الرئيسية » مقالات » عن الاتفاقية أيضا..

عن الاتفاقية أيضا..

نشر الدكتور عبد الخالق حسين مؤخرا مقالين تحليلين عن الاتفاقية العراقية – الأمريكية المفترض عقدها مع نهاية شهر تموز/يوليو من هذا العام، ونشر بعده أمير طاهري مقالا مدعما بالحقائق والأرقام عن علاقات عسكرية أمريكية متعددة الأشكال مع عشرات من دول العالم، وإذ يبين أن الخطط الدفاعية الأمريكية منذ سنوات قد تخلت عن بناء قواعد عسكرية ثابتة في الدول. في الوقت نفسه تنهمر التعليقات والمقالات والحملات ضد اتفاقية لم تعقد بعد وحتى لم تنشر تفاصيلها. وتقود إيران هذه الحملة المفتعلة مع عملائها داخل العراق، كمقتدى الصدر، وحزب الله العراقي – الإيراني!

لابد من عودة خاطفة لمشروعية أو عدم مشروعية حرب إسقاط صدام، وهل جاء الوجود الأمريكي كغزو احتلال، أم لإسقاط نظام كان يهدد مصالح الأمن القومي الأمريكي، مثلما كان يبيد مئات الآلاف من العراقيين، وحيث التقت المصلحتان، الأمريكية والعراقية، أي إذا كانت واشنطن لم تخض الحرب حبا بسواد عيون العراقيين، بل دفاعا عن أمنها القومي، فإن الحرب كانت حرب تحرير للعراقيين.

لقد كانت الحرب شرعية من الناحيتين، القانونية والإنسانية معا؛ قانونياً لوجود أكثر من عشرة قرارات عن برامج التسلح الصدامي، وهي قرارات كانت تتخذ بإجماع مجلس الأمن، وبمجرد اعتمادها كان يعني أن مجلس الأمن كان غير راض عن تعامل النظام المنهار مع القرارات الدولية وخصوصا بعد طرد المفتشين الدوليين.

إن عدم اكتشاف الأسلحة بعد الحرب لا يعني أنها كانت غير موجودة، فالسلاح الكيميائي استخدم فعلا في حلبجة، والسلاح الجرثومي تم كشف كميات منه في منتصف التسعينات على أثر هروب حسين كامل للأردن، وبخصوص النووي، فإن أحدا لم يقل إن نظام صدام كان يمتلك القنبلة بل قيل إنه كان لديه برنامج لغرض الوصول لإنتاج القنبلة، مثلما لدى إيران اليوم برنامج مماثل، يسير بسرعة كبيرة نحو إنتاج السلاح أمام المواقف المنقسمة للاتحاد الأوروبي، والمواقف المائعة والمحيرة حقا للسيد البرادعي، الذي يهدد اليوم بالاستقالة لو هوجمت إيران، ولم يهدد بالاستقالة لو أنتجت إيران القنبلة!

إن الناحية القانونية الأخرى، وهي أيضا الجانب الإنساني، تتمثل في قرار إدانة حقوق القوميات العراقية وحقوق الإنسان برغم أن ذلك القرار لم يعتمد حسب الباب السابع من الميثاق الدولي، وإن هذا لا يقلل من مغزاه، بل إن القرار ينسجم مع بنود الميثاق الدولي، والإعلان الدولي لحقوق الإنسان.

والآن: هل كانت حرب سقوط صدام لغير صالح العراق، آخذين بالحسبان ضعف وتشتت القوى السياسية الداخلية المعارضة، والمواقف المزدوجة والانتهازية لمحور دول المجلس التي عارضت الحرب، والموقف التخديري لكوفي أنان؟ إن كل تلك المواقف جعلت مبادرة الحرب في أيدي الولايات المتحدة بدلا من أن تكون الحملة دولية، وبتخطيط أفضل. على هذا النحو جاء الوجود العسكري الأمريكي، ووجود القوات الأجنبية الأخرى، الذي أضفى مجلس الأمن عليه شرعيته الدولية.

