيحية , وبعضهم أخذ الإسلام أيضاً , كما استفادت من الديانات الوضعية الأخرى كالهندوسية والبوذية وغيرهما , ولكنها طورت هذه الديانات عبر عمليات التنوير المعروفة من جهة , كما استفادت من حضارة الشرق الأخرى , ومنها ما وصلها من الدولة الأموية والدولة العباسية على نحو خاص ومن الدولة الفارسية والعثمانية من جهة أخرى , ودفعت بذلك إلى المزيد من التطور والتقدم لحضارتها الغربية. لا شك أن ليس كل شيء في هذه الحضارة طيب , ولكن لا مجال للمقارنة بين استمرار تخلف حضارتنا الراهنة وبين استمرار تقدم حضارة الغرب , التي هي جزء من حضارة المجتمع البشري. لقد خرجت أوروبا من ظلمات القرون الوسطى إلى النور , أما نحن فقد دخلنا منذ القرن الحادي عشر الميلادي , ولكن بشكل خاص منذ سقوط بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي (1258) بيد جيوش هولاكو الغازية حتى الآن , إلى حياة التخلف والتقهقر ولم نتقدم كثيراً , رغم أن الحضارة الغربية قد ساهمت بكسر الكثير من القيود التي كانت تقيد شعوبنا ولكنها ما تزال ضعيفة بالقياس إلى ما ينبغي أن يحصل.
2. والرجل , كما أرى , عاجز عن إدراك حقيقة أن كل ثقافة في بلد ما لا يمكن أن تكون ثقافة نقية , بل هي متلاحقة مع ثقافات شعوب أخرى , ولكنها تشكل مع بقية الثقافات ثقافة وحضارة البشرية بكل تنوعاتها وتفاعلاتها والتبادل والتلاقح في ما بينها.
3. ويرى بأن الماركسية قد سقطت بسقوط الدول الاشتراكية في أوروبا أو في غيرها من الدول , ولا يريد أن يعي بأن الانهيار قد أصاب نظماً وتجارب بعينها , تلك التي تبنت قولاً الماركسية وعجزت عن وعي مضامينها. ولهذا راح يترحم على المادية الجدلية والتاريخية , كما فعل نوربرت بلوم حين ترحم على الماركسية وأراد دفنها. الماركسية , أيها السيد الكريم , نهج فكري مادي ديالكتيكي (جدلي) ومادي تاريخي , وليست نظرية جامدة راكدة متشرنقة. وبالتالي , مع تغير الزمان والمكان تتغير النظرية ذاتها باستخدام المنهج العلمي في التحليل والعمل من أجل التغيير. الدول الغربية بدأت تدرس من جديد كتاب رأس المال لأنه السفر العالمي الذي كشف عن خبايا الرأسمالية , نقاط قوتها ونقاط ضعفها , كما وضع أسس التغيير المستقبلي لها. ويبدو لي أن الكاتب السيد شاويش مغرم بالأحكام المطلقة التي لا يكلف نفسه جهد إثبات ما يطلقه من أحكام , وهو موقف شكلي ميتافيزيقي لا غير , لا يعتمد الرؤية الجدلية للأفكار التي يطلقها.
الموضوعتان الثالثة والرابعة:
يتحدث هنا الكاتب عن المطلق والنسبي , ولكنه عجز هو نفسه عن ممارسة هذا التمييز في كتابه الموما إليه , فكل أحكامه كانت مطلقة وليس فيها أية رؤية نسبية للأفكار التي طرحها. ثم يتحدث عن التأصيل وتمييزه عن الأصولية الغربية , ولكنه نسى بأنه استخدم التأصيل هنا بمعنى السلفية المغرقة بالمحافظة لا غير , رغم الادعاء بأن التأصيل يرتبط بالواقع الجديد ويتأثر به. وهو يتهم الغرب والحضارة الأوروبية بالنزعة المتمركزة على الذات , وهذا الاتهام ليس كله دون أساس لدى جمهرة من الكتاب الأوروبيين , ولكنه نسى أن الفكر الوارد في الكتاب انبطاح كامل أمام النزعة المتمركز على الذات الإسلامية السلفية وبأعتى صورها وأشكال ظهورها , فماذا يعني “الإسلام هو الحل” غير ذلك , والإسلام هو الخيمة الأخيرة للبشرية كلها ليس سوى رؤية بعين واحدة , حيث كانت العين الأخرى مسدودة تماماً.
