الرئيسية » مقالات » ولله في خلقه شؤون .. امريكي يدعو لمقاومة الامريكان

ولله في خلقه شؤون .. امريكي يدعو لمقاومة الامريكان

قبل ايام طلّ علينا السيد ايهم السامرائي وزير الكهرباء السابق، وأحّد اقطاب سرّاق العراق الجديد في مؤتمر صحفي كبير من العاصمة الاردنية عمان، وهو يدلي بتصريح، لا اعرف في اية خانة اضعه، حينما قال انا مع المقاومة العراقية الشريفة ضد الامريكان، ويا للشرف الذي صدّع به (الشرفاء) رؤوسنا.
اتقبّل حينما يدعو حارث الضاري او اي كائن ضاري آخر للمقاومة ضد (المُحتل) واتفهّم ما قد دفع بهؤلاء لهذا الامر .. لكن ما لا استطيع فهمه، هو كيف لرجل يحمل الجنسية الامريكية وتربّى وترعرع في المجتمع الامريكي، ويُقال ان والده كان احد اعضاء الكونغرس في فترة من الفترات، يدعو لمحاربة الامريكان واخراجهم من العراق بالقوة، وهو الذي كان يشغل في السابق وزارة بمباركة الامريكان انفسهم!!

السامرائي اعلن في ذات المؤتمر عن قرب عودته للعراق، من اجل العمل على تشكيل كيان سياسي، بعد ان ادّعى براءته من التهم الموجّهة اليه من قبل المحكمة العراقية على حد قوله، ولا ادري ما جدوى العمل السياسي اذا كان يؤمن بالعمل العسكري في اخراج المحتل!
هل يدعو السامرائي الى مقاومته حينما يدخل ارض الوطن! المفروض انه كذلك، لانه رجل امريكي جاء مع المحتل ليعمل في الحقل السياسي، وليحصل على مصالح معيّنة!

لقد كنا نسمع بان النبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، قد عانى الامرّين في مجتمع جاهل ومنحط كالمجتمع الجاهلي، وكيف استطاع بعد طول عناء ان يجعل منهم خير امة اخرجت للناس، لكنني ومع خالص احترامي لمَن يخالفني، اجزم بان ذاك المجتمع كان اذكى وارقى من مجتمعنا اليوم بمرات عديدة .. كيف لا ونحن نرى ونشهد حجم اللوثة التي اصابت عقول الناس وهذا المستوى الضحل في التفكير.
كيف يُعقل لشخص ان يحرّض الناس على بني بلده الذين احتضنوه وقدّموا له اعز ما لديهم وهي الجنسية الامريكية، في حين سلبها منه البعث الصدامي في اقل من خمس دقائق؟
اتمنى ان يجيبني احد من هؤلاء المغتربين في دول العالم، لماذا تركتم بلدكم العراق، وذهبتم الى دول العالم، طالبين اللجوء والاقامة؟
لماذا استنجدتم بالغرب (الكافر) لمساعدتكم في التخلّص من العراق (المُسلم)؟

والله والله .. لو سألنا كل فرد يعيش في ما يُسمّى بالوطن العربي كبيراً كان ام صغيراً، رجلاً كان ام امرأة، هل تفضّل السفر والاقامة في الغرب ام تبقى في بلدك العربي؟
سيُجيب بدون ادنى تردّد، طبعاً الغرب، فحظيرة غنم في ارياف اي دولة غربية، افضل من ارقى ارقى المدن في دول العروبة؟

كنت اعمل في المكتب الاعلامي لاحدى المؤسسات الحكومية العراقية في بغداد، حيث كنت مديراً للمكتب، وقد دار حديث بيني وبين مسؤول كبير في هذه المؤسسة – كان ينتمي لاحدى الاحزاب الاسلامية، الشيعية بالتحديد – حول نيّته السفر الى خارج العراق نتيجة تلقيه عدّة تهديدات بالقتل، فقد هُجّرت عائلته، وتعرّض الى ضغط نفسي وامني كبيرين، نتيجة عمله السياسي حتى انه لم يعُد يرجع لبيته وقرّر السفر نهائياً لانقاذ نفسه وعائلته من المصير المعلوم.

المُفارقة، عندما سألته الى اي دولة اوربية ستذهب؟ قال بل سأذهب الى امريكا وليس لاوربا، وعلّل ذلك بالقول، ان امريكا بلد الديمقراطية والحرّيات، وهي مجتمع افضل من المجتمع الاوربي من ناحية الخلق والاخلاق حسب ادّعاءه. اتعرفون ما اجبته وبسخريتي المُعتادة، قلت له لماذا تذهبون الى امريكا فهي اليوم عندنا وموجودة على ارضنا، فقط نحّوا اسلحتكم عنها وانظروا ما ستفعله لمجتمعكم .. وما ادراكم ربما ستفعل ما لم تفعله لمواطنيها، حينها ستهاجر اسراب الامريكيين الى العراق وليس العكس .. ضَحَك وببحّة صوت خفيفة، اكتسبها من هتافات آخر صلاة له ضد (المحتلين) الامريكان.

الاعتراف سيد الادلة كما يقولون، وكل الناس تعترف بان المجتمع الغربي عموماً والامريكي خصوصاً، ارقى وافضل من مجتمعاتنا، فلماذا اذن هذه المُكابرة الفارغة والشعارات السخيفة التي يطلقها ممّن على شاكلة النموذج اعلاه ضد (الاحتلال) حينما يقفون في الطوابير مع العوام، في حين يضمرون النيّة، بل والامنية للعيش في ذاك المجتمع والتمتع بحصانة قوانينه!

