الرئيسية » مقالات » الهدف من الإتفاقية الأمريكية مع العراق …

الهدف من الإتفاقية الأمريكية مع العراق …

أصبح من الواضح الآن أن الأمور تتجه لعقد الإتفاقية بين الحكومة (العراقية) من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى مهما كانت ردود الأفعال ومواقف الأحزاب والشخصيات العراقية بمختلف إتجاهاتها ،المؤيدة للإحتلال والمعارضة له على السواء ، وبروز موضوع الإتفاقية في هذا الظرف بالتحديد يشير الى مدى خوف الولايات المتحدة من ان تتجه أوضاع العراق في المستقبل القريب الى أطراف موالية لايران ومعادية للوجود الامريكي من الاساس في البلاد ، وربما لا يشكل هذا الإحتمال مستحيلاً في ضوء قدرة بعض الاحزاب التي تعمل في الساحة على توظيف المساعدات الايرانية والدعم اللوجستي المقدّم لها في الوصول الى اهدافها ومنها الوصول الى السلطة والانفراد بها والغاء العملة السياسية بأسرها ..

ربما كشف تشبّث الولايات المتحدة بعقد هذهِ الاتفاقية بأسرع ما يمكن حقيقة الأهداف الحقيقية التي وقفت خلف حربها على العراق للذين كانوا معميّين سياسياً وردّدوا مراراً ان الولايات المتحدة يمكن ان تكون صديقة للشعب العراقي ، فهي لا تريد الحرية لهذا الشعب كما لا تريد الديمقراطية لهُ ! ومحاولة ربطهِ بإتفاقية إلحاقية تبيح التحكم بمصيرهِ كشفَ عمليّاً عن طبيعة نواياها ، لم تنشر الحكومة في بغداد لحد هذهِ اللحظة تفاصيل هذهِ الإتفاقية خوفاً من ردود الأفعال الشعبية ولو كانت تعلم أنّها لا تمسّ السيادة بشئ لما تردّدت في نشرها على الملئ وعرضها للتصويت الشعبي كما يحدث في باقي بلدان العالم ..

بالنسبة للولايات المتحدة تمثل هذهِ الاتفاقية المخرج الوحيد لإنقاذ إستراتيجيّتها من الموت في العراق وبالتالي فشل مشروعها وإلاّ لما فرضتها على الأحزاب العاملة تحت إمرتها في الساحة ، فهي ربما أبرمت هذهِ الاتفاقية قبل هذا الوقت لكنها لا ترغب بالإعتراف بذلك خوفاً من ان يتصدى لها حلفائها من الذين صدّقوا اكذوبة الديمقراطية التي جائت لأجلها قواتهم الى العراق !! فالأهداف الجوهرية التي تقف خلف المواقف الامريكية باتت واضحة لفئات واسعة من ابناء العراق وستقف حتماً مع ايّة قوة تريد الإلتفاف على هذهِ الاتفاقية والغاء العملية السياسية لإنقاذ العراق من تبعات هذا النوع من الإتفاقيات ، لا يوجد اجماع على رفض الاتفاقية مثلما لا يوجد على التوقيع عليها وهو جوهر الموقف العراقي المنقسم على ذاتهِ بشأن الاتفاقية …



فقسماً لا يرغب في ان تسحب الولايات المتحدة قواتها دون ان تكمل مهمتها في بناء مؤسّسات الدولة وبسط الأمن والخروج بمُحصّلة ايجابية تفيد حلفائها من المنضوين في العملية السياسية ، وقسماً آخراً يرى في بقاء القوات العامل الأكبر في تأخير عملية البناء في العراق !! وتبدو الولايات المتحدة ومن يقف خلف تقرير سيّاساتها في العراق في هذه اللحظة مشتّتة وتائهة بين تحقيق أهدافها الحقيقية من الحرب ومواجهة تفاصيل مشاريع مضادّة يعمل قسماً من الأحزاب السياسية في العراق على تمريرها وإقناع الشعب بصحتها من اجل إلحاق أكبر الخسائر في السياسة الامريكية فيه ..

ربما كان على الذين يقفون مع الولايات المتحدة إدراك نواياها منذ تلك اللحظة التي تمَّ فيها تعيين دافيد ساترفيلد في العراق سفيراً بعد ان ساهم هذا الرجل في إرساء أساساً عميقاً للفتنة في لبنان اراد من خلالهِ تنفيذ واجبهِ في جعل لبنان إسماً فقط خالياً من المعنى فقد حطمت الفتنة المجتمع اللبناني والدولة اللبنانية وساهم ساترفيلد في دعم كل الأطراف التي تجعل من دور الشعب اللبناني دوراً سطحياً وهامشياً في المنطقة وحتى في داخل البلد ..

واليوم جائت بهِ الإدارة الأمريكية ليقوم بنفس الدور في إحداث الفتنة في العراق ، والحقيقة التي لا بدَّ من قولها ان هذهِ الفتنة جائت منذ اللحظة التي تم فيها الخلاص من الدكتاتورية واختيار مجلس للحكم قائم على الطائفية والمحاصصة والعشائرية لكن ما تهدف اليهِ الولايات المتحدة تأسيس لمرحلة تسمّى توازن التوتر فهي ستعطي السنّة في العراق حجماً وكذلك لكل من الشيعة والاكراد وتقول لكل طرف نحن معكم لكنها تخلق توتراً مستمراً بين هذهِ الاطراف يمكنّها من الحفاظ على سلطتها المطلقة في البلاد ويجعل من البرلمان والحكومة والاحزاب طرفاً عاجزاً فعلاً عن إتخاذ ايّ قرار ويعودوا اليها حتى اثناء اختيارهم لملابسهم!!!

