الرئيسية » مقالات » المحاصصـة الطائفيـة والصعـود بنيــة الانتحـار

المحاصصـة الطائفيـة والصعـود بنيــة الانتحـار

مقدمة:الطائفية ليست من شيمنا
الإسلام دين التسامح والرحمة حقاً ، شع بنوره على جل الأمم ، فعاشت الشعوب والقبائل والطوائف في ظله بأمن وسلام دون تعصب ، ومارس اهل الذمة ( اليهود والنصارى والصابئة وغيرهم ) حياتهم الطبيعية بعد ان حَرمت الشريعة الإسلامية المساس بأموالهم ودمائهم دون وجه حق ، واحترمت شرائعهم وتقاليدهم فيما بينهم طوال التاريخ الإسلامي ، وأُنزل القصاص بمن اعتدى عليهم ولو كان المعتدي من المسلمين.
وفي هذا المقام يقول الرسول عليه أفضل الصلاة السلام : (من آذى ذميا فقد آذاني) ومن ثم يقول: (من آذى ظلماً يهودياً أو نصرانياً كنت خصمه يوم القيامة).
وعند ما جاء رسل نجران المسيحيون إلى المدينة ليفاوضوا الرسول عليه الصلاة والسلام، ، اقتسم الرسول عليه الصلاة والسلام معهم نصف مسجده ليؤدوا فيه صلواتهم الخاصة بهم. ومرت ذات يوم جنازة ليهودي أمام الرسول عليه افضل الصلاة والسلام، فقام احتراماً لها، فقيل له: إنها جنازة يهودي،فرد قائلاً: (ولم لا، أليس إنساناً).
وأوجب الإسلام على بيت المال الإنفاق على العاجز عن الكسب وعلى الشيخ الفاني ولا يفرق الإسلام في ذلك المقام بين المسلم وغير المسلم.
كل هذا رغم موقف القرآن ممن دخلوا في حمايته وامانه : (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم)(1). وهذه كلمة حق من وجهة الاسلام ولكن لا يترتب عليها اثار عدائية ، فيبقى الانسان معزز مكرم في ظل الاسلام ولو كان كافراً ، كما هو واضح من الاية الكريمة.
ومن اروع الامثلة على هذا التسامح الفكري الفذ ما جاء في فتوى علماء الشريعة ، فيما اذا تنازع الاب المسلم والام غير المسلمة على حضانة الطفل ، فلمن تكون الحضانة ؟ اتكون للاب الذي يعيش هو وطفله بين المسلمين ام للأم التي ستقود طفلها للعيش بين ظهراني غير المسلمين ، فأفتى جل علمائنا بان الحضانة تكون للام ولو كانت نصرانية او صابئية او يهودية ، واسسوا حكمهم على اساس ان سبب اقرار الحضانة للام المسلمة هو حنان الام وليس دينها.وحنان الأم موجود لدى كل أم سواء كانت ذات دين او لم تكن ، فتكون الحضانة لها.
ولم يردنا عبر التاريخ اية رواية سواء عن طريق المسلمين او غيرهم عن ان المسلمين فرضوا الاسلام بحد السيف او عن طريق الارغام او القهر مطلقاً، وفي هذا يقول الله تعالى مخاطباً الرسول الكريم: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)(2).
في الوقت الذي كانت تغرق فيه اوربا ومجاهل اسيا في سبات عميق وجهل مطبق ، ولم كن للغريب فيما بينهم أية مكانة اجتماعية ،او اية حقوق ، فكان الغريب يقتل او يأسر او يباع ويشترى…
وكان ولاة امر المسلمين في العصور الاولى يحرصون على اختيار الفقهاء وذوي العلم والمعرفة بامور الدين والدنيا لتولى المناصب العامة ، وهكذا امتدت الامة الاسلامية لتغطي مساحات شاسعة من المعمورة ، المعروفة في ذلك الوقت ، بعد ان تمكن اولئك الرجال العظام من اقناع شعوب بأكملها على اعتناق الاسلام.
