الرئيسية » مقالات » المزارع الخاصة

المزارع الخاصة

يكثر ترديد مصطلح “المزارع الخاصة” في الإعلام المرئي والمقروء، وخاصةً من قبل قوى وأحزاب المعارضة، وذلك في توصيف حالة (الدول؛ جمهورية أو ملكية) والإمارات والسلطنات والتي (تدار) من قبل السلطات الحاكمة في بلداننا الشرق أوسطية وعلى الأخص منها العربية، وذلك في محاولة منها (أي من قوى المعارضة) لتعرية تلك الأنظمة التي تتحكم بمصائر البشر والحجر داخل تلك الكيانات السياسية والتي توصف بالمزرعة. فهل وفقت المعارضة في توصيفها هذا، لما هي عليها حال ومآل بلداننا، وهل في حقيقة الأمر؛ بأن الطبقة الحاكمة والمتسيدة تنظر إلى الكيانات التي تحكمها و(تديرها) على أنها مزارع خاصة (بها)، وبأن شعوبـ(ها) هم رعايا ومواطنين، بل عمال وفلاحين أجراء عند هؤلاء الأسياد. إننا سنحاول الإجابة عن هذه التساؤلات ولكن بعد أن نوصف بعضاً مما هي عليها حال بلداننا وشعوبها؛ بمللها ونحلها، طوائفها وأحزابها.. بخرابها وخرابها.

إن ما هي عليها شعوب الشرق الأوسط – وهنا التعميم لا يفقد الوصف والتوصيف الكثير من الموضوعية والمصداقية، بل فقط في الدرجة والمستوى – من حال الركود والتخلف والاستبداد والقمع والقهر والتبعية (الذيلية) للآخرين، وفي كل الجوانب والمحاور والسويات؛ حيث التخلف والركود على مستوى التنمية البشرية والاقتصادية (الثقافية والمادية) هي بدرجات أعلى حتى مقارنةً مع الدول النامية وليس المتقدمة وكمثال على ذلك نأخذ الإعلام حيث “.. مازال الإعلام العربي ووسائط الوصول إليه وبنيته التحتية ومضمونه يعاني من الضعف والقصور، ما يجعله دون مستوى التحدي في بناء مجتمع المعرفة، فعدد الصحف في البلدان العربية يقل عن 53 لكل 1000 شخص مقارنة مع 258 صحيفة لكل 1000 شخص في البلدان المتقدمة. والصحافة في أغلب البلدان العربية تحكمها بيئة تتسم بالتقييد الشديد لحرية الصحافة والتعبير عن الرأي، وتكشف الممارسات الفعلية في كثير من البلدان العربية عن انتهاكات مستمرة للحريات الصحفية والتضييق عليها بالعقوبات والتهديد، ومازال نمط ملكية الدولة هو السائد، خاصة في ما يتعلق بالإذاعة والتلفزيون”. نلاحظ مما سبق الفارق الكبير بين البلدان العربية وغيرها من دول العالم، هذا إن كان من جانب الإعلام والعرب هم (أصحاب الكلام) والشعر والبلاغة، فكيف يكون الحال في المناحي والجوانب والقضايا الأخرى.