عندما نقول إتفاقية إلحاقية فهو تعبير دقيق فعلاً عن الهدف من الإتفاقية التي تريد ان تجعل من العراق بلداً شبيها بفينزويلا أثناء الحرب الباردة فذلك البلد كان يجثم على موارد عملاقة من النفط والموارد الاخرى بينما كانت اغلبية ابناءهِ تعيش تحت خط الفقر وتتحمل فساد القائمين على العملية السيّاسية فيه ..

بالتأكيد لا يخلو الوضع السياسي العراقي من بدائل لهذهِ الاتفاقية حتى من قبل بعض الاحزاب الموجودة في الساحة كالتيار الصدري الذي يستخدم سلاحين في نفس الوقت لمنع الحكومة من التوقيع على الاتفاقية فالسلاح الاول يجري تطبيقهُ على الساحة من خلال المسيرات الاسبوعية بعد صلاة الجمعة لمناهضة الاتفاقية والتي بدأت تجتذب فئات واسعة من الشعب نحوها والسلاح الثاني يتّم التحظير لهُ من قِبل كل من روسيا وايران بعد ذهاب مقتدى الى الاخيرة يكمن في تثقيفهِ بالأطر العامة للسياسة التي ينبغي إتباعها في الحالتين حالة توقيع الاتفاقية وحالة عدم التوقيع عليها …

ففي الحالة الاولى ستعطيهِ الشرعية لقيادة مقاومة شعبية مسلحة لمناهضة الاتفاقية وتجعل وضع البلاد في حالة فوضى الى ما لا نهاية ، وفي الحالة الثانية ستضطر الولايات المتحدة لتمديد بقاء قواتها سنة إضافية اخرى تساهم ايضاً في ابقاء الفوضى وتأجيل أيّ تقدم في العراق ، لكن التيار الصدري يرغب في الذهاب ابعد مما تتوقع حتى الولايات المتحدة منه وهو الانقضاض على السلطة والسيطرة على العراق ولا يمكن اغفال الجانب السياسي الذي يحرّكهُ وهما كل من ايران وروسيا لتحقيق مصالحهما في العراق …

هذه الاتفاقية ستُدخل العراق في منعطف قد يكون الأسوأ في تاريخهِ على عكس ما يتصور البعض من انها ستجعل العراق بلدا شبيها ببلدان الخليج وهو ما لا تريدهُ الولايات المتحدة ولو كانت هذهِ رغبتها لما وصل حال العراق الى ما هو عليهِ اليوم ..

ولا يمثل إسقاط هذهِ الاتفاقية من مهمات التيار الصدري وحدهُ فهو مطلب شعبي يتم التعتيم إعلامياً عليه ولا يمكن ان يصادر أحد حرية الشعب العراقي في التعبير عن رغبتهِ في الخلاص من الاحتلال والمروجين لمشروعهِ في العراق ..

لقد وقعت أكثر من دولة إتفاقية من هذا النوع مع الولايات المتحدة الأمريكية وأثبتت تجارب تلك الدول أنها لن تتمكن من الخلاص من بنودها إلاّ بالقضاء على النظام السياسي القائم وهو ما يبدو مستحيلاً لأنَّها إرتبطت مع الولايات المتحدة إقتصادياً وفك هذا الترابط يكلّفها مئات المليارات من الدولارات كما هو الحال في كل من المانيا واليابان وايطاليا وهوما يجعل من يفكر بحل مثل هذا يتراجع لأنهُ يدرك حجم الكارثة التي ستحل على إقتصاد البلد في حالة إلغاء الإتفاقية …

وحالة العراق في هذا الظرف السياسي مختلفة عن تلك البلدان على الأقل لأن الإتفاقية لا تزال في طور النقاش والمفاوضات وعملية رفضها لا تكلف الشعب العراقي شئ فقط بحاجة الى جهود جبارة للوقوف بوجهها كي لا يتحول العراق الى جمهورية ضعيفة وعاجزة كجمهوريات الموز ولكي لا يعيش شعبها في فاقة وفقر منظمين على مدار العقود الخمسة المقبلة ..

لا يرغب بعضنا في خوض نقاش حول هذهِ الإتفاقية قبل معرفة بنودها وتفاصيلها ..لكن هناك معادلة واضحة لا تحتاج منّا إلى دهاء سياسي وهي ان هناك محتلاً يفرضُ معاهدة على حكومة عاجزة لا تمتلك أيّةِ صلاحية كيف يمكن ان تكون هذهِ الإتفاقية متوازنة وعادلة وقائمة بين دولتان ذات سيادة كما يطربنا بعض المسؤلون العراقيون ؟؟؟

لايمكن ان تكون هناك أيّةِ قاعدة متوازنة لتوقيع معاهدة من هذا النوع وفي هذا الظرف بالتحديد ويمكن الإنتظار لبعض الوقت حتى ينجلي الغبار عن هذا الوضع الشاذ الذي يعيشهُ العراق والذي أصبح حتى من المتعذر تعيين موظف في مكانِ ما دون التأكد من حالة التوازن بين الشيعة والسنّة والاكراد وغدا العراق بلداً طائفياً من الطراز الأول ويغذي الاحتلال التناحر فيهِ كل يوم من خلال شركاتهِ الأمنية المنتشرة في كل مكان ..