ولم تعرف الأمة الإسلامية التعصب والطائفية الا في عهودها المتأخرة ، فدب الخلاف والنزاع بين أبناء الدين الواحد واقتتلوا واحل بعضهم دم البعض الاخر ، وان بقى اهل الذمة في مأمن من هذا الصراع الشاذ ،وأصبحت المناصب لأصحاب الولاء والأقارب والأولاد او تباع وتشترى ،وهكذا انتقلت حضارة التسامح والسلام الاجتماعي تدريجياً الى الغرب ،حتى بتنا ننظر اليها اليوم بعين الاعجاب والحسد .
وتؤكد الروايات التاريخية المتواترة على ان الغرب قد استفاد في نهضته الكبرى المعاصرة من علوم وأفكار المسلمين ايما فائدة وفي كافة المجالات العلمية والقانونية والفلسفية ، وكانت مؤلفاتهم تدرس كعلوم معترف بها في الجامعات الأوربية الى عهد قريب ، وهي تدرس ليومنا هذا كجزء من تاريخ العلم والمعرفة ،وكان يقرن اسم العربي أو المسلم بالحكمة وحسن التدبير ، فكانوا من أفضل المستشارين.
ان النهضة الاوربية ابتدأت عندما تركت الخلافات المذهبية والطائفية وتم تحكيم صندوق الانتخابات ، ولو كانت المحاصصة اوما يسمى حكومة الوحدة الوطنية هي الافضل لما ترددوا في الاخذ بها ، ومع تنوع الطرق الانتخابية ،ولكنهم وعلى سبيل المثال شكلوا حكومات من حزب بمفرده فاز في الانتخابات وحصل على اعلى نسبة من الاصوات ولم تتجاوز نسبة فوزه اكثر من 30 %. بينما جلس الاخرون على مقعد المعارضة الايجابية ، أي المعارضة التي لا تحركها الا المصلحة العليا للوطن.
وما عدا كل ما تقدم فان للعراق وضعه الخاص فقد عاش اتباع جميع الديانات تقريباً على ارضه الاف السنين كمواطنين وجيران بكل حرية دون ان يمسهم احد وكان لبعضهم احيائهم ومعابدهم وقضائهم ويشاركون العراقيين في جميع اتراحهم وافراحهم من دون أي تمييز.
ومع هذا نرى اليوم (المسلم) يذبح المسلم بدم بارد، فلأي دين ينتمي هؤلاء؟؟؟؟؟
واذا كنا هكذا فهل تصلح الطائفية بين المسلمين أسلوبا جديداً لحياتنا.
وهكذا تركنا لغيرنا افضل ما عندنا واخذنا من غيرنا اسوء ما عنده.
مضمـون المحاصصـة: للمحاصصة عدة مظاهـر
المحاصصة نظام سياسي يقوم مضمونه في الظاهر على اساس توزيع المناصب الوظيفية بين مكونات المجتمع القومية اوالدينية اوالطائفية اوالسياسية على اساس نسبة المكون الاجتماعي العددية الى المكون الاجتماعي العام
اما المحاصصة الطائفية فتقوم على اساس، توزيع المناصب الوظيفية وفقاً لمعيار الانتماء لطائفة معينة على اساس نسبة الطائفة العددية الى المكون الطائفي العام.
ونظام المحاصصة وفقاً للمعنى الاخير نظام شاذ بين الانظمة السياسية المقارنة ، حيث يندر اللجوء اليه في المجتمعات الصحية ، لما يترتب عليه من اثار سلبية مدمرة على الدولة والمجتمع ، ذلك ان المحاصصة وليدة النظرة الطائفية الضيقة والتعصب الاعمى وعنوانهما المنمق، وبينهما تنمو وتطفو على السطح مسببة تدميراً شاملاً للبنية الاجتماعية بكل عناصرها ومكونتها وتخلف ورائها مجتمعاً بائساً لا ينفك غارقاً في محاورات وجدل عقيم لا ينتهي ، مسببة في المزيد من الضحايا ، ويغدو القتل احد اهم الوسائل لنيل المنصب وازاحة الخصوم في كل مرافق الدولة.
