الرئيسية » مقالات » بين دوغما الماركسية و المتمركسين و واقع الناس…

بين دوغما الماركسية و المتمركسين و واقع الناس…

لا يوجد حليف للقهر أفضل من الدوغمائية الفكرية و السياسية , هذه الدوغمائية التي تقوم على تقديس فرد أو تأليه نصوص ما , تماما كما تفعل الأصولية التي ترمى بأشنع و أقذع النعوت و الأوصاف من قبل الدوغمائيين “اليساريين” أو الليبراليين..النص الذي أشير إليه هو نص لماركس يعتبر السلاح الأقوى بين كل أسلحة الليبراليين الجدد في البرهان على استحالة الحديث عن أية اشتراكية قبل أن يستتب الأمر للبرجوازية في أرضنا خاصة و على كل الكرة الأرضية ما دام ماركس – المؤله هنا – قد وضع الاشتراكية خلف الرأسمالية بالضرورة كتشكيلة تعبر عن حتمية تاريخية اقتصادية معينة لا مناص للتخلص من براثنها إلا بالخضوع لها كالنعاج , هكذا يعلن معظم من يسمي نفسه يساريا اليوم أنه لا يتحدث عن أية إجراءات اشتراكية أو ثورية إن شئتم و لا حتى في المستقبل القريب , بانتظار استتباب الأمر لكبار المليارديرات , الذي يبدو أنه عامل “ثوري” في حياة شعوب العالم و فقراءه خاصة شعوبنا التي وصلت إلى مرحلة البحث عن رغيف الخبز وسط أكوام القمامة..تصبح النصوص مقدسة أو مطلقة الصحة لا عبر نقاش جدلي مع حقائقها فهذا يسلبها أية قدسية مثلها مثل النصوص الدينية بل عن طريق ترديدها بصوفية و إيمانية تحولها في نهاية المطاف إلى مصاف الحقيقة المطلقة , هكذا انتهت المادية التاريخية إلى أكبر مبرر للاستغلال في عالمنا على أيدي اليساريين السابقين و حتى الحاليين..إذا بكل بساطة و وفقا لمقولة ماركس “التي لا شك في صحتها” فإن على الفقراء اليوم أن يستمروا في توليد فضل القيمة لأصحاب رأس المال بإخلاص و تفاني حتى يكتشف جهابذة عبادة نصوص ماركس الوقت المناسب للبدء بالحديث عن إمكانية الانتقال إلى نظام اقتصادي و اجتماعي و سياسي أكثر عدلا , الغبي سبارتاكوس و من كان معه من العبيد كان عليهم أن يستمروا في القتال فيما بينهم حتى الموت لإسعاد ملاك العبيد في روما , أو زراعة الأرض كالحيوانات لصالح أسيادهم , لأن الظروف التاريخية لم تنضج بعد لإقامة علاقات أكثر عدلا , القرامطة أيضا و كثير من الأخويات الدينية في الظاهر في العصور الوسطى و القديمة التي قامت على مبدأ المساواة شبه الكاملة بين أفرادها و التضامن بينهم و اقتسام نتاج عمل هذه المجموعات بالتساوي فيما بين أفرادها , العمال و سواهم من أصناف المضطهدين الذين قاوموا لعقود طويلة في سبيل حقوقهم , السود في أمريكا و في أفريقيا , الفلسطينيون , الأكراد , ملايين النساء , جميعهم كانوا يعملون ضد منطق الأمور و التاريخ , كان ملوكهم و سادتهم و كبار الطغاة على حق فقد كانوا يمارسون منطق الأمور ما دام الظلم و الاستبداد و الطغيان هو القانون الأساسي للاجتماع الإنساني إلى ما شاء الله , هذا لا يبعث على السخرية للأسف بل على الغثيان..لقد أصبح السادة من حولنا يتفكهون بالثورة و يستخدمونها كعبارة كوميدية , هذه هي النتيجة الأبرز لهذا التفلسف المتمركس إن شئتم..بوش نفسه يتحدث عن الحرية , بل و يذكر “ثورات” أوكرانيا و جورجيا بالخير , زعيم البلد الذي كان يرتعد لمجرد تحرك بعض الناس في شوارع مدن الصفيح في أمريكا اللاتينية فيأمر كبار الجنرالات الخاضعين لاحتكاراته باستخدام أشد قوة ممكنة لتأديب الخارجين عن الطاعة..أما هذه الثورات المقصودة , و التي راح ضحية أحدها صديق أمريكا المدلل شيفاردنازه , فهي ليست أكثر من محاولة لاستعادة شرعية الأنظمة ما بعد الستالينية في أوربا الشرقية , تلك الأنظمة التي لا تقل عفونة و فسادا و طغيانا عن سابقاتها , في محاولة لاحتواء غضب الناس و كفرهم بالشكل المزيف الذي ارتداه حكم النخبة البيروقراطية بعد أن خلعت ثوبها الستاليني البريجنيفي..و أصبح الحديث عن الجديد ( حياة جديدة , صباح جديد , …. ) دارجا في وقت يعود فيه القديم بصورة مفبركة على أنها جديدة , في وقت يضطر فيه الفقراء إلى إسناد ظهورهم إلى الحائط أو الفرار في قوارب الموت أو إلى عبودية البترودولار التي تستهلك أرواحهم و أجسادهم..