الموضوعتان الخامسة والسادسة :
تبحث موضوعته الخامسة في الصحوة الإسلامية الكبرى … السؤال المنطقي الذي يواجه كل ذي إنسان هو : هل نحن أمام صحوة إسلامية حقاً , أم نواجه ردة فكرية وسياسية واجتماعية وحضارية لا مثيل لها في العالم الإسلامي منذ قرون طويلة؟ ألسنا نواجه استخدام أساليب فاشية في فرض رأي جماعات إسلامية متطرفة وهمجية على المجتمع العرب والإسلامي والعالم؟ فهل هذه يا سيدي الكريم صحوة إسلامية أم توحش لا مثيل له؟ لقد عجز النهضويون من العرب والمسلمين عن إخراج المسلمين من الظلمات إلى النور عبر عملية تنوير دينية واجتماعية , وهم الذين يرى فيهم السيد شاويش أنهم قد أساءوا للإسلام لأنهم لم يتنكروا لما تحقق في الغرب من تقدم حضاري , ويدعي أنهم كانوا في انبهار تام من تقدم الحضارة الغربية. ألم يكن هؤلاء النهضويون محقين في المقارنة بين أوضاع بلدانهم وشعوبهم المتخلفة وبين أوضاع بلدان وشعوب الغرب المتقدمة؟ تصوروا إلى أي مستوى وصل فكر الأخ شاويش بحيث يتهم محمد عبده وصحبه بأنهم قد أساءوا للإسلام والأمة الإسلامية! إنها لجرأة مخجلة أن يوجه الرجل مثل هذا النقد لأولئك الأوائل الذين حاولوا دفع العرب والمسلمين إلى مواقع أفضل وأكثر تقدماً , في حين يريد الكاتب دفعهم إلى مواقع أكثر تخلفاً وبؤساً وفاقة فكرية وثقافية وحضارية.
لقد أخذ اليهود والمسيحيون من الحضارة العراقية القديمة ومن الحضارة المصرية القديمة الكثير , وأخذ العرب والمسلمون القدامى من تلك الحضارات ومن اليهود والمسيحيين أيضاً , فما العيب في ذلك من جهة , وما أهمية ذلك للمجتمع العربي والإسلامي من جهة أخرى؟ ألم ينهض العرب بترجمة الكثير من الكتب عن الثقافة والفلسفة اليونانية والإغريقية؟ ألم يساهم هؤلاء بترجمة وتطوير وإغناء الفكر قديماً , كما فعل الكثير من فلاسفة العرب الشجعان ومن المسلمين من غير العرب في عهد المأمون مثلاً , في حين نرى أن الزميل يحاول أن يعيدنا إلى ماض سحيق حيث لا وجود إلا لفسلفة البؤس وبؤس الفلسفة. ويشعر بالقرف من كثرة الترجمات العربية عن اللغات الأخرى , في حين رأى السيد الدكتور فضل الله بحق أن ما ترجم إلى العربية قليل وقليل جداً من تلك الكتب الثقافية الممتازة التي تساهم في إغناء ثقافتنا العربية.
هل ثورة الشعب الإيراني , التي اختطفها الخميني وحولها إلى حركة طائفية مقيتة في إيران وفي حركات إسلامية أخرى , صحوة إسلامية؟ هل نشاط القاعدة وتنظيمها وعدوانيتها وأساليبها الفاشية في العالم كله صحوة إسلامية كبرى؟ هل نشاط حماس وعدوانيتها في غزة وإزاء منظمة التحرير الفلسطينية صحوة؟ هل تبعية حزب الله لإيران ونشاطه في مصادرة الدولة اللبنانية وتعطيل عملها عبر ميليشياته المسلحة صحوة؟ هل المدارس الدينية الوهابية في السعودية وباكستان وما شاكلها المنتشرة في جميع أنحاء العالم ودروسها المليئة بالفكر التحريضي المعادي للفكر الآخر والدين الآخر والإنسان الآخر صحوة إسلامية كبرى؟ هل اضطهاد شعب دار فور وممارسة التمييز العنصري في السودان صحوة إسلامية كبرى من جانب النخبة الحاكمة؟
إن هذه الحركات والدول أعادت الدول العربية إلى الوراء لعقود كثيرة. نحن في هذا الكتاب أمام طمس الحقائق التاريخية والواقعية , نحن أمام علاقة غير سليمة ومسيئة بين الحكام المسلمين وأتباع الديانات الأخرى في الدول العربية والإسلامية عموماً , أمام تمييز ديني ومذهبي شرس .. وهنا الحديث لا يمس الدول العربية بل الدول الإسلامية كلها. أورد أمثلة كثيرة على ذلك: الموقف من القبطيين في مصر , الموقف من البهائيين في إيران , الموقف من الصابئة المندائية والإيزيدية في العراق على سبيل المثال لا الحصر.