وتأكيداً على حالة التخلف الثقافي والتي تعاني منها البلدان العربية، يمكن أن نأخذ الترجمة (ترجمة الكتب بمختلف الجوانب المعرفية) وذلك لما لها – ماضياً وحاضراً – من دور حيوي في تموضع أساس فكري ومعرفي لأي انطلاقة باتجاه التنمية والتطور؛ حيث أنها (أي الترجمة) تعتبر “من القنوات الهامة لنشر المعرفة والتواصل مع العالم، إلا أن حركة الترجمة العربية مازالت مشوبة بالفوضى والضعف، فكان متوسط الكتب المترجمة لكل مليون شخص من العرب في السنوات الأولى من الثمانينيات يساوي: 4.4 كتب، أي أقل من كتاب واحد كل سنة، بينما بلغ 519 كتابا في المجر، 920 كتابا في إسبانيا”. إننا نسأل بدورنا؛ ألا تعتبر هذه الأرقام كارثية بالنسبة لقضايا التنمية البشرية؛ حيث كتاب واحد في البلدان العربية مقابل (920) كتاب في إسبانيا التي كانت مستعمرة إسلامية (عربية) ولقرونٍ وقرون. ليس هذا فحسب، بل أن الأمر نفسه ينطبق على البحث العلمي فإنه يعاني “من شح الإنتاج، وضعف في مجالات أساسية، وشبه غياب في حقول متقدمة مثل المعلوماتية والبيولوجيا الجزئية، ويعاني.. أيضا من انخفاض الإنفاق عليه وغياب الدعم المؤسسي وعدم توافر البيئة العلمية المؤاتية لتنمية العلم وتشجيعه وانخفاض عدد المؤهلين للعمل في مجاله”. وكذلك “يعاني الإنتاج الأدبي من قلة عدد القراء بسبب الأمية وضعف القوة الشرائية للقارئ العربي، فلا يتجاوز الإنتاج العربي في مجال الكتب 1.1% من الإنتاج العالمي رغم أن العرب يشكلون 5% من عدد سكان العالم”. هذه الأرقام هي حقائق تعري ما نحن عليه من ضعف فكري ومعرفي بحيث لا يمكننا من القيام بأي عمل وفعل حقيقي على مستويات التنمية الاقتصادية المادية؛ كوننا لا نملك الأساس المعرفي التقني – التنمية البشرية – التي تؤهل “مزارعنا الخاصة” للبدء به.

أما على صعيد الحريات المدنية الأساسية؛ من حرية الرأي والتعبير والتداول السلمي للسلطة وقوانين عصرية ينظم الحياة السياسية في “مزارعنا الخاصة” بحيث يخلق مناخاً ملائماً لدور ونشاط الأحزاب والقوى المجتمعية المدنية والأهلية وكذلك بالنسبة لحماية دور ومكانة المرأة في المجتمع وما لها من تأثير في تربية الجيل الناشئ، ناهيك عن قضايا الشعوب والأمم والأقليات العرقية العالقة والشائكة، وبكل مآسيها وتراجيديتها والتي لا تجد آذاناً صاغية حتى من المعارضات العربية وليس فقط من السلطات الحاكمة. بل القمع والقمع ومن ثم القمع والاستبداد والطغيان هو الأسلوب الأوحد في التعامل مع كل تلك المواضيع والقضايا، مما خلق أجواءً كابوسية مرعبة في بلداننا التي يمكن تسميتها بـ”ممالك الرعب” أكثر من “مزارع خاصة” وبالتالي حدا بنا شعوبً وأفراد، ومن مختلف الملل والنحل، إلى “الشعور باللامبالاة والاكتئاب السياسي ومن ثم ابتعاد المواطنين عن المشاركة في إحداث التغيير المنشود. وقد نجم عن البيئة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الطاردة إضافة إلى عوامل الجذب في الدول الأخرى إلى تنامي ظاهرة هجرة العقول العربية، بما في ذلك من هدر على الدول والمجتمعات وضياع للفرص، (حيث) يقدر عدد الجامعيين العرب المهاجرين إلى أوروبا وأميركا عام 1995/1996 بـ75 ألفا، وكان عدد الأطباء العرب المهاجرين بين العامين 1998 و2000 حوالي 15 ألف طبيب”. وهكذا أفرغت “مزارعنا” من العقول والخبرات اللازمة كشرط ضروري لأي عملية تنموية؛ حيث البقية الباقية من تلك العقول، إما رهينة الاعتقال والسجن أو مغيبة ومهمشة في الواقع العربي وسجلات حقوق الإنسان في (دولنا) “أصدقُ أنباءً من الكذبِ”.