ولاشك ان الامور ستتعقد اكثر اذا كان المطلوب من نظام المحاصصة ان يجمع بين عدة انواع للمحاصصة ، كالمحاصصة السياسية والمحاصصة القومية فضلاً عن المحاصصة الطائفية.
وهكذا فان المواطن الموهوب او ذو الكفاءة ومن سهر الليالي ليحصل على اعلى الدرجات العلمية لن يجد له مكاناً حتماً في وسط هذا الصراع الدموي الذي ولا شك، سينأى بنفسه عنه وعن رموزه. وهكذا تتوقف عجلة التطور ويسير المجتمع نحو التخلف والحرمان ونقص الخدمات.
اثـار المحاصصـة
تولد المحاصصة السياسية القائمة على اساس العنصر او الطائفة او اية معايير اخرى مشابهة اثار سلبية متعددة،ويمكن تلخيص اثار المحاصصة على النحو الاتي:
1 ـ تأكيد المحسوبية والمنسوبية والولاء الحزبي الضيق:
نظام المحاصصة الطائفية افضل وسيلة وبأمتياز لنمو وترعرع المحسوبية والمنسوبية والولاء الحزبي الضيق ، فهو وان كان في ظاهره يبدو وكأنه يدعم افراد طائفة معينة ، الا انه دعماً مزيفاً ليس الا ، فما هو في حقيقته الا توزيع للمغانم بين كبار افراد الطائفة او الحزب بينما يبقى الحرمان هو الحقيقة المرة التي تنال من باقي افراد الطائفة او الحزب ، ولو كانوا على قدر كبير من الكفاءة والموهبة.
وهكذا توزع المناصب بين الأقارب والمحسوبين والمنسوبين وابناء كبار رجالات الطائفة او الحزب واصهارهم وكل من تربطهم به علاقة قرابة او رابطة حزبية…. واجراء احصائية بهذا الصدد في الدول التي تتبنى هكذا انظمة ستكشف حتماً كيف تغلغلت شبكات العوائل في دوائر الدولة.
2 ـ المحاصصة عائق امام التقدم والتطور الاجتماعي التلقائي والمدبر:
يعمل النظام الاجتماعي السليم على ابراز عوامل التقدم والتطور اما بطريقة تلقائية او بطريقة مدبرة.
ونظام التطور التلقائي الحر تحتضنه وترفعه عوامل التحضر ومشاعر الاعتزاز الوطني الكامنة في النفوس ، فان برز في بيئة محلية معينة عالم موهوب او كاتب في مجال معين او شاعر او اديب ، تراه يصبح محل اعتزاز وتقدير من ابناء مجتمعه ، ومن ثم يعملون على تداول ونشر افكاره وابداعاته بين المجتمع الوطني الاكبر ليصل في النهاية الى المكانة الاجتماعية والرسمية المرموقة التي يستحقها .
الا ان وجود نظام المحاصصة سيكون بمثابة العصا التي توضع في دولاب التطور التلقائي الحر، فالفئات الاخرى من الطوائف والمجموعات الاخرى لن تقبل فرداً من خارج نطاق فئتها ولو كان موهوباً، ولن تدعمه وربما تحاول الانتقاص او النيل منه ، وقد يكون عرضة للتصفية الجسدية من منافسين اقل منه درجة ومستوى.
بينما يعمل نظام التطور او التطوير المدبر على اساس خلق مؤسسات تعمل على رعاية وابراز عوامل التطور في المجتمع واحتضان الموهوبين ، مثل مؤسسات الرعاية العلمية ودوائر البعثات العلمية الخارجية ومؤسسات دعم الابتكار والجمعيات والمؤسسات الادبية والفنية.
بينما يعمل نظام المحاصصة الطائفية على تفتيت هذه المؤسسات الى مؤسسات فئوية ترعى فئة معينة من المجتمع ، فتكون سلماً يصعد عليه ذوي المكانة الطائفية الاعلى في المجموعة او ابنائهم او حاشيتهم بينما يبقى الموهوب الحقيقي في اخر السلم، حيث ان للمحسوبية والمنسوبية اليد الطولى في مثل هذه الانظمة كما سبق البيان.