لا يمكن لثقافتنا أن تتطور وتغتني ما لم تحتك وتتفاعل وتتلاقح وتتبادل المعارف والخبر مع الثقافات الأخرى. ومن هنا نشأت الترجمة ونشأ النشر الدولي الذي ساهم في نشر الثقافات المختلفة والمعارف والخبر وأغنى الثقافة والحضارة البشرية. فألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة وكتابات أبن سيناء وابن رشد والفارابي وعشرات غيرهم ترجمت إلى الكثير من اللغات الأوروبية , وجرى العكس أيضاً. ومن هنا نشأت أيضاً حركة تبادل الوفود والفرق الثقافية الشعرية والمسرحية والموسيقية – الغنائية والرقص والعلوم لأنها مساهمة فعلية في هذا التعارف والتلاقح المثمر. يسمي السيد شاويش ثقافتنا بالـ “هجينة” , جئني يا سيدي بثقافة “نقية” في هذا العالم الكبير. هل الثقافة الصينية هجينة أم نقية؟ والنبي محمد بن عبد الله قال في حينها “أطلب العلم ولو في الصين”؟ هل الثقافة الأمريكية نقية أم هجينة ؟ وهل الثقافات الأوروبية هجينة أم نقية؟ التمييز لا يتم على أساس النقاوة والهجينية , بل على اساس الإجابة عن الأسئلة التالية: هل التلاقح الثقافي مفيد أم غير مفيد؟ هل هذه المسألة الثقافية المأخوذة من ثقافة أخرى تنفع شعوبنا العربية وتساهم في تطويره أم لا؟ هل نركض وراء القشور ونأخذها أم نأخذ اللب الذي يغني ثقافتنا؟ هنا المسألة وليست في مكان آخر يندفع إليه السيد شاويش بهاجس إسلامي يخشى من جميع الثقافات على الثقافة العربية “النقية جداً! إن ثقافتنا العربية أعطت الكثير للثقافات الأخرى و ومن حقها أن تأخذ منها دون أن تفقد هويتها , فمن يخشى على هويته , لا هوية له أصلاً!
وفي هذا الإطار يكتب عن الهوية الثقافية والخشية عليها ويحاول بحثها فكراً وممارسة في مقال عن الهوية. وفيها يرتكب الأخ الفاضل محمد شاويش أكبر الأخطاء , كما يرتكبها أكثر الكتاب المغالين والمتطرفين من المسلمين ومن القوميين اليمينيين , حين يبحث في نقاوة الهوية الثقافية العربية والإسلامية. فهؤلاء يخشون اضمحلال الهوية الثقافية العربية – الإسلامية. ولكن السؤال هو: هل يمكن أن تضمحل ثقافة وهوية ثقافية قابلة وقادرة على الحياة والتطور وساهمت في إغناء البشرية والثقافة الإنسانية في الكثير من الأعمال الإبداعية في مختلف مجالات الثقافة المتعددة , ومنها الأدب , شعراً وقصة وحكايات وأساطير , والموسيقى والغناء والرقص , والرسم والمسرح , وكذلك في العلوم والفلسفة والطب والكيمياء والفلك؟ ولكن هل من المعقول أن نقصر الثقافة العربية على الجانب الإسلامي منها؟ إلم تتطور الثقافة العربية عبر الجماعات اليهودية والمسيحية والصابئة المندائية وغيرها من الأديان؟ هل هي هوية ثقافية عربية إسلامية أم هي متنوعة حقاً ومتلاقحة أيضا؟ إن الطريقة التي طرح بها الأخ موضوعته تعبر عن مصادرة وإلغاء لدور المسلمين من غير العرب في الثقافة العربية والهوية العربية الثقافية. هل تشكل المسيحية جزءاً من الهوية الثقافية الإسلامية , أم أنها جزء من الهوية الثقافية العربية وذات مسحة مسيحية أو يهودية أو صابئية مندائية أو أفريقية غير إسلامية ..الخ. والسيد شاويش يؤكد أن الثقافة الإسلامية هي سنية , في حين كان الأفضل له أن يسميها إسلامية وفيها فقه متعدد التحليل والتفسير والتأويل ومتلاقح أيضاً.