وهكذا فإن الطبقات الحاكمة في البلدان العربية – مع الفارق بينهم، وخاصةً دول الخليج العربي ومؤخراً – قد احتكرت السلطة بيدها وفي كل المجالات الحيوية ودونها، بل إنها خنقت “المعارضة” تماماً من أن تكون لها مكانة ودور ولتقوم بدور (الرقيب والرادع والبديل) السياسي بأجندتها المغايرة وكـ(حكومة ظل) كما هو العرف السائد في جل – وليس كل – دول العالم، بل أن “السلطة السياسية في البلدان العربية تعمل على تدعيم النمط المعرفي الذي ينسجم مع توجهاتها وأهدافها، وتحارب الأنماط المعرفية المعارضة، وبسبب غياب التنافس السياسي والتداول السلمي للسلطة تخضع المؤسسات العلمية للإستراتيجيات السياسية والصراع على السلطة، وتتقدم مقاييس الولاء في الاختيار للإدارة والترقية بدلا من الكفاءة والمعرفة. وأدى التقييد على البحث والإبداع العلمي إلى تكبيل العقول وإخماد جذوة المعرفة وقتل حوافز الإبداع. وتقوم السلطات الأمنية متجاوزة المؤسسات الدستورية والقوانين بمصادرة المطبوعات ومنع بعضها من الدخول والتداول والعرض والتسويق”. وهكذا فإن واقع الحال في هذه “المزارع الخاصة” خرابٌ بخراب.

إن كان هذا على المستوى المعرفي والفكر السياسي فليس بمستغرب أن تجد خطوط، بل (مساحات الفقر) في اتساع وتزايد؛ حيث أعلى معدلات البطالة والفقر والهجرة تجدها في البلدان العربية، وهكذا فإن سُجِل من (العلو) شيئاً لهذه الحكومات فإنها تسجل في تلك القضايا التي تكشف عن حقيقة المأساة التي تعيشها شعوبنا وقبائلنا وأحزابنا المختلفة الانتماءات، دينياً وعرقياً ومذهبياً طائفياً وأخيراً سياسياً أيديولوجياً. إننا لن ندخل بحثاً وتحليلاً وتنقيباً في هذا الجانب؛ (التنمية الاقتصادية) كونها أولاً ليس من اختصاصنا ونتركها لأهلها وثانياً هناك المجلدات وآلاف الدراسات كأبحاث علمية موثقة ومن منظمات دولية أكاديمية تؤكد رعب الواقع والحال في منطقتنا ونكتفي فقط بما أورده (تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003) حيث يقول: “ويرى بعض الباحثين أن جل عمليات التصنيع والاقتناء التقاني التي قام بها العرب في نصف القرن الماضي لم تؤد إلى الفائدة المرجوة، فقد استثمر العرب بين العام 1980 و1997 أكثر من 2500 بليون دولار في تكوين رأس المال الثابت الإجمالي، لكن متوسط الناتج المحلي للفرد قد انخفض خلال هذه الفترة، وقد انخفضت الإنتاجية الزراعية والصناعية”.
وبعد كل ما تقدم، وهذا غيضٌ من فيض.. وعلى ضوء أبسط تعريف لمصطلح “المزرعة الخاصة”؛ بأنها قطعة أرض – بستان – تعود ملكيته لفرد – صاحب له الحق في استثمارها أو بيعها أو إهدائها و.. (حرقها بما فيها وعليها)، فهل يقوم صاحب البستان هذا بسرقة بستانه ذاك. إن ما تقوم به الطبقات الحاكمة في بعض البلدان الشرق أوسطية من نهبٍ ولهفٍ وسلبٍ وسرقة هي أقرب، بل هي اللصوصية المافيوية بعينها. ولذلك وعلى ضوء هذا التعريف المبسط تماماً، لا يمكن أن تكون هذه البلدان هي “مزارع خاصة” لهؤلاء السارقين الناهبين لمقدرات وخيرات بلداننا، بل وبعبارة واحدة هم “لصوص المافيا” وبالتالي فإن دولنا وأوطاننا وبالنسبة لهم؛ (للحكام والأسياد) ليس إلا “بقرات حلوبٍ” و”حدائق خلفية” للجيران و.. عليهم نهبها.
المهجر – 2008

……………………………………………………………………………………………………….
تنويه: الأرقام والمعلومات الواردة في مقالنا هذا مقتبسة من (تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003)، عرض/إبراهيم غرايبة.