3 ـ استبعاد خطاب الكفاءات العلمية الوطنية:
يندر ان ينضم اغلب اصحاب الكفاءات وحملة الشهادات العليا الى حزب سياسي او تجمع طائفي ، لتعارض ذلك في اغلب الاحيان مع الروح العلمية المحايدة المستقلة.
ومن ثم لن تكون امامهم الفرص واسعة للمساهمة في تطوير المجتمع وتنويره ، بالنظر لاستحواذ التجمعات السياسية والطائفية على منبر الخطاب السياسي والاجتماعي بما يمتلكونه من امكانيات مادية ودعم اعلامي واسع في وسائل الاعلام والقنوات التلفازية والإذاعية الخاصة بكل حزب او طائفة ومن الطبيعي ان لايكون المنبر الخطابي متاح لغيرهم من الأكاديميين المستقلين، فيخسر المجتمع خطاباً تنويرياً مهماً ، ويحصل على خطاب حزبي او طائفي ضيق كل همه دعم الوصول الى السلطة لاغير.
فالتعصب هو استبعاد الاخر اصلاً.
4ـ المحاصصة تعطل العملية السياسية وتعيق جهود التنمية والاعمار:
لن تكون المحاصصة السياسية وسيلة للتنافس بين الطوائف المختلفة على تقديم افضل الخدمات للمواطنين ابداً ، ولو كانت كذلك لكانت في اروع حالاتها .
ذلك ان وسيلة المحاصصة للضغط وكسب المزيد من المزايا ، هو تعطيل العملية السياسية ، ومحاولة اثبات ان من يقود العملية السياسة ،وهو من فئة أخرى، هو فاشل ،بل السعي الحثيث لافشاله ، مقتنعين ان أي انجاز لصالح العملية السياسية سيحسب لصالح تلك الفئة التي تقود العملية السياسية ، وهكذا يسود التباطؤ والركود عملهم متذرعين بمزاعم وحجج شتى لا تنتهي ابداً.
ذلك ان التعصب في حقيقته ومعناه ما هو الا الايمان الجازم بالاعتقاد الشخصي الذي لا يقبل مجادلة وبأن اعتقادات الاخرين باطلة.
5 ـ المحاصصة تخل بمبدأ مساواة المواطنين امام الوظيفة العامة:
الوظيفة العامة امانة ثقيلة ومسؤولية كبرى ، الهدف منها خدمة ابناء المجتمع وحمايتهم من المخاطر الداخلية والخارجية ومساعدتهم على تحقيق امانيهم وتطلعاتهم المشروعة .ووسيلة تحقيق كل ذلك هو الموظف العام.
وعلى النحو تلجأ الدول بصورة عامة الى تهيأت الوسائل الكفيلة بحسن اختيار الموظف وتطويره على مر الزمن ، وافضل وسيلة هي اعتماد الدرجة العلمية التي حصل عليها المتقدم للوظيفة واجراء امتحان الكفاءة للمتقدمين الجدد للوظيفة العامة، وهذه ولاشك معايير ناجعة تقوم على اعتبارات موضوعية . وتتيح لاصحاب المراكز القانونية المتشابهة فرصة المنافسة الشريفة للحصول على الوظيفة او المنصب. بينما يعمل نظام المحاصصة على اساس المحسوبية والمنسوبية والولاء الحزبي. فيتم اختيار الموظف العام على اساس درجة القرابة اولاً والانتماء الحزبي ثانياً .بل قد تتجه السياسة التوظيفية الى ازاحة القائمين على الوظيفة العامة واحلال المحسوبين والمنسوبين محلهم.
وعلى هذا النحو يهدر مبدأ ( الرجل المناسب في المكان المناسب ) حتماً.
6 ـ المحاصصة وليدة الطائفية والتعصب الاعمى وعنوانهما المنمق:
والتعصب تعبير عن امراض نفسية كامنة في دواخل النفس البشرية.
وعلى هذا النحو فان المحاصصة قد تتيح لبعض المرضى تسلق السلطة وتنفيس العقد تجاه المواطنين.