إن القوات العراقية لم تتأهل بعد لحماية أمن الوطن والعراقيين لوحدها، وقد تبين أن شرائح واسعة من الجيش والشرطة كانت مخترقة من المليشيات، وخصوصا من جيش المهدي الإيراني الولاء، وكما بين السفير العراقي في واشنطن حول قواتنا الجوية فإنها تكاد تكون لا وجود لها، ولن تكون لدينا قوة جوية حقيقية قبل 2018. هذا بينما الأخطار لا تزال محدقة بالعراق، ومن جانب إيران أولا، وهناك تدخل إقليمي متزايد ومتعدد الرؤوس في الشأن العراقي. ومن هنا تبرز الحاجة لوجود عسكري أمريكي بشكل من الأشكال، حيث إن مصلحة أمريكا أيضا هي عدم بلع إيران للعراق، وعدم تعرضه لأخطار تجعله ضعيفا أمام دول الجوار.
إن الموضوع لا يزال في سجال ونوع من الارتباك، ولاسيما بعد تصريحات السيد المالكي حال عودته من إيران، والتي تحدث فيها عن وصول المفاوضات لطريق “مسدود”، وكانت تصريحات تناقض كل تصريحاته السابقة، وتتعارض مع تصريحات قبلها لوزير الخارجية عن سير المفوضات سيرا حسنا.

إن على الحكومة أن تعلن أمام الشعب: هل إن العراق محتاج للفترة القادمة لوجود عسكري أمريكي مهما كانت صيغته؟ وعليها أن تكشف عن مسار المفاوضات، وأين الخلافات، ونقاط الاتفاق، فالوقت يمضي، ونهاية العام ليست بعيدة، حيث سينتهي تفويض الأمم المتحدة لقوات التحالف داخل العراق.

أخيرا يستحسن هنا إيراد الوقائع والأرقام الواردة في مقال السيد أمير طاهري:
1 – إن الفكر الدفاعي الأمريكي منذ سنوات ” تحرك بعيدا عن التحالفات طويلة الأمد” نحو “”تحالف الدول الراغبة”، وهو عبارة عن ترتيبات يجري اتخاذها مع الدول الأجنبية في مواقف معينة على أساس كل حالة على حدة.
حاليا ترتبط واشنطن بتحالفات رسمية مع 26 دولة، علاوة على ترتيبات خاصة مع ما يزيد على 120 دولة أخرى، ومن إجمالي دول الأمم المتحدة، البالغ عددها 193، هناك 131 دولة منها إما حليفة رسمية لواشنطن، أو مرتبطة معها باتفاق عسكري.
2 – في عام 2004 كان عدد القواعد الأمريكية من جميع الأنماط في العراق حوالي 200 قاعدة، وبعد عام نزل العدد إلى 105، ثم تم نقل 28 قاعدة أخرى للسيطرة العراقية، إضافة لتحويل 10 من قصور صدام البالغ عددها 28 للحكومة العراقية، ومرجح جدا تقليص عدد القواعد تدريجيا.

أجل: هل نحن بحاجة لوجود عسكري بصيغة ما للفترة القادمة؟ نعتقد أنه، نعم بسبب الأخطار الكبيرة من بعض دول الجوار ومن شبكات الإرهاب القاعدي، وبسبب عدم وصول القوات العراقية لمرحلة حفظ الأمن الداخلي، والدفاع عن الحدود، لوحدها.

نعلم أن القرار سيكون عراقيا، ولن يملي الأمريكان قرارا ما، ومن هنا على القيادات الحاكمة أن تدرك بدرجة أكبر مدى التحديات التي تواجهنا اليوم، ولمستقبل غير قصير، وأن تتصرف بوعي وجرأة على هذا الأساس، غير مبالية بصراخ إيران، وضغوطها، وابتزازها، ولا بالمزايدين من كل الأشكال، عربية كانت، أو عراقية!

21 حزيران 2008