لم اتطرّق الى الطامّة الكبرى لحد الآن، فهي والله ان دلّت على شيء، انمّا تدل على الصدمة وخيبة الامل التي نعيشها في هذا الزمن اللقيط، الطامّة الكبرى، هو تفكير بعض المثقفين والشعراء والكتاب العراقيين، الذين قضوا الردح الاكبر من حياتهم في ازقة روما وامستردام ولندن وبقية عواصم العالم، يأكلون ويشربون وينامون ويتنفسون نسيم الحرية، بعد ن استبدلوا دجلة الخير بشواطئ الشقراوات ومدن البرونزيات، ليكتبوا بكل ترف عن معاناة العراقيين ومصائبهم .. تلك المصائب التي لم تأتِ الاّ بسبب اقلامهم وفكرهم التحريضي لدعاة المقاومة (الشريفة).
هؤلاء (الفلاسفة) المُترفين في الخارج، لا هم لهم سوى معاندة الواقع والاستمرار في رفضه نزولاً عند رغبات وافكار نرجسية بالية، اكل الدهر عليها وشرب، ولم تعد صالحة حتى في ادمغة مَن اطلقها، فتراهم يقفون ضد كل ما هو في صالح وطنهم (الاول) العراق، ولا ادري لماذا يستكثرون علينا العيش مثل ما عاشوا هم، بحُجّة (الوطنية) او (السيادة) التي باعوها باول (كرين كارد – Green Card ) وقعت عليها عيونهم.

أتساءل هل كانوا سيفكّرون بنفس الطريقة، ان كانوا من سَكنَة مناطق مدينة الصدر، حي طارق، حي التنك (حي في بغداد، لا يرى شكل الماء الاّ في السواقي والجداول فقط)، سبع البور، الحميدية، الملحانية، وغيرها الكثير من مدن قرية بغداد!! .. بالتأكيد سيكون الوضع مختلفاً في تلك المناطق عن شواطئ الادرياتيك ومدن اوروبا الجميلة، فهل سيختلف شعورهم وفكرهم تبعاً لذلك، ام سيستمرّون في ذات المنهج الذي تربّوا عليه ازماناً؟

يتناول هؤلاء الكتّاب المودرن، اقلامهم بكل برودة اعصاب ويعطون عصارة ترفهم، موجّهين المالكي وحكومته، ومَن يقودون دفة القيادة اليوم في العراق، الى ما تمليه عليهم نرجسيتهم المُتعالية، والتي لم تجد لها سوى الورق مكاناً، دون ان تنزل للأرض فتصطدم بصخور الواقع، فهذا يقول كذا، والآخر ينتقد الامر الفلاني، والثالث لا يعجبه العجب، ليتفنّن في وصف ما يراه شتى الاوصاف، لمجرّد مخالفتها ميولاته التقدّمية النقية الطاهرة الصافية المثقفة، التي لو حَكمَت العراق لجعلته قطعة من الفردوس (دون ادنى شك طبعاً).

سأستعرض نموذجاً آخراً وشاهداً اضافياً على انحطاط الفكر وضحالة ما وصلت اليه شهادة الدكتوراه في عصر الانترينت .. نعم، لقد حاورت في احدى الجلسات السريعة زميلاً كان يحمل شهادة الدكتوراه في احدى الاختصاصات العلمية المرموقة، وبصراحة اقولها، لم يُرهقني النقاش الاّ مع ذوي الاختصاصات العلمية العالية بسبب جمودهم غير الطبيعي، وارجو ان اكون مخطئاً في انطباعي هذا، مع اعتذاري لكل صاحب اختصاص علمي .. عموماً لقد جاء صديقي هذا بنظرية علمية فريدة من نوعها، ولا ابالغ ان قلت بانها توازي ما اكتشفه نيوتن او ما وصل اليه اينشتاين بعد الآلاف من البحوث العلمية القيّمة، حيث رفض نابغتنا رفضاً قاطعاً اي مشروع للاعمار، او دخول اي شركة اجنبية تعمل في حقول المشاريع بالعراق، مبرّراً بان التطوّر العمراني والتنمية الاقتصادية عوامل تضاف الى منجزات الاحتلال وستساعد على تحسين الوجه الاحتلالي القبيح (على حد قوله)، لانها واقعة في مرحلة وجود المُحتل في البلد، وسيكون حينها من الصعب اقناع الناس بأن الاحتلال سيئ ومُضر بالبلدان.

تصوّروا علينا ان نقضي الباقي من عمرنا في مياه المجاري الطافحة من كل منهولات العراق، الى جانب ان نبقى تحت رحمة (الفانوس) وشفقة (الحُفر) المتوزّعة على طول شوارعنا، من اجل ان نقنع الآخرين بأن الاحتلال سيئ وقبيح! وكأن الناس بنفس سطحية دكتورنا الفذ، لا يعرفون مساوئ الاحتلال الاّ عن طريق (المنهول).
لا حول ولا قوة الاّ بالله العلي العظيم.

اعود الى زميلنا الوزير السامرائي حيث يمثل مع اصحاب نظرية (المنهول)، آخر صيحة من صيحات الفكر في مواجهة الاحتلال ومقاومته، فالاول تعمل يمينه لتأسيس دولة من خلال انخراطه في العمل السياسي السلمي، بينما تقوم يساره بعد ذلك بتهديم هذه الدولة بالمقاومة المسلّحة (الشريفة) .. اما الثاني صاحب الفكر (المنهولي) فهو احد خرافات العصر التي اعجز عن نقاشها، واترك لكم انتم حرية التعليق على رأيه.

ايوجد اعظم من هذا البلاء الذي نحن فيه؟