وعلى هذا النحو يذهب الدكتور سعد البصري الى القول في بحثه ( التداعيات النفسية والاجتماعية لظاهرة التطرف التعصب ( التطرف )الى القول :
(… مشكلة التعصب لدى الإنسان، هي مشكلة جوهر وجود الكيان الإنساني السوي، فإذا ما آمن الفرد بهذا النمط من السلوك في التعامل مع فرد ما بعينه أو مجموعة ما بعينها، فهو يعد اضطراباً في معيار الصحة النفسية أو العقلية.. وهو صراع داخلي يحدث للفرد وينم عن اختلال التوازن.. وبذلك فإننا نسلّم جدلاً بأن الفرد المتعصب هو بحكم المريض عقلياً ونفسياً، لما يتميز به من جمود وتصلب في الرأي.)
ويضيف الدكتور سعد البصري قائلاً (…ويرى مصطفى زيور عالم النفس المصري أن التعصب ظاهرة اجتماعية لها بواعثها النفسية، وهي تنشأ أولاً وقبل كل شيء من بواعث نفسية لا علاقة لها في الأصل بالعقيدة الدينية، وإن اتجاهات التعصب تفسر على النحو التالي: إن العدوان طاقة انفعالية لابد لها من منفس، ويتخذ لذلك موضوعاً معيناً تفرغ فيه الشحنة الزائدة، وإذا لم يتمكن العدوان من أن يصل إلى مصدر، فإنه يلتمس مصدراً آخر يصبح كبش الفداء، ومثال على ذلك الموظف الذي يوجه له رئيسه التوبيخ والإهانة، ثم لا يستطيع أن يرد على رئيسه، فإنه عندما يعود لمنزله يصب غضبه على زوجته وأبنائه، ويحتمل أن يتحول العدوان لدى الإنسان من موضوع إلى موضوع آخر، أو يستبدل هدفاً بهدف لغرض التفريغ والتخلص من الشحنات المكبوتة، وإذا ما منع هذا التحول أو الاستبدال، ارتدّ نحو الذات، وبذلك تفتك النفس بنفسها.
إذن تتركز مشكلة التعصب ومظاهرها في العدوان، وكيفية تصريفه، وتحويل هذا العنف المدفون داخل النفس الإنسانية إلى موضوعات أخرى في المجتمع.
وخلاصة القول أن التعصب يؤدي وظيفة نفسية خاصة تتلخص في التنفيس عما يعتلج في النفس من كراهية وعدوان مكبوت، وذلك عن طريق عملية نقل ذلك العدوان واستبداله بموضوع آخر دفاعاً عن الذات. فالمتعصب إذن يجني من موقفه كسباً، غير أن هذا الكسب لا يختلف عما يجنيه المريض نفسياً من سلوكه الشاذ، أي أنه كسب وهمي ناقص.)(3)
7 ـ المحاصصة تخل بالسلم الاجتماعي:
يقوم السلم الاجتماعي على اساس الشعور بالوحدة الوطنية والتضامن بين ابناء الوطن الواحد بينما يعمل نظام المحاصصة العنصرية او الطائفية على التفرقة وخلق تكتلات اجتماعية غير سلمية، لا تنظر لكل مواطن على اساس انتمائه الوطني بل الى انتمائه القومي او الطائفي ، فيتحول الصراع السياسي على المناصب والجدل حوله الى صراع طائفي وعنصري بمرور الوقت.
ومهما حاول النظام السياسي الجمع بين العدالة وفرص التقدم الاجتماعي عن طريق نظام المحاصصة، فانه لن يفلح ، ذلك ان ازاحة موظف من طائفة معينة واحلال موظف اخر محله من طائفة اخرى ، هو اخلال بمعايير العدالة بحد ذاته وتعميق للصراعات الطائفية، لان ازاحة موظف من منصبه رغم كفائته وخدماته الجليلة المفترضة لمجتمعه يولد شعوراً بالغبن وبالكره تجاه الطائفة الاخرى مما يغذي الصراعات الاجتماعية التي تخل بالسلم الاجتماعي.
