الرئيسية » مقالات » الاحتكارات الدولية و بعض قضايا المعاهدات ! 2 من 2

الاحتكارات الدولية و بعض قضايا المعاهدات ! 2 من 2

ومن جانبها فإن الدول والأقتصادات الأقل تطوراً من الإحتكارات الكبرى، الواقعة تحت هيمنتها ، والتي تطورت بدورها عمّا كانت عليه قبل نصف قرن . . فانها اخذت تتبع وسائل اكثر تنوعاً في تشكيل الكتل والإتفاقات الإقليمية والإئتلافات الدولتية الثابتة والمؤقته، فيما بينها و مع الإحتكارات الأخرى المنافسة، لضمان مصالحها و للحصول على فرص افضل . . مستفيدة من دروس تراث وتجارب منظمة دول عدم الإنحياز، المؤتمر الأفريقي، منظمة البلدان المصدرة للنفط ” اوبك ” وغيرها . . معتمدة على حقها الذي لاتفرّط به، وهو حريتها في عقد الإتفاقات والمعاهدات مع كل دول العالم دون استثناء وفق حقوقها كعضوة في هيئة الأمم المتحدة، و المثبتة في عهود المنظمة و مواثيقها .
وعلى هذا الصعيد اخذت قوة المفاوض الوطني تكمن بشكل اوضح في قدرته و حريّته على التعامل و المناورة من اجل حقوق افضل بالتعامل مع عروض كل الأحتكارات وليس التقوقع على احتكار بعينه . . الأمر الذي يجري في الإمارات العربية، عُمان التي يُصرّح مسؤولون علنا فيها، بان ما يقارب الـ 60 % من صادراتها النفطية تسيل الى آسيا : الى اليابان والصين والهند، وعلى طريق مشابه من حيث التوجه اخذت المملكة العربية السعودية تنحو في العقد الأخير . . للحصول على عروض افضل .
ويشير الخبراء الى ان تزايد نفوذ الإحتكارات التي اخذت تكلكل على صناعات غاية في التنوع (1)، قد وصل حداً جعلها قادرة على فرض شروطها ورؤيتها على اداراتها الحكومية و على حكوماتها الوطنية ذاتها . . بعد ان صارت قادرة على لعب دور مقرر في تحديد ماهية و نوعية الإدارة الحاكمة في بلدها وعلى اختلاق المشاكل والقلاقل لحكومات بلدانها وللوزراء والمسؤولين ولكل من لا يرضخ لشروطها و لا يطيعها، مستندة في ذلك على جملة من المؤسسات والمنظومات القانونية والدستورية الداخلية، التي تؤهلها لذلك . . . ابتداء من آليات الأنتخابات و المبالغ الفلكية التي ترصدها لها لتحقيق فوز من يحقق مشاريعها . . مروراً بماهية مؤسسات مجتمعاتها الأجتماعية والسياسية والفكرية والعسكرية وشبه العسكرية، و وصولاً الى ماهية اعضاء و لوائح واصول اعمال : الكونغرس الأميركي، مجلس الشيوخ، الإدارة الأميركية وغيرها، على سبيل المثال . . من جانب .
ومن جانب آخر فإنها زادت من وتيرة تشددها في فرض نهجها على الدول الخاضعة لسلطانها، من خلال انواع الصلات والقنوات التي تقيمها وتديمها سواء مع وجوه ومؤسسات وهيئات سياسية ودينية وطائفية فيها، تحت انواع الواجهات . . او بحرصها على النفوذ بين رجال القوات المسلحة والأمن الداخلي لتلك الدول، اضافة الى استخدام انواع الشقاوات والقتلة المحترفين والمأجورين المستعدين لخدمة اي طرف كان او جهة، مقابل التمويل والسلطة والأرباح، مهما كانت الشعارات التي تحملها . .