وردت الجملة التالية في كتابه الموسوم “البيان التأصيلي”: “نحن في الاتجاه التأصيلي ننطلق إذن من هذه الهوية , نريد لها أن تبقى متميزة ونقف بالمرصاد لمن يريد أن يذوّب هذه الهوية وهذه المهمة نراها تهم الجميع …” ص 29/30. هذا التهديد طائش لا يخدم أحداً , كما أنه لا ولن يخيف أحداً , إذ ليس هناك من يريد أن يصفي هذه الثقافة وينهي دورها المتميز , ولكن يفترض أن نرفض أيضاً تحنيط ثقافتنا وهويتنا الثقافية وشرنقتها ووضعها في متحف للتاريخ بدلاً من جعلها تتفاعل وتتلاقح مع الهويات الأخرى , تؤثر وتتأثر , وتبقى محتفظة بجوهرها الإنساني التقدمي. هذا الهوس وهذا التهديد هو من طبيعة السلفيين الذين لا يرون في التجديد والتحديث إلا تهديداً للثقافة العربية ولهيتها الإسلامية. ويبدو واضحاً أن كل القوميين اليمينيين والمسلمين المتشددين مصابون بمثل هذا الهوس والهاجس.
من المسائل التي تواجهنا في فكر هذا الكتاب أن الكاتب غير قادر على التمييز بين التخلف والتقدم , بين ما تعانية شعوبنا من تخلف وجهل وبؤس وفاقة في العلم والتقنيات والبحث العلمي و وأن علماء العرب والمسلمين يهربون على بلدان أخرى في الغرب , وبين تقدم الغرب في هذا المجال , بين مستويين حضاريين تقوم بينهما فجوة هائلة يصعب تجاوزها لسنوات طويلة قادمة , ومع ذلك فهو يريدنا أن نغوص في الفجوة ونوسعها أكثر فأكثر , فهو مأخوذ بأن “الإسلام هو الحل” , وهذا من حقه , ولكن عليه أن لا يحاول فرضه على الجميع ويهدد الجميع بالويل والثبور في حالة رفض رأيه وفي فهمه للهوية الثقافية وتنوعها. كم كنت أتمنى عليه أن يقرأ كتاب أمين المعلوف الموسوم “الهويات القاتلة” ليدرك في أي موقع يريد الرجل أن يدفعنا إليه والعيش في ظلمات الماضي البعيد.
نسى الرجل أن في ثقافتنا العربية والإسلامية الكثير مما هو بائس وخائب يفترض رفضه , ومنه الموقف من الاستبداد ومن الحاكم المستبد , والموقف من حقوق الإنسان , وبشكل خاص الموقف من حقوق المرأة , والموقف من أتباع الديانات الأخرى وفرض الذمة عليهم فرضاً وكأنهم من المواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة. نسى الرجل التعذيب والظلم والجور الذي تعرض له الإنسان في الدولة الإسلامية على امتداد تاريخ الدولة الإسلامية. كم أتمنى عليه أن يعود إلى كتاب موسوعة العذاب للسيد عبود الشالجي وهو في سبعة أجزاء ليعرف طبيعة الثقافة العربية في مجال الاستبداد والقسوة والتعذيب (الشالجي , عبود. موسوعة العذاب. الدار العربية للموسوعات. بيروت. بدون تاريخ النشر), وكتاب الاستبداد والقسوة في العراق (حبيب , كاظم د. الاستبداد والقسوة في العراق. مؤسسة حمدي للطباعة والنشر. السليمانية. ط 1. 2005) , وكتاب “تاريخ العنف الدموي في العراق (ياسين , باقر. تاريخ العنف الدموي في العراق. دار الكنوز الأدبية. بيروت. ط 1. 1999),
يتحدث الكاتب عن المساواة إزاء أتباع الديانات الأخرى في العالم العربي والإسلامي وينسى سياسة الضم والإلحاق والاحتواء والتمييز. كم كنت أتمنى عليه أن يعود إلى كتاب الدكتور عبد العزيز الدوري حول القرن العاشر الميلادي والرابع الهجري ليرى كيف كان التمييز إزاء اليهود والمسيحيين وغيرهم (الدوري , عبد العزيز د. تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت. ط3. 1995).
اشعر بالألم لهذا الرجل إذ أني به وكأنه يستقي أفكاره من فكر القرون الوسطى , كما عبر عن ذلك أحد القراء. في الكتاب الكثير مما يستحق النقد , ولكن أكتفي بهذا القدر.

برلين في 31/3/2008 كاظم حبيب