والصراعات الطائفية المسلحة التي تنهض في لبنان بين فترة واخرى وخاصة في اوقات الانتخابات والترشيحات للمناصب العليا خير مثال على ذلك.ولن تكون الحلول السلمية الا حلولاً مؤقتة حتماً.
8 ـ المحاصصة تخل بالثقة العامة تجاه مؤسسات الدولة:
اذا تولى فرد منصباً معيناً على اساس طائفته فانه لن يحصل على ثقة ابناء الطوائف الاخرى ، فيسود التشكيك في الاحكام القضائية والاجراءات التي تسبقها ، وكذلك تنعدم الثقة بالقرارات الادارية .ويتعزز الشعور بالانحياز الطائفي والعنصري لدى المواطنين فتنعدم الثقة العامة بمؤسسات الدولة.وانعدام الثقة العامة احد اهم عوامل انهيار النظام السياسي برمته.
9 ـ المحاصصة تخل بمبدأ سيادة الدولة على الصعيد الخارجي:
المحاصصة سبب وذريعة لتدخل الدول الاجنبية في الشؤون الداخلية، وهذا ما حذرت منه المواثيق الدولية ، جاء في (إعلان بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد ) الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة (4) ، ما نصه: إن الجمعية العامة، إذ تضع في اعتبارها أن أحد المبادئ الأساسية في ميثاق الأمم المتحدة هو مبدأ الكرامة والمساواة الأصيلتين في جميع البشر، وأن جميع الدول الأعضاء قد تعهدت باتخاذ تدابير مشتركة ومستقلة، بالتعاون مع المنظمة، لتعزيز وتشجيع الاحترام العالمي والفعال لحقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع، دون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين،
… وإذ تضع في اعتبارها أن إهمال وانتهاك حقوق الإنسان والحريات الأساسية، ولا سيما الحق في حرية التفكير أو الوجدان أو الدين أو المعتقد أيا كان، قد جلبا على البشرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حروبا، وآلاما بالغة، خصوصا حيث يتخذان وسيلة للتدخل الأجنبي في الشئون الداخلية للدول الأخرى، وحيث يؤديان إلى إثارة الكراهية بين الشعوب والأمم،…..)
وهكذا اقرت هذه الوثيقة الدولية ان التعصب والتمييز يفتح المجال امام تدخل الدول الاجنبية في الشأن الداخلي.
9 ـ المحاصصة والتعصب يدمران العمل السياسي بحد ذاته:
يذهب الباحث السيد مصطفى السادة في بحثه الموسوم ( نحن والآخر .. الانفتاح او التعصب ) الى القول (…وكنتيجة طبيعية وحتمية للتعصب ـ بعد الجمود والصنمية ـ يأتي نشوء الفكر المترهل البسيط غير القادر على الابداع. لأن الجمود ينعكس على تراجع دور الفكر والتثقيف داخل الحركات السياسية بما فيها العقائدية، فإذا كان الكسل الفكري هو الوجه الأول لضحالة بعض هذه الحركات والأحزاب فإن انعدام التثقيف الداخلي هو الوجه الآخر لهذه الضحالة التي كثيراً ما تجعل هذه الحركات تفقد بريقها ووهجها وقدرتها على الاستقطاب ناهيك عن قدرتها على التجديد والابتكار والابداع الذي هو في النهاية ثمرة تراكم جهد فكري وثقافي ونضالي..) (5)
10 ـ المحاصصة تتعارض مع حقون الانسان الاساسية:
مبدأ تكافؤ الفرص : تكافؤ الفرص مبدأ دستوري جوهري، وأحد اهم الاعمدة التي تقوم عليها العدالة الاجتماعية ، ونصت على هذا المبدأ معظم الدساتير المعاصرة ، ومضمون المبدأ ان تعمل التشريعات على محو الامتيازات الخاصة والفوارق المصطنعة بين افراد المجتمع ، بعد ان كانت المجتمعات الانسانية بصفة عامة تقسم ابناء الشعب الى طبقات متدرجة في القيمة ومقدار الحقوق التي تنالها كطبقة الاشراف وطبقة المحاربين وطبقة العامة وطبقة العبيد، وكانت اغلب هذه الامتيازات تنتقل بالوراثة ، الا ان فكرة التمييز الطبقي بين ابناء المجتمع الواحد لم تلق قبولا في الفكـر الحر المعاصر فتم التخلي عنها تدريجيأً .