في هذه اللحظة من التاريخ تقرر النخب كعادتها خيانة الفقراء من جديد , و تعود الأمور من جديد إلى حالة القهر و الاستبداد و سلخ لحم الفقراء عن عظامهم , اليوم تحضر النخبة قضية جديدة للذبح على مسلخ الدوغما و التزييف و أولا و قبل كل شيء على مذبح مصالح قوى الاستلاب و الاستغلال , فبعد أن ذبحت حلم العدالة و أصرت على أنه مجرد سراب بعد أن دفنته أولا مع عظام و أشلاء ضحايا نظام ستالين ثم في تهليلها لغباء البيروقراطية البريجنيفية الحاكمة , أصرت دون أدنى خجل على أن تدفن كل قصة العدالة على الأرض مع الأنظمة البائدة في أوربا الشرقية , “مكتشفة” أن الظلم أبدي و ممتنع على التغيير بل و مفيد لصحة الفقراء أولا !! أما البيروقراطية الدولتية و الحزبية , المجرم الأول بحق الجماهير , فقد تلبرت بسرعة لتصبح ليست فقط أستاذة في “الحرية” على النمط التابع للاحتكارات بل و بدا أن تلبرلها هذا هو بمثابة صك غفران حصلت عليه من راعية “العالم الحر” أمريكا و احتكاراتها الاقتصادية و الفكرية و السياسية و كأن الجماهير التي ذبحت بالأمس هي آخر من له علاقة بهذه الحرية الأمريكانية , اليوم الدور على الحرية إذا , ففي الغد القريب مع انجلاء أوهام الليبراليين الجدد , رغم ثورات على النمط الذي شاهدناه في جورجيا أو إصلاحات غبية لا معنى لها , سيكون مصير الحرية هذه المرة ذات مصير العدالة على يد الستالينيين , و القضية لا علاقة لها بحرية الجماهير , التي ستكون كالعادة الضحية الأولى , بقدر ما هي تتلخص بحرية النخب في استغلال الجماهير بالتنسيق مع و بإشراف رأس المال العالمي..لنعد قليلا إلى ذلك النقاش عن إمكانية بناء الاشتراكية في بلد واحد , هذا الجدل الذي يشبه محاورات الفقه الإسلامي بشكل غريب , حيث يستخدم جميع المنخرطين فيه ذات أدوات الفقه الإسلامي , و ربما المسيحي و اليهودي أيضا , في مقاربة النصوص المقدسة و محاولة تأويلها أو “الاجتهاد” في تفسيرها , هكذا يطرح “المجددون” الماركسيون قضية مواجهة العصر و تطوير دوغما الماركسية , أي في مجرد حقهم في تأويل أكثر انفتاحا لنصوص ماركس أو ساحة أكبر من الاجتهاد في تفسيرها و استنباط “الحقيقة” منها…يضيف الكثيرون هنا أن الرأسمالية قد صمدت في وجه اختبار التاريخ , لم تسقط , و هذا عندهم يمنحها شرعية كافية لتعتبر صحيحة أو واجبة الخضوع من الناس , أي من ضحاياها أولا..بقيت الرأسمالية ؟ هذا صحيح , لكن كيف تمكنت من البقاء ؟ على أشلاء مليون اندونيسي و مئات الآلاف في تشيلي و الأرجنتين و فيتنام , عبر شراء الذمم و رشوة النخبة المثقفة و تحويلها إلى أجيرة , إلى جزء من النظام , عبر قمع الآخر , و ملاحقته و فرض “الديمقراطية” بالدم و النار على ملايين البشر , و زج الآلاف ممن يعارضونها في السجون الفعلية أو في سجون تجاهل إعلامها و مؤسساتها التعليمية و البحثية لهم..إذا كان هذا المقياس صحيحا , فهل يعطي نفس المقياس أية شرعية لأنظمة مثل نظام حافظ الأسد أو صدام حسين أو أنظمة الاعتدال التي لا تقل عفونة و ذبحا للصوت الآخر , هذه الأنظمة التي استطاعت و تستطيع حتى اليوم , و لم تتغير إلا من الداخل كما في انقلاب السادات مثلا على نظام عبد الناصر أو بفعل قوى خارجية أشد فتكا كما في سقوط نظام صدام بيد مارينز بوش و تشيني , أن تفرض “شرعيتها” على ضحاياها بالغازات السامة و السجون و المجازر من حماة إلى حلبجة , أي باستخدام نفس الوسائل التي ساعدت الرأسمالية على البقاء حتى اليوم , هل هذا يجعل منها أيضا “حقيقة تاريخية تقدمية لا سبيل” إلى زحزحتها عن صدورنا ؟ الحقيقة في وضعنا اليوم أنه لا سبيل لإصلاح هذا العالم بتحسينه اعتمادا على النوايا الطيبة لمن يملكه و يملكنا في نفس الوقت , و لا سبيل لتحسينه أساسا من دون هدمه و إعادة بنائه , ليس وفقا لمخطط مسبق أو معد من قبل فيلسوف ما , بل استنادا إلى واقع أساسي يتعلق بطبيعة الأشياء هو المساواة بين الناس و حريتهم التي يجب أن يكون أساس العمل القادم هو تحطيم كل ما يقيدها أو قد يقيدها لا تبرير كل هذا الكم المفزع من السلاسل و القيود الذي نحمله حتى اليوم.