واضافة الى الأدوار المعروفة للأحتكارات في اشعال الحروب بضغوطها للأتيان بوزارات حرب تعلن حالات الطوارئ و تزج شباب بلدانها في الحرب . . فإنها تحاول فرض عائدية البلدان لها وليس لدولتها، لتحقيق ارباح اعلى لها وحدها !! وبالتالي فانها تسعى بشكل محموم لفرض معاهدات واتفاقيات غير مسبوقة، مستغلة انواع الثغرات والمسوغات القانونية بضغوطها وسرية حركتها، في ظروف فوضى الأنتاج والتغيرات العاصفة الجارية بفعل عولمة رأس المال لضمان اعلى الأرباح لها وحدها وبدون حتى حلفائها (2)، و من اجل حرمان منافسيها . . في عمليات كثيرة التنوع والتداخل تتراوح بين الآليات التجارية و القانونية غير المستقرة، والعسكرية والأعلامية، وصولا الى اشعال و تسعير النزاعات والحروب الأهلية الداخلية على اساس العرق، القومية، الدين والمذهب …
وهي تسلك في ذلك سلوك رب عمل يفرض شروطه على طالب العمل، وفق تقديرها لمؤهلاته وقدراته على تنفيذ مشاريعها بداية او بعد ارهاقه ايّاه . . عاملة على احتكار مواقع الخامات لها، جاعلة ايّاها جزءاً من احتكاراتها . . وفق اتفاقات ومعاهدات تضمن ( حق رب العمل) بالتدخل بالقوة لفرض وجهته كاحتكار، الأمر الذي يساعد على توضيح سعيها المستميت لفرض نوع محدد من المعاهدات، ومحاولة تمريره بكل الطرق بعيداً عن الشفافية، في سلوك معروف للإحتكارات المتعددة الجنسيات وخاصة تلك التي تهيمن عليها احتكارات النفط والسلاح الأميركية ( الذي يشابهها وبآليات مشوهة احتكار (وقف) القدس الإيراني، الذي لايتسع له هذا المقال ) .
وهي لا تتورّع عن محاولة قلب حتى انظمة الحكم التي جاءت هي بها، ان لم ترضخ لها او عبّرت عن وجهة لا تروق لها ، معتمدة في ذلك على اي فريق، قد لايمتلك مؤهلا شعبياً، بدعمه بالمال والسلاح، وفق خططها السرية التي لاتكشف عنها لضمان قدرتها المستمرة على بسط سيطرتها . . مهما يكون البديل مادامه يحقق الأستقرار لها و لمصالحها لاطول فترة . . راصدة لذلك قدرات متنوعة و اموالا فلكية هائلة .
الأمر الذي حدث في 8 شباط 1963 في العراق بسبب قانون النفط 80 ، وفي شيلي بينوشيت عام 1973 على يد احتكارات النحاس، اضافة الى الدور الغني عن التعريف لشركات التلفون والفواكه العالمية في اميركا اللاتينية، احتكارات الذهب والماس والنفط و نظائر الكوبالت المشع مؤخراً في الكونغو وغرب افريقيا . . بعد ان صارت الإحتكارات تتعامل مباشرة مع الحكومات وتعقد هي وليس حكوماتها معاهدات معها (2)، وصارت لديها شركات امنية مسلحة تحقق اهدافها بقوة السلاح المتطور كشركات ” بلاك ووتر ” ، على سبيل المثال . الأمر الذي يطرح تساؤلات كبيرة عن ماهية دور الدولة في الواقع في عقد المعاهدات في ظروف عالم اليوم . (انتهى)

21 / 6 / 2008 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. صار احتكار هاليبرتون العملاق مثلاً، يجمع صناعات كثيرة التنوع، من النفط والسلاح الى النقل والحراسة والى المواد الغذائية وغيرها . .
2. تحفل الصحافة الأوربية بانواع التذمرات والأحتجاجات على حرمان رؤوس الأموال الأوربية ومنها حتى البريطانية من الأستثمار في العراق .
3. راجع تعليقات الصحف الأميركية والبريطانية على زيارة الرئيس الصيني هو جين تاو الأخيرة الى الولايات المتحدة في صيف 2007 ، حين زار فيها اولاً احتكار لوكهيد واحتكار مايكروسوفت خارج العاصمة وعقد معهما مباشرة كممثل لحكومة بلاده صفقات بعشرات مليارات الدولارات . . قبل زيارته المجاملة للرئيس الأميركي بوش في البيت الأبيض في واشنطن، التي تمت بعدها .