ويتيح هذا المبدأ لكل فرد من افراد المجتمع التمتع بخيرات المجتمع بالقدر الذي تؤهله له كفائته وقدراته الذاتية .
وفي ظل هذا المبدأ اصبح للنخبة او الصفوة الاجتماعية معنى ومضمون اخر .
فالنخبة الاجتماعية في عالم اليوم هم من يتمتعون بالكفاءات المعرفية ، سواء كانت علمية او ادبية او فنية او مهنية او غيرها ، التي اكتسبها افراد المجتمع من خلال الجد والمثابرة ومن ثم سخروا معارفهم لخدمة مجتمعهم وعموم المجتمعات الانسانية.
والنظام الاجتماعي العادل هو الذي يتيح للنخبة الاجتماعية من ابنائه، بالمعنى الذي اشرنا اليه ، بان تتولى مناصب الصدارة في قيادة المجتمع . وكل نظام اجتماعي لا يضع النخبة في مكانها الذي تستحقه وكان معياره الولاء العشائري او الحزبي لا الكفاءة ، ولا يكون للافراد فيه مجال للخلق والابداع ، لابد ان ينحدر نحو هاوية التخلف والصراع ،ذلك ان تمكين الجهلة والمتملقين والانتهازيين من الوصول الى المناصب القيادية في الدولة يقود حتماً الى الاستبداد والطغيان والفوضى والفساد وعدم الشعور بالمسؤولية فى المجتمع ، والشعور بالغبن والاجحاف ، وتردي الاخلاق العامة وأزدواجيتها ومَدعاةً لنمو ثقافة القسوة والنفاق والدكتاتورية ، وتأليه الذات البشرية التي تفضلت على اولئك الجهلة وسلمتهم مقاليد الامور في البلاد، ومن ثم تكرس كل مصالح الدولة وقوانينها لخدمة اغراضهم غير المشروعة .
ويعبر احد اساتذة القانون عن ذلك تعبيراً دقيقاً بقوله ( … وكل تشريع يرفع غير الصفوة القادرة ويقيس بغير مقياس الكفاءة ويصد العبقريات عن مصاعدها ويعيق النخبة عن القيام برسالتها ويلهب بالحرمان والخيبة نفوسها ، لا يمكن اعتباره تشريعاً ظالماً فحسب وانما هو تشريع ينسف قواعد سـلامة المجتمع من اساسها وتغدو اجهزة الحكم في ظلـه فمـاً يلتقـم ويـداً تنتـقـم)
جاء في (إعلان بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد ) الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة المشار اليه ، ما نصه:
إن الجمعية العامة، ….وإذ تقلقها مظاهر التعصب ووجود تمييز في أمور الدين أو المعتقد، وهى أمور لا تزال ظاهرة للعيان في بعض مناطق العالم، …..ولما كانت مصممة على اتخاذ جميع التدابير الضرورية للقضاء سريعا على مثل هذا التعصب بكل أشكاله ومظاهره، ولمنع ومكافحة التمييز على أساس الدين أو المعتقد،
تصدر هذا الإعلان بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد:
المادة 2. 1ـ لا يجوز تعريض أحد للتمييز من قبل أية دولة أو مؤسسة أو مجموعة أشخاص أو شخص على أساس الدين أو غيره من المعتقدات.
2. في مصطلح هذا الإعلان، تعنى عبارة “التعصب والتمييز القائمان على أساس الدين أو المعتقد” أي ميز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس الدين أو المعتقد ويكون غرضه أو أثره تعطيل أو انتقاص الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها على أساس من المساواة.
