الرئيسية » مقالات » التيار الصدري .. هل يقدم الشكر لامريكا ام يحاربها ؟

التيار الصدري .. هل يقدم الشكر لامريكا ام يحاربها ؟


ليس من الإطناب والمبالغة في القول بأن التيار الصدري له قاعدة عريضة في العراق تنبسط مساحتها عبر مدن في وسط وجنوب العراق ، وما تمثيل التيار في البرلمان العراقي بـ 30 نائباً إلا ما يؤكد مدى نفوذ هذا التيار في الساحة السياسية العراقية . التيار الصدري مركز جذب لطبقات كادحة يلفها الفقر والمرض والجهل ، وفي العاصمة العراقية بغداد يكون اعلى تمركز لهذا التيار في مدينة الثورة التي شادها عبد الكريم قاسم وأطلق عليها اسم مدينة الثورة ، وحينما اطاح عبد السلام عارف بحكم عبد الكريم قاسم اطلق عليها اسم مدينة الرافدين ، ثم اطلق عليها صدام حسين مدينة صدام وأخيراً بعد الأجتياح الأمريكي اصبحت مدينة الصدر . لقد كان ابناء هذه المدينة في كل العهود التي مرت على العراق بعد عهد عبد الكريم قاسم ، اول من يضحون وآخر من يستفيدون .
في عهد صدام كان مجلس قيادة الثورة الحاكم في العراق منذ سنة 1968 جميع اعضائه من السنة دون أي تمثيل يذكر للشيعة ، وكان شيعة العراق طيلة تلك العقود في وضع لا يحسد عليه ، ولهذا نشطت احزاب شيعية سرية تعمل على إسقاط نظام صدام في العراق ويقف في مقدمة هذه الأحزاب حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الأسلامية .
لم يكن بمقدور قوى المعارضة العراقية إن كانت من القوى العلمانية او من الأحزاب الأسلامية التصدي لصدام حسين ولم يكن بمقدور ايران ، العدو اللدود لصدام ، من اسقاط النظام ، لا بل لم يكن ثمة قوة على الأرض تستطيع اسقاط نظام صدام ، لكن اميركا الدولة الوحيدة بالعالم التي كانت مؤهلة وتملك القوة والمقدرة لاطاحة نظام صدام فاستطاعت بسرعة قياسية من تقويض حكم صدام وألقاء القبض عليه وتقديمه الى المحاكمة لينفذ بحقه حكم الأعدام .
كانت الأحزاب الدينية الشيعية هي المستفيد الأول في انهيار حكم صدام حسين ، وهيمنت على مقاليد الأمور في العراق وتبوأت المراكز الرئيسية في سلم الحكم في العراق ، وفي مقدمة هذه المناصب منصب رئيس الوزراء ووزارات سيادية اخرى . كان التيار الصدري في مقدمة المستفيدين من الكعكة إن كان على مستوى المناصب السياسية او من المنافع الأقتصادية . اما على نطاق الدول المجاورة فإن أيران كانت المستفيد الأول والأوحد من المشروع الأمريكي في العراق وسارعت على ملئ الفراغ الأمني وباتت ايران تمسك بيدها خيوط كثيرة من الشأن العراقي منها تحريك المجاميع المسلحة على الساحة العراقية كما تشاء ، وإن ما اثبته السنين الماضية فإن دور ايران لم يكن بناءً ولم يكن في مصلحة الوطن العراقي ، إن الحضور الأيراني قابله غياب عربي واضح لتخلو الساحة العراقية كلياً للمشروع الأيراني .
في نهاية المطاف تكون امريكا قدمت مقاليد الحكم العراق للأحزاب الدينية الشيعية بطبق من ذهب حيث تغيرت احوال هذه الأحزاب بين ليلة وضحاها وذلك بفضل اميركا . لا ابتغي ان اكون محامياً لامريكا ، لكن بعيداً عن المصطلحات والتعريفات السياسية فإن من المبادئ الأخلاقية تقتضي ان يقول الشيعة واحزابهم الدينية شكراً لامريكا ، وبالأمس قال الشعب الكويتي شكراً لامريكا لتحرير ارضه من القوات العراقية الشقيقة المحتلة .
في اعقاب 9 نيسان 2003 تشكلت العشرات من الجماعات المسلحة السنية وتحت مسميات وولاءات مختلفة وكان هدفها الرئيسي طرد المحتل الأمريكي من البلاد واطلقت على نفسها اسم المقاومة ، وكان جلهم من السنة الغاضبين الذي يشعرون بالتهميش بعد اطاحة حكم صدام حسين وتشكيل حكومة يهيمن عليها الشيعة .