ونصت المادة 3 منه : يشكل التمييز بين البشر على أساس الدين أو المعتقد إهانة للكرامة الإنسانية وإنكارا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ويجب أن يشجب بوصفه انتهاكا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي نادى بها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والواردة بالتفصيل في العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان، وبوصفه عقبة في وجه قيام علاقات ودية وسلمية بين الأمم.
وجاء في المادة 4: 1. تتخذ جميع الدول تدابير فعالة لمنع واستئصال أي تمييز، على أساس الدين أو المعتقد، في الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في جميع مجالات الحياة المدنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وفى التمتع بهذه الحقوق والحريات.
2. تبذل جميع الدول كل ما في وسعها لسن التشريعات أو إلغائها حين يكون ذلك ضروريا للحؤول دون أي تمييز من هذا النوع، ولاتخاذ جميع التدابير الملائمة لمكافحة التعصب القائم على أساس الدين أو المعتقدات الأخرى في هذا الشأن.
واكدت المادة 7 منه على انه: تكفل الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان، في تشريع كل بلد، على نحو يجعل في مقدور كل فرد أن يتمتع بهذه الحقوق والحريات بصورة عملية.)
خاتمة:
لاشك في ان الانتماء الى قومية او طائفة او حزب حق مشروع لكل انسان ، وهو حق كفلته الشريعة الاسلامية الغراء ، قال تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ( .
كما وكفلته المواثيق الدولية والدساتير الحديثة كافة ، فالانتماء الاجتماعي والسياسي هو حق مشروع .
ولكن المآساة تحدث حينما يتحول الانتماء الى تعصب اعمى لفئة معينة والغاء لدور الآخر. بل الغاء دور العقل والمنطق والتفكير السليم . وحينما يتحول الى نظام سياسي فاشل هو نظام المحاصصة.
فتعجز الدولة بالنتيجة عن تقديم انجازات حقيقية لمواطنيها .
ان الحل ولاشك واضح وهو تفعيل النصوص الدستورية الخاصة بانشاء مجلس الخدمة العامة ليتم التعيين في الوظيفة العامة على اساس معايير موضوعية يتصدرها التحصيل العلمي والكفاءة. حيث تعلن بموجبه عن الشواغر من الوظائف العامة ليتقدم جميع المعنيين من المواطنين للدخول في منافسة الحصول على الوظيفة العامة والمناصب غير السيادية ، وتقرير ان منصباً ما هو سيادي يستثنى من المنافسة ويدخل ضمن ما يعرف بنظام الاختيار المطلق للادارة المقرر في فقه القانون الاداري، انما يعود للقضاء عند الاعتراض من ذوي المصلحة ، وللقضاء الفرنسي والمصري احكام واجتهادات كثيرة في هذا المقام.(6)
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
1 ـ سورة المائدة، الآيتين 17، 72 .
وانظر بنفس المعنى : الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي، سماحة الإسلام مع الأديان للأخرى واهلها منشور على الرابط: http://www.taghrib.org/arabic/nashat/esdarat/kotob/arabic/books/
resalatalislam/15/60/05.htm
2 ـ سورة النحل الآية 25 .
3 ـ منشور في مجلة النبأ ـ العدد 56 ـ محرم 1422 هـ ، نيسان 2001 م . وعلى الرابط : http://www.annabaa.org/nba56/tdaiaat.htm
4ـ اعتمد ونشر علي الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 36/55 المؤرخ في 25 تشرين الثاني/نوفمبر 1981.
5ـ منشور في مجلة النبأ ـ العدد 48 ـ جمادي الاولى 1421 هـ ، اب 2000 م. وعلى الرابط : http://www.annabaa.org/nba48/enfetah.htm
6 ـ انظر بحثنا : اسباب الطعن بالقرارالاداري :
http://farisalajrish.maktoobblog.com/
………………………………………………………………….
فارس حامد عبد الكريم العجرش Faris Hamid Abdul Kareem AL Ajrish
ماجستير في القانون Master In Law
باحث في فلسفة القانون
والثقافة القانونية العامة
بغداد ـ العراق

بغـداد في 9/6/2008