إن موقف هذه الجماعات تبدل جذرياً بعد ما لمس سكان المناطق السنية والتي كانت تحتضن مقاتلين من القاعدة حيث كان هؤلاء يفرضون تطبيق انظمة اسلامية متشددة على المجتمع بفرض النقاب على النساء وقواعد صارمة اخرى حولت حياة السكان الى ما يشبه العيش في سجن كبير ، فكان الحل الوحيد بتشكيل قوات الصحوة المعروفة والتي عكفت على التعاون مع القوات العراقية والأمريكية ضد مسلحي القاعدة ، وكان هذا عامل حاسم وخطوة مهمة في استقرار العراق .
إن الأحزاب السياسية الدينية الشيعية التي تمسك بزمام الأمور في العراق لها اسلوبها الخاص في العمل السياسي حيث ان لكل حزب من هذه الأحزاب ذراع عسكري متمثل في وجود ميليشيات مسلحة تابعة له وإن التيار الصدري لم يشذ عن هذه القاعدة فكان له جيش المهدي ، إن المراقب للمسيرة السياسية للتيار الصدري يلمس بوضوح افتقار التيار الى رؤية سياسية ناضجة بحيث تتلائم مع قاعدته الشعبية العريضة .
المراقب يلاحظ قرارات من قبيل خروج التيار من الحكومة ، مقاومة الأحتلال اعلان وقف اطلاق النار .. مقنعون يجوبون الشوارع ، عمليت اغتيال واختطاف .. كل هذا والتيار له حضوره في البرلمان العراقي ، ومؤخراً رفع التيار شعار مقاومة المحتل الأمريكي ، وذلك عن طريق قوات خاصة مختارة من جيش المهدي . في الحقيقة لا تفسير منطقي لهذا الزعم سوى ان التيار يأخذ من مقاومة المحتل قميص عثمان لتمرير اجندة تخالف القوانين وفرض اجندته عن طريق القوة .
إن كل فريق عراقي ينظر الى الأمور من زاوية معينة ويرى الحق الى جانبه وله تحالفاته وارتباطاته وإن موقفه هو الصحيح وإنه يمثل الأرادة والوطنية والمصلحة العامة ، والتيار الصدري ايضاً يريد ان يظهر انه يمثل السيادة الوطنية ، ويريد من امريكا ان ترحل ، وإنه بصدد قيام بعمليات عسكرية لمقاومة المحتل ، وكأن العراقيين الآخرين لا يريدون ان يرحل المحتل .
إن الأطراف الخارجية التي تلعب بمقدرات العراق يبدو انها لا تكترث لمعاناة الشعب العراقي ترفع شعارات المقاومة لكي تمرر اجندتها ، فإن رحلت امريكا وأبقت في العراق حكومة ضعيفة لا تستطيع الصمود امام تحديات الميليشيات التي تساندها ايران فإن الجو يخلو لايران لكي تستفرد بالساحة العراقية ، إن ايران اثبتت في السنين الخمس الماضية إنها ليست جارة تريد الخير للعراق ، إنها تحاول ان يكون العراق تابعاً لها لا حول ولا قوة له .
إن التيار الصدري الذي اعلن مؤخراً مقاومة المحتل بقوات نوعية خاصة من جيش المهدي يعني استئناف العمليات التي غالباً ما تكون على حساب دماء الأبرياء من الشعب العراقي ، وإن العمليات التي قامت بها فصائل المقاومة إن كانوا من السنة او الشيعة فإن المواطن العراقي كان الضحية والتضرر الأول من هذه العمليات التي كانت تأخذ شعاراً مقاومة المحتل في حين تفجر الأسواق والكنائس والجوامع والتجمعات السكانية العراقية فيقال هذه مقاومة للمحتل ، ناهيك عن الأتاوات وعمليات الخطف والأبتزاز التي كان يتعرض لها المواطن العراقي باسم هذه المقاومة ، وللامانة ينبغي ان نذكر ان هناك عمليات ارتكبت من قبل عصابات اجرامية محترفة ولصقت باسم جيش المهدي فالمقنعون يرتكبون الجرائم ان كانوا من الجيش المهدي او من العصابات حيث يختلط الحابل بالنابل .
إن المطلوب من التيار الصدري ان يراعي معاناة الشعب العراقي ويعمل على رأب الصدع في البيت العراقي وإن يراعي في المقدمة مصلحة الوطن العراقي قبل كل شئ .

حبيب